تسعى حكومات وأجهزة الاحتلال الإسرائيلي الأمنية والعسكرية والسياسية والإعلامية إلى تشويه حركات المقاومة الفلسسطينية ما استطاعت إلى ذلك سبيلا؛ ولا يماري أحد في أن الحرب التي تشنها أنظمة القمع العربي (مصر ـ الإمارات ــ السعودية) إنما هي حرب جرى التخطيط  لها في دهاليز وغرف الموساد الإسرائيلي، وتتبناها حكومات عربية تزلفا للكيان الصهيوني وتقربا من الولايات المتحدة الأمريكية؛ لإدراك هؤلاء الحكام أن الطريق إلى قلب أمريكا ورضاها إنما يمر عبر تل أبيب.

وكانت آخر الموقف التي يحاول من خلالها الاحتلال تشويه صورة الإسلاميين عموما، ما جرى في إحدى جلسات الكنيست أوائل أكتوبر الجاري 2021م،  حيث وقف عضو ليكودي ليوبّخ أعضاء كنيست عرباً و"مسلمين" لأنهم صوّتوا ضد قانون تدريس اللغة العربية في مدارس الكيان الصهيوني، ويزداد المشهد سوريالية، حينما يذكّرهم الليكودي بأن العربية هي لغة القرآن الكريم، وأن من المعيب على "حركة إسلامية" أن تقف ضد هذا القانون!

وكانت ما تسمى بالقائمة العربية الموحدة التي يترأسها منصور عباس، وهي أحد مكونات الائتلاف الحكومي في الكيان، قد صوّتت ضد قانونٍ تقدّم به عضو الكنيست عن حزب الليكود المعارض، ياريف ليفين، يطالب فيه بتعليم اللغة العربية بالمدارس.

بالطبع الليكود لا يريد تدريس اللغة العربية في المدارس الصهيونية؛ لأنهم ببساطة دعاة عنصرية وتطرف واستئصال للفلسطينيين والعرب والمسلمين عموما، لكن الهدف من تقديم مشروع القانون هو العمل على شق الائتلاف الحكومي القائم، لأن رفض نواب القائمة العربية الموحدة للمشروع يتصادم مع عقيدة كل مسلم. وحسب شروط الائتلاف الحكومي في إسرائيل فإنه لا يسمح لاي مشارك في الحكومة تبني أي مشروع قانون يتقدم به الليكود المعارض. فإذا وافقوا انهار الائتلاف وهذا ما يريده الليكود وقد يؤدي ذلك إلى انتخابات مبكرة وعودة الليكود ونتنياهو إلى الحكومة من جديد.

ودفع ذلك ليفين إلى مهاجمة القائمة العربية الموحدة، بعد رفضها مشروع القانون، قائلا باللغة العربية، مذكّرا بنشأتها "الإسلامية": "لا يوجد حركة إسلامية بالعالم تصوت ضد اللغة العربية لغة القرآن، عيب عليكم". وأضاف: "الكرسي أهم من اللغة العربية، أنتم حركة إسلامية؟ الكرسي أهم من اللغة. أنتم حركة إسلامية أم حركة كرسية؟ كل المسلمين في الدولة يجب أن يعرفوا أن الحركة الإسلامية ضد اللغة العربية". وبدا أن بعضهم وجد هذا التصريح فرصة ذهبية للنيْل من الحركة الإسلامية الفلسطينية، من دون أن يكلّف نفسه بالغوص في تفاصيل الصورة، ووقع جرّاء هذا، في روع بعض من لا يعرفون خلفيات المشهد، أنّ إسلاميي فلسطين مجرّدون من إسلاميتهم، وفلسطينيتهم حتى!

المشهد حينما تقتطعه من سياقه تُصاب فيه بالدوار، فكيف لـ"حركة إسلامية" أن تقف ضد مشروع قانونٍ كهذا، بل كيف لحركةٍ تنتمي للإسلام أصلا أن تعمل تحت سقف الكنيست الصهيوني، والذي لا يصبح عضوا فيه إلا من أدّى قسم الولاء للكيان؟

الحقيقة الأولى التي يجب أن تُعرف، أن رفض القائمة العربية الموحدة القانون كان بسبب التزامها برفض أي مشروع قانون تقدّمه المعارضة، التزاما بشروط الائتلاف الحكومي الذي تشارك فيه.

 أما الحقيقة الثانية، وهي أكثر أهمية، فإن هذه القائمة لا تمثل الحركة الإسلامية في فلسطين، فهي مجموعة انشقّت سنة 1995م عن الحركة الأم (حركة الشيخ رائد صلاح المعتقل حاليا في سجون الاحتلال) وأطلقت على نفسها "الحركة الإسلامية الجنوبية في الداخل الفلسطيني المحتل.

حيث رأى المؤيدون لها ضرورة الانخراط في المؤسسات الإسرائيلية لخدمة المشروع الفلسطيني على غرار ما فعلت حركة فتح بتوقيع اتفاق أوسلو 1993م والذي أدى إلى نشوء السلطة الفسطينية. وانتهى المطاف بأنصار هذه المجموعة التي يقودها حاليا منصور عباس في الكنيست إلى مربع الخيانة والتفريط، تماما كما حدث مع حركة فتح التي تحولت إلى حارس لحماية أمن الكيان الصهيوني مقابل مرتبات مجزي ومناصب وهمية زائلة.

وبقيت الحركة الإسلامية قابضة على الجمر وتعمل بكل جد نحو تحرير فلسطين "كل فلسطين" من الاحتلال، لذلك تحظى المجموعة المنشقة بدعم ورعاية الاحتلال ولهم نوب في الكنيست في مخالفة شرعية لا خلاف عليها، بينما تم حظر الحركة الأم واعتقال قادتها وملاحقتهم أمنيا وإعلاميا وماليا.

ويعد الشيخ رائد صلاح رمزاً للمقاومة بين عرب 48، ولعب دوراً مهماً في التصدّي للممارسات الإسرائيلية، خصوصا في القدس، وضد المسجد الأقصى، فيما تشارك المجموعة المنشقّة في الائتلاف الحكومي الصهيوني الذي يقوده رئيس الوزراء المتطرّف المستوطن، نفتالي بينت. وفي وسع من يريد الاستزادة العودة إلى المصادر التي تشرح كيف حصل الانشقاق، ولماذا رائد صلاح في السجن، فيما يجلس منصور عباس في مقاعد الائتلاف الحكومي الصهيوني.

Facebook Comments