فاصل التخاريف و الهذيان الذي جهر به مفتي الديار السيسية شوقي علام مؤخرا حول أفضلية ليلة ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم على ليلة القدر تعكس غياب المنهجية العلمية السليمة وافتقاد المفتي لأدنى معايير وشروط الإفتاء وفق ضوابطه الصحيحة؛ ذلك أن القرآن الكريم نص بشكل قاطع على أفضلية ليلة القدر {إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة  القدر خير من ألف شهر}.

من جانب آخر، لم يرد نص صحيح صريح على أن النبي ولد في الثاني عشر من ربيع الأول،  بل هي مجرد أقوال رواة ومؤرخين لا ترقى إلى مستوى الحجية و الثبوت، لكن ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم الإثنين والخميس كما ورد في صحيح الإمام مسلم، فلما سئل عن ذلك قال عن يوم الإثنين: ذاك يوم ولدت فيه. لكن هؤلاء يحتفلون بليلة الثاني عشر من ربيع الأول رغم عدم وجود دليل على ذلك يمكن أن يحسم الخلاف بشأنه.

وكان مفتي الديار السيسية  قد قال ــ خلال احتفال نظمته نقابة السادة الأشراف بالمولد النبوي الشريف ــ إن بعض العلماء (لم يذكرهم) يرجحون في مؤلفاتهم (لم يذكر أيضا هذه المؤلفات) أن ليلة ميلاد الرسول أفضل من ليلة القدر، مشيرا إلى أنه ينحاز إلى هذا الرأي!  وادعى أن هؤلاء العلماء "برهنوا على ذلك بجملة من البراهين منها، أنه لولاه لما نزل القرآن الذي نزل عليه، فلحظات ميلاده صلى الله عليه وسلم هي الأفضل، وأنا أتحيز لهذا المنهج".

بالطبع لاقت تصريحات المفتي استهجانا في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ضرب المفتي بنص القرآن عرض الحائط، رغم أنه نص صريح يتميز بأعلى درجات الصحة والثبوت؛ لكن المفتي خالف قواعد وأصول الإفتاء، و تبنى أقوال أشخاص رغم أن  المصدر الأول للتشريع في الإسلام هو القرآن الكريم، ثم السنة النبوية الصحيحة، ثم الإجماع والقياس ثم العرف بحسب كتب الأصوليين.

ولم يعرف عن المسلمين الأوائل في عهود الصحابة والتابعين أنهم كانوا يحتفلون بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم على النحو الذي نراه اليوم، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم كل اثنين شكرا لله وهو  الأمر المشروع في ذلك، بمعنى أن الاحتفال الحقيقي إنما يكون بفعل الطاعات واتباع سنة الله صلى الله عليه وسلم.

وبدأت الاحتفالات بالمولد وكذلك موالد أصحاب بعض المقامات والأضرحة في العهد الفاطمي الذي كرس سلوك الاحتفال بالموالد والأضرحة على نحو واسع لا يزال تأثيره ممتدا حتى يومنا هذا.

وكانت الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية، قد كشفت في تقرير قبل سنوات أن مصر تحتفل سنويا بـ 2850 مولدا لشخصيات صوفية ودينية للمسلمين والمسيحيين، لتحتل بذلك صدارة الدول التي تقيم "الموالد الشعبية". ويرتبط بالموالد عادات وطقوس غريبة جعلت لها طابعا خاصا في مصر، وترتكز على تقديس أشخاص، لاعتقادهم أنهم يمتلكون كرامات، تستمر حتى بعد وفاتهم، وأنهم يمكن أن يغيروا الأوضاع للأحياء مثل شفاء الأمراض وحل المشكلات وإزاحة الهموم. وهو المعتقدات التي تخالف القرآن والسنة؛ والتي تلزم الناس بالإيمان المطلق بأن الذي يملك النفع والضر هو الله، وليس أحدا من الأشخاص مهما علا مقامه أو مكانته بين الناس.

ويتجمع المصريون في تلك الموالد بجوار الأضرحة أو المساجد التي يعتقدون أن من يحتفلون بمولدهم مدفونين بها، حيث يقيمون "حفلات ذكر جماعي" وينشدون الأشعار الصوفية، ويوزعون الطعام والشراب بسخاء، إكراما لمريديهم. وسواء كان المولد مسيحيا أو إسلاميا فهناك طقوس شبه ثابتة في الاحتفالات، أشهرها حلقات الذكر، الأغاني الشعبية، أو ترانيم الكهنة والشماسين في المواكب المسيحية، كما يعد المصريين أكلات خاصة، تحتوى غالبا أصناف من الحلويات، وتتفنن متاجر الحلوى في عرض أشكال مختلفة منها.

وتشجع الحكومات المصرية المتعاقبة هذه الطقوس بشدة وترى في الحركات والطرق الصوفية ساندا لها توظفه سياسيا لحساب أجندتها واعتماد تأويلات الصوفيين باعتبارها الفهم والتفسير الصحيح للإسلام.و

ودعم الصوفية انقلاب الجنرال عبدالفتاح السيسي على الرئيس المنتخب محمد مرسي، كما حرض بعضهم على قتل المعتصمين في ميدان رابعة كما فعل علي جمعة في تحريضه السافر لضباط الجيش والشرطة "طوبى لمن قتلهم وقتلوه، من قتلهم دخل الجنة" وتصريحه الآخر "دي ناس نتنة لا يستحقون مصريتنا"! واعتبر سعد الدين الهلالي السيسي ومحمد إبراهيم وزير الداخلية الأسبق رسولين من عند الله كما أرسل الله موسى وهارون! وأفتى شيخ الطريقة العزمية محمد أبو العزايم، شخ الطرق الصوفية، بتكفير الملايين من المصريين المشاركين في مظاهرات رفض الانقلاب العسكري في مداخلة على قناة "التحرير" في يناير 2014م، مدعيا أنهم "ليسوا مصريين وليسوا مسلمين".

وكانت تقارير إعلامية كشفت في مايو 2019م أن "دائرة السيسي، التي يقودها رئيس الاستخبارات العامة اللواء عباس كامل، أصدرت تعليمات إلى مؤسسات الدولة بالتوسع في نشر الأفكار الصوفية وتوطينها وترسيخها، بدلاً من الأفكار التي كان يدعو لها التيار الإسلامي السياسي، ممثلا في جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية، وحتى الدعوة السلفية، وحزب النور ذراعها السياسية الموالية للنظام، الذي كان يملك 11 نائبا في البرلمان دورة 2016/2021م".

Facebook Comments