اعترف وزير الموارد المائية والري بحكومة الانقلاب، محمد عبد العاطي، بأن إيراد نهر النيل في مصر تراجع نتيجة إجراءات إثيوبيا الأحادية في ملء وتشغيل سد النهضة. وفي محاولة لطمأنة المصريين زعم أن الحكومة أعدت خطة قومية تمتد لـ 20 عاماً (2017 – 2037)، بتكلفة تتراوح ما بين 50 و100 مليار دولار، من أجل إنشاء محطات معالجة مياه ثنائية وثلاثية، ورفع كفاءة منظومة الري، للحد من العجز المتوقع في حصة الفرد من المياه.

وأضاف عبد العاطي، بمناسبة افتتاح أسبوع القاهرة للمياه، الأحد 24 أكتوبر 2021م: "مصر تعاني عجزاً مائياً يقدر بـ90% من مواردها المتجددة، وتعيد استخدام نحو 35% من تلك الموارد لسد الفجوة الحالية، لا سيما أنها تواجه تغيراً في إيراد النيل نتيجة إجراءات ملء وتشغيل سد النهضة بصورة منفردة، من دون التوصل إلى اتفاق قانوني مُلزم، في ما يخص قواعد التشغيل".

وقال إن "الدولة تعمل على تنفيذ العديد من المشروعات القومية الكبرى في مجالات تحسين نوعية المياه، وترشيد استخداماتها، وتنمية الموارد المائية، وتهيئة البيئة المناسبة لها عن طريق إنشاء محطات عملاقة لمعالجة مياه الصرف الصحي والزراعي، وتحديث نظم الري، وحماية الشواطى، فضلاً عن تطوير التشريعات​، والإصلاح المؤسسي، وتعظيم الفائدة من كل قطرة مياه".

 

خطة بلا جدوى

ويرى الدكتور نادر نور الدين، الخبير في الشئون الزراعية، أن مياه البحار لا تعتبر مصدرًا غير محدود لإنتاج المياه العذبة ومازالت كمية المياه المحلاة المنتجة عالميًّا لا تزيد على 0.6% فقط من إجمالى المياه العذبة وبحجم يزيد قليلا عن 25 مليار م3 فى جميع دول العالم أى أقل من نصف حصة مصر من مياه النيل!.

وتعتبر المملكة العربية السعودية هى الأعلى إنتاجًا فى العالم بكمية 6.5 مليار م3 سنويًّا تليها الولايات المتحدة بكمية 6 مليارات ثم الإمارات بحجم خمسة مليارات، ثم إسبانيا بنحو 2.5 مليار م3 والكويت بنحو 2 مليار ثم اليابان وليبيا وكوريا وقطر وإيطاليا بنحو نصف مليار م3 سنويًّا.

وبحسب نور الدين، يتبين من القائمة السابقة أن تقنية تحلية مياه البحر هى تقنية الدول الغنية والبترولية ولا توجد دولة نامية أو فقيرة دخلت مجال تحلية مياه البحر، لأنها تقنية مرتفعة التكاليف ومحدودة الإنتاج بالإضافة إلى أن فلسفة إنتاجها هى «الحفاظ على حياة البشر وليس لإحداث تنمية»، ولذلك تذهب 57% منها للشرب والاستخدامات المنزلية، و23% للصناعة ثم 18% لقطاع إنتاج الطاقة ولا يذهب للقطاع الزراعى سوى 1% فقط من مياه التحلية بسبب ارتفاع تكلفتها وعدم الجدوى الاقتصادية، كما أن التحلية كثيفة الاستهلاك للكهرباء، حيث تمثل الكهرباء 44% من تكاليف الإنتاج وبالتالى فهى تتطلب دولًا ذات وفرة رخيصة فى إنتاج الكهرباء، ولا تكلف الأغشية أكثر من 5% فقط من إجمالى التكلفة.

وينتهي إلى أن تقنية التحلية هى تقنية مرتفعة التكاليف، خاصة بالدول الغنية والبترولية وكثيفة الاستهلاك للكهرباء، وتتطلب دفن النفايات الناتجة عن التحلية فى أعماق الصحارى ولها تداعيات بيئية عديدة، وتزيد من الانبعاثات الغازية والاحترار العالمى ولها مخاطر عديدة على الثروة السمكية والأحياء البحرية، بالإضافة إلى العديد من التحفظات على تأثيرها على بعض الوظائف الحيوية للكُلى فى الإنسان وتداعياتها الصحية، بالإضافة إلى تسببها فى خلل اجتماعى بسبب ارتفاع تكاليفها على الفقراء ولا بد من دعم تكاليف توصيلها للمنازل.

ويضيف أن تحلية مياه البحر لن تعطى لمصر أكثر من 5 مليارات م3 مكعب فى عام 2050 كما هو مستهدف و3 مليارات فى عام 2030، وتتطلب إنشاء عشرات من محطات التحلية بتكاليف مليارية، بعد أن استغللنا كل مياه المخلفات بحجم 20 مليار م3. هذه هى القضية وهذا هو السؤال: ما بديل ربط نهر الكونغو بنهر النيل قبل عام 2050 يمكنه أن يوفر لمصر 40 مليار م3 سنويًّا بعد معالجة كل أنواع مياه المخلفات واستخدامها؟!. فهندسيًّا لا يوجد مستحيل حتى وإن قاوم بعض الجيولوجيين أمرًا قد لا يتوفر مستقبلًا، بل ينقذ مليارات وملايين من مياه الأنهار التى تلقى فى المحيطات والبحار بينما يمكن أن يموت الناس عطشًا وقحطًا، وكأن المياه المالحة أولى بالمياه العذبة من البشر.

ويرى أن مشروع حقن مياه نهر الكونغو فى مياه نهر النيل قد تكون أجدى وأكثر نفعا رغم اعتراض العديد من الباحثين على الأمر سواء بعلم أو بدون علم، ويعزو أسباب تبنيه لهذا الحل أن تكاليف حقن مياه نهر الكونغو في النيل تدفع مرة واحدة عند توصيل النهرين مثلما حدث فى حفر قناة السويس، فى حين تتطلب محطات التحلية مصاريف صيانة دورية وقطع غيار تتجاوز 7% من تكاليف الإنشاء ثم إحلالًا وتجديدًا كاملين لمحطات التحلية كل 50 سنة. أى أن تكلفة نقل مياه الكونغو تتم لمرة واحدة فقط ثم تعطيك مياهًا عالية النوعية مدى الحياة.

 

مأزق البدائل

وحول إمكانية الاعتماد على تحلية مياه البحر لسد العجز المائي، قلل أستاذ هندسة السدود بجامعة يونتين في ماليزيا محمد حافظ، من قدرة مصر الاستثمارية والنفطية على تحلية الكمية المطلوبة من المياه، لافتا إلى تراجع الحكومة عن إمداد العاصمة الإدارية الجديدة بالمياه المحلاة.

 وأرجع حافظ التراجع الحكومي لارتفاع فواتير المياه المحلاة، قائلا إن فاتورة مياه البحر ستصل -وفي أرخص الحالات- لقرابة 18 جنيها لمتر المياه الواحد، في وقت تصل فيه تكاليف المعالجة الثلاثية لمياه النيل لقرابة 2.5 جنيه فقط، ما سيكون عبئا على المواطن الذي سيسكن العاصمة الجديدة.

 وينتهي إلى أن تحلية مياه البحر ليست هي الحل الأمثل لتعويض العجز المائي المنتظر، وفق قول الخبير المائي، حيث لا تمتلك مصر القدرة المالية لبناء محطات تحلية، ولا يقدر المواطن على شراء مياه باهظة الثمن.  أما الاعتماد على المياه الجوفية لسد العجز المائي، فاستبعدها حافظ أيضا، لكون المياه الجوفية تنبع من سطح مياه الترعة المتفرعة من نهر النيل، وعليه فالنقص في منسوب النيل يؤدي حتما لانخفاض منسوب المياه الجوفية، بل جفافها في بعض المناطق.

 وبالنسبة للمياه الجوفية في المناطق الصحراوية البعيدة عند أعماق تتراوح بين (600 – 1200 متر تحت سطح الأرض)، فأوضح الخبير المائي وجود مخزون ضخم بالفعل، ولكن معظمه غير متجدد ولا يمكن سحب أكثر من أربعة أو خمسة مليارات متر مكعب سنويا، مشيرا إلى التكلفة المرتفعة سواء في مراحل سحب المياه أو معالجتها. ويبقى تدوير مياه الصرف، حيث أكد حافظ أن مصر تستطيع تدوير 15 مليار متر مكعب من مياه الصرف، وذلك بعد استخدام حصتها ذات الـ 55.5 مليار متر مكعب.

 وأوضح أنه عندما تنخفض الحصة من 55 إلى 25 مليار متر مكعب أثناء تخزين سد النهضة، فلن تزيد المياه المتحصلة من معالجة الصرف عن سبعة أو ثمانية مليارات متر مكعب، مضيفا أن نصيب الفرد من المياه سينخفض في هذه الحال إلى 320 مترا مكعبا سنويا.

من جانبه، طرح  اختصاصي التوعية بشركة مياه الشرب والصرف الصحي أحمد بهنسي، بدائل عدة لسد العجز المائي، منها اتباع نظم ري حديثة، والعدول عن طريقة الري بالغمر، واستنباط تقاوي (بذور) تعتمد على المياه البسيطة، إلى جانب الاستفادة من مياه الأمطار.

 كما قال بهنسي -في تصريحات صحفية- إن تغطية الترع والمصارف مع تطهير المجاري المائية من النباتات التي تتكاثر بها مثل ورد النيل، وتفعيل القوانين التي تجرم إهدار المياه، سيؤدي إلى خفض نسب المياه المهدرة.

Facebook Comments