توقعت ورقة تحليلية الانقلاب في السودان تحت عنوان "الخلاف المدني العسكري في السودان" انتهاء هذه الحرب الاستفزازية بين العسكر والمدنيين بالسودان بتنفيذ مبادرة حقيقية تشمل كافة القوى السياسية المتنازعة، وتشكيل حكومي جديد يضم ممثلين عن كافة القوى المدنية دون إقصاء أي طرف من المشهد، على أن يتم الإبقاء على رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك الذي يلقى قبولا دوليا".
وأضافت أن ذلك قد يكون السيناريو الأقرب للتنفيذ لتجنيب البلاد حالة الفوضى السياسية.
واستدركت أنه رغم هذا الحل الذي لم يقع إلى الآن تبقى التساؤلات عن مدى إمكانية التعويل على الدعم الدولي بقيادة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لرئيس الوزراء السوداني والدفع بمطالب الإصلاحات في الأجهزة الأمنية، ووضعها تحت إشراف الحكومة المدنية في تقوية المكون المدني".

فشل المرحلة الانتقالية
وأضافت الورقة، التي نشرها موقع الشارع السياسي، أن الخلاف القائم والانقلاب الحالي يعني في المجمل، يتحمل مسؤولية الفشل في إدارة الفترة الانتقالية التي تعيشها البلاد بعد ثورة أطاحت بحكم عمر البشير الذي طال لثلاثين عاما.
وعزت أسباب الخلاف إلى ثلاثة أسباب رئيسية؛

الأول، يتعلق باللجنة الأمنية والمكون العسكري حيث إنه مسؤول عن إجهاض الثورة ويعمل على إعاقة استكمال متطلبات الثورة، فضلا عن مسؤولية الجيش عن مجزرة فض الاعتصام وعدم إنفاذ القوانين وعدم هيكلة القوات النظامية وتصفية النظام السابق حتى الآن.
الثاني، تغوُّل المجلس العسكري على صلاحيات المكون المدني، وعلى السلطة المدنية ومحاولة إضعافها وإظهار أنه المسيطر، كما حدث في مهمة السلام مع الحركات المسلحة، من المفترض أنها من اختصاص الحكومة المدنية، لكن المجلس العسكري تغول على مسألة السلام، وهم الذين وقعوا الاتفاقية حتى أن وجود رئيس الوزراء عبدالله حمدوك في الاحتفالات كان تشريفيا.
وأشارت إلى إنشاء مقترح رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان “مجلس شركاء الفترة الانتقالية”، وتم إعطاؤه صلاحيات موسعة وهذا غير موجود في الوثيقة الدستورية، كمحاولة لفرض مزيد من السلطات لصالح المكون العسكري، ورفضت الحكومة الانتقالية قرار البرهان مُعتبرة أنه تخطى صلاحياته عبر إناطة صلاحيات موسعة بهيئة جديدة، بما يتناقض مع الوثيقة الدستورية الموقعة في أغسطس العام الماضي بين نشطاء مؤيدين للديمقراطية والقادة العسكريين.
الثالث، يتعلق بالشركات المملوكة للجيش الرافضة أن تؤول مكليتها لوزارة المالية، حيث 80% من واردات الدولة تذهب لصالح الجيش والمؤسسات الأمنية، في حين لا تحصل وزارة المالية إلا على 20% فقط.

بيزنس العسكر
وأشارت الورقة إلى تقارير إعلامية محلية قالت إن "لدى الجيش والأجهزة الأمنية 250 شركة تعمل في قطاعات حيوية مثل تصدير الذهب واللحوم واستيراد دقيق القمح إضافة إلى الزراعة، وهذه الشركات معفاة من الضرائب ولا تخضع للمراجعة ، ما يجعلها تعمل في سرية تامة في ظل معاناة البلاد من أزمة اقتصادية".

تهميش الإسلاميين
ورأت الورقة أن الخلاف داخل قوى الحرية والتغيير، الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية الحالية برئاسة عبد الله حمدوك، بسبب مبادرة أطلقها حمدوك قبل شهرين للم شمل الفرقاء السياسيين وضم وتوحيد عمل القوى السياسية الحالية دون المواليين أو الحلفاء السابقيين للمؤتمر الوطني الإسلامي، حيث كانت محاولة لتوحيد القوى المدنية ووقف الانقسامات ومعوقات الانتقال، إلا أن مبادرة حمدوك تسببت في العديد من الانقسامات والخلافات بسبب تخوف بعض الأطراف السياسية، ما رأت فيه إضعافا أو تهميشا وإقصاء لها من المشهد السياسي.
وأضافت أن مشكلات التيار "المدني" متشابه مثل كافة مبادرات السلام في السودان، كاتفاق جوبا للسلام الذي لا يزال محل خلاف مع الحركة الشعبية شمالا وجناح عبد الواحد في دارفور.
وأردفت أن الانقسامات والمشاكل المتراكمة داخل المكون المدني،  ساهمت في تأخر الخطوات الحاسمة في ملف قاطرة التغيير السياسية واستكمال مفاصل الدولة بخاصة انتخاب المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية العليا، ما أعطى الفرصة للمكون العسكري لشن الهجوم والاعتراض على أداء المدنيين.

إضعاف الحكومة
وأشارت الورقة إلى أنه رغم أن الوثيقة الدستورية أعطت للحكومة بتشكيلها المدني برئاسة حمدوك السلطة في اتخاذ كافة القرارات والسياسات العامة والمصيرية، على أن يكون منصب البرهان في رئاسة المجلس السيادة مجرد منصب شرفي؛ إلا أن الفترة الماضية شهدت تدخل مجلس السيادة في التصديق على قرارات مصيرية سواء على المستوى الداخلي أو العلاقات الخارجية، وعزَّزت الاحتجاجات والتوتر الأمني في شرق السودان من إضعاف موقف الحكومة.
واعتبرت أن مظاهرات قبيلة البجا بزعامة الأمين ترك، وغلق ميناء بورتسودان وإغلاق السكك الحديدية بمحطة هيا وخطوط توريد البترول، وإلغاء مسار شرق السودان المبرم في اتفاقية جوبا للسلام، وحل لجنة تفكيك الإخوان التي تحظى بسند شعبي ورسمي كبير، وحل الحكومة الحالية، وتشكيل مجلس عسكري يدير البلاد لفترة انتقالية محدودة تعقبها انتخابات حرة.
ولفتت إلى أن التراشق والتوتر بين المكونين المدني والعسكري في رفع سقف مطالب الثوار في شرق السودان. خاصة مع تمكنهم في السيطرة على شريان الحياة الاقتصادي من الشرق، الذي يمد الخرطوم والولايات السودانية بأكثر من 70% من احتياجاتها من الخارج، الأمر الذي وصل في الأخير إلى محاولة انقلابية فاشلة.

توطئة انقلابية
وأشارت الورقة إلى أن تصريحات البرهان، بشأن وصاية الجيش على البلاد، ومهاجمته للمدنيين في مجلس السيادة الحاكم، اعتراضات ومخاوف كثيرة بشأن نوايا المكون العسكري في المجلس، الذي يقود المرحلة الانتقالية.
وكان تجمع المهنيين السودانيين، الذي لعب الدور الأكبر في ثورة ديسمبر 2018، التي انتهت بالإطاحة بحكم الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير، قد دعا إلى إنهاء الشراكة مع المجلس العسكري وإلغاء الوثيقة الدستورية، مُطالبا بتشكيل حكم مدني خالص، واصفا السلطة الانتقالية بـالمعطوبة،  أما خارجيا  فقد كان أبرز ردود الفعل هو موقف واشنطن، التي حذرت من أي محاولة من قِبل العسكريين في السودان، لتقويض الانتقال الديمقراطي في البلاد، وأكد مستشار الأمن القومي الأميركي، جاك سوليفان، الجمعة 24 سبتمبر، التزام إدارة الرئيس جو بايدن، بدعم الانتقال الديمقراطي، الذي يقوده المدنيون في السودان.

انتخابات مبكرة

وقالت الورقة إنه "من الناحية العملية، يصعب إجراء انتخابات مبكرة قبل تنفيذ بند الترتيبات الأمنية، فهي لا تزال محل خلافات بين الجيش والحركات المسلحة التي من المفترض استيعاب عناصرها داخل المؤسسة العسكرية النظامية، وملف عودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم وصرف التعويضات اللازمة".
وأضافت أن إعادة هيكلة المنظومة الأمنية مسألة غير محسومة حتى الآن ومليئة بالمراوغات، في ظل وجود مجموعات من الجيوش غير النظامية، ناهيك عن استكمال خطوات السلام، حيث توجد عقبات مزمنة مع حركات مسلحة، في مقدمتها الجبهة الشعبية جناح عبدالعزيز الحلو، وحركة تحرير السودان جناح عبدالواحد نور، فلا أحد يستطيع القطع بموعد الحوار المنتج معهما.
 بدأت المصفوفة الزمنية تؤدي إلى لغط كبير كلما اقترب أجل انتهاء مدة رئاسة العسكريين لمجلس السيادة، ولكنها في رؤيتها للمستقبل قالت إن جميع السيناريوهات مفتوحة أمام استمرار التصعيد بين العسكر والمدنيين، والعودة لنقطة الصفر رغم مبادرات عديدة ووثيقة دستورية حددت العلاقة بشكل واضح من أجل العبور بالمرحلة الانتقالية وتحقيق التحول الديمقراطي السلمي في السودان إثر إزاحة نظام البشير".
واستدلت بالشواهد أن الاختلافات داخل المعسكر المدني نفسه إضافة إلى الاحتكاكات المتصاعدة مع المكون العسكري؛ قد لا تؤدي لحلول ناجزة، خاصة إذا ما وُضع في الاعتبار الشارع السوداني الملتهب والمتعطش لسياسات تنفذه من الأزمة الاقتصادية الطاحنة والانفلات الأمني".

 

https://politicalstreet.org/4510/?fbclid=IwAR16ScxJuioUy4voRmigReu3sBsKjQr9pDTCvO-VCfXBUUcG_-mcj4BFZCQ

Facebook Comments