التزوير والتلفيق وقول جزء من الحقيقة والقهر العلمي والأكاديمي هدف ووسيلة نظام السيسي لتجميل صورته القبيحة، لإقناع العالم بصورة غير واقعية عن نظام العسكر القمعي. وهو ما تجلى في إصدار "تقرير التنمية البشرية" الذي يعده برنامج الأمم المتحدة وسط ضغوط من سلطات الانقلاب المصرية عن العام 2021، بعد فضيحة تقرير 2016 الذي أُعلن ونُشر على مواقع إعلامية مصرية وجرى سحبه وشطبه من على جميع المحركات، بسبب احتوائه بعضا من الحقائق التي لا يرغب العسكر في إماطة اللثام عنها للعالم، إلى أن صدر تقرير التنمية البشرية الجديد تحت شعار "عندما تريد الدولة أن تسمع صوتها فقط".
وقد تسلم السيسي التقرير من هالة السعيد، وزيرة التخطيط بحكومة الانقلاب وراندا أبو الحسن، الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مصر.
فيما تستعد 3 منظمات حقوقية لمخاطبة مدير برنامج اﻷمم المتحدة الإنمائي، آخيم شاتينر، للاحتجاج على مضمون تقرير التنمية البشرية في مصر الذي أطلقه البرنامج الأممي قبل نحو شهرين.
إذ ترى المنظمات ضرورة سحب التقرير مؤقتا من كافة المواقع الإلكترونية التابعة للمنظمة الأممية ومراجعته، والتأكد من أن برنامجها في مصر يتشاور مع منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني قبل إصدار تقاريره، وذلك مع فتح تحقيق تُعلن نتائجه حول كيفية صدور هذا التقرير.
وترى منظمات "العفو الدولية" و"هيومان رايتس ووتش" و"مركز القاهرة لحقوق الإنسان" أن ما تضمنه التقرير من إشادة بقوانين مكافحة الإرهاب، والكيانات الإرهابية، ومكافحة الجريمة الإلكترونية، يتعارض مع استخدام سلطات الانقلاب هذا الإطار التشريعي لتجريم كل أشكال المعارضة، وتقويض ضمانات المحاكمة العادلة للمتهمين بالإرهاب وجرائم الأمن القومي.
كما تحتج المنظمات الثلاث، على إشادة التقرير بقانون العمل اﻷهلي، ما يتناقض مع مواقف سابقة لخبراء تابعين للأمم المتحدة كانوا قد أشاروا إلى القيود التي يفرضها هذا القانون على العمل الأهلي، فضلا عن رفض تلك المنظمات مزاعم التقرير حول التزام مصر بإجراءات متوافقة مع مبادئ اﻷمم المتحدة بشأن إجلاء سكان المناطق غير اﻵمنة، ما يتناقض مع تصريحات سابقة للمقررة اﻷممية للسكن، في ضوء زيارة قامت بها لمصر.
حكاية التقرير
في منتصف سبتمبر الماضي، أطلق البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ووزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية تقرير التنمية البشرية في مصر، وسط احتفاء رسمي وإعلامي لافت، خاصة مع حضور السيسي حفل إطلاق التقرير، الذي يفترض أن يتناول مراجعة تحليلية للسياسات التي جرى تبنّيها وتنفيذها وتأثيرها في حياة المواطن المصري، كما يقدم مجموعة من السياسات المستقبلية للحكومة في ضوء نتائج التقرير بما يُسهم في تحسين الوضع الحالي، واستكمال مسيرة التنمية البشرية التي بدأتها مصر، بحسب اﻷمم المتحدة.
وبحسب خبراء، جاء التقرير، كي لا يُغضب حكومة الانقلاب، ويتجنب مصير سابقه، وكان هدف الفريق وفق تصرحيات إعلامية لأحد أعضائه، هدفنا كان صدور التقرير بأي ثمن، وتجنب أن يلقى مصير التقرير السابق، ولذلك فقد خُففت أي لهجة للنقد بحيث تحول عرض التحديات مثلا إلى توصيات.
التقرير السابق المشار إليه، هو تقرير التنمية البشرية الذي نشرته وزارة مالية الانقلاب في 2016، قبل أن تحذفه من موقعها بعد دقائق، ليصبح رغم إعداده والانتهاء منه ونشره، كأنه لم يكن، وصولا إلى تقديم تقرير هذا العام باعتباره يأتي بعد عشر سنوات من نشر آخر تقرير للتنمية البشرية في عام 2010 بحسب مقدمة التقرير، وكذلك بحسب تأكيد رئيس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولي، في احتفالية صدور التقرير الجديد، أن عودة التقرير بعد توقف عشر سنوات يؤكد أننا تجاوزنا التحديات وأصبحنا أكثر انفتاحا.
متناسيا تقرير 2016 الذي تم شطبه بقرار أمني مخابراتي، وتجنب تقرير هذا العام كل الموضوعات المثيرة لغضب الحكومة تقريبا، وعلى رأسها الحريات العامة والمشاركة السياسية، وانتقائه رؤوس موضوعات وعناوين مناسبة لعرض الكثير من إنجازات الحكومة، إلا أنه مرر بيانات شديدة الأهمية عن التعليم والصحة بالذات، دون أن يطرح انتقادات واضحة للحكومة في هذا السياق.
بحسب التقرير، فإن قيمة مؤشر التنمية البشرية في مصر لعام 2020 كانت 0.707، احتلت بها الترتيب رقم 116 عالميا بين 189 دولة، كواحدة من الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة، وبقيمة أعلى من متوسط مؤشر الدول العربية، وذلك للمرة اﻷولى.
في الوقت نفسه، وبالمقارنة مع الدول العشرة التي تسبق مصر، وهي ذات مستوى اقتصادي مناظر، فإن مؤشر عدد سنوات الدراسة يُعد أكثر المؤشرات الفرعية انخفاضا في مصر، رغم تمتعها بمؤشر توقع سنوات دراسة يسبق ست من الدول العشر، ما يشير إلى ضرورة تحسين جودة التعليم في مصر، بحسب التقرير.
معايير اللامساواة
وتبعا لمؤشر آخر معدل للتنمية البشرية، الذي يضيف تبعا لمؤشر آخر معدل للتنمية البشرية، الذي يضيف معايير اللامساواة في ما يتعلق بالتعليم والصحة والدخل، تتراجع قيمة مؤشر مصر وصولا إلى 0.497، ما يقل عن المتوسط في الدول العربية: 0.531، وعن المتوسط في الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة التي تنتمي لها مصر فهو 0.618.
الفاقد في مؤشر التنمية البشرية بسبب اللامساواة يتوزع كالآتي: 11.6% بسبب اللامساواة في توقع العمر عند الميلاد، 38.1% بسبب عدم المساواة في التعليم، 36.5% بسبب عدم المساواة في الدخل. وبذلك يبرز التعليم مرة أخرى، كنقطة ضعف رئيسية في مؤشر التنمية البشرية المُعدل.
وكذلك الصحة وباقي مناحي الحياة في مصر في ظل حكم عسكري لا يُولي أهمية سوى للأمن والعسكر فقط، بينما تخرج مصر من مؤشرات الحياة وجودتها وفق التصنيفات العالمية.