في رواية "يوتوبيا" يتنبأ الراحل أحمد خالد توفيق بأن الأجيال القادمة ستتساءل لماذا كان أجدادنا يكرهون الإسرائيليين ونحن نتعامل معهم بشكل طبيعي جدا؟ والحال بعد انقلاب 30 يونيو 2013 أن النبوءات التي تتحدث عن العلو الصهيوني قد تحقق أغلبها، وذلك على يد السفاح  المنقلب عبد الفتاح السيسي.

بعد مقولته الشهيرة "لن نترك غزة وحدها" عقب العدوان الصهيوني على القطاع في 14 نوفمبر 2012، أدرك كيان العدو الصهيوني، وأجمعت مؤسساته السياسية والأمنية، أن بقاء الرئيس الشهيد محمد مرسي، على رأس السلطة في مصر، يشكل خطرا داهما على علو الكيان الغاصب.

وجاء الانقلاب بآخر صور ذلك العلو الصهيوني، ممثلا في اجتماع وزير خارجية العسكر سامح شكري مع عدد من ممثلي المنظمات اليهودية الأمريكية لتلقي التوجيهات والتطمينات لعصابة الانقلاب بمصر، تحت غطاء خادع وهو مناقشة العلاقات الإستراتيجية مع أمريكا ورؤية مصر لقضايا المنطقة.

 

قالها الفقي..!

اجتماع شكري مع الوفد الصهيوني الأمريكي لم يخرج عما تنبأ به مصطفى الفقي، سكرتير المخلوع مبارك للمعلومات سابقا، والمقرب جد ا من السفاح السيسي حاليا، والذي كان يبحث يبحث عن حل وقد عثر عليه، فدعا عبر "أم بي سي مصر" إلى الاستعانة بالعدو الصهيوني لحل أزمة سد النهضة، وقال إن "إسرائيل هي التي تحمي السد"، وقبل ثورة 25 يناير قال إنه "يُشترط لحاكم مصر القادم أن توافق عليه إسرائيل"، وبدا في الحالتين، كما لو كان يروّج للانبطاح لها.

وقد استشعر كيان العدو الصهيوني هذه الخطورة، فأصدرت سفارته في القاهرة بيانا نفت فيه ما أُذيع في بعض القنوات التلفزيونية وبعض المقالات من أنه يحمي السد أو أنه ضالع في شيء يخصه.

الفقي يعرف من أين تُؤكل الكتف وكيف يخدم العدو الصهيوني والعسكر معا، وقدم في السابق وقبل ثورة يناير خدمة غير مباشرة لمشروع التوريث، ليقطع الطريق على من قد يعتقدون أن اختيار الحاكم الجديد هو من سلطة الشعب المصري، ويحث على التسليم بالقادم، باعتبار أنها إرادة العدو الصهيوني في المنطقة، الذي إذا أرادت شيئا تعتمده الإدارة الأمريكية على الفور.

 

الهدف الإستراتيجي

وبحكم رقصه على سلالم الانقلاب يعرف الفقي الأهداف الإستراتيجية من موافقة السفاح السيسي على بناء السد، وهي أهداف إستراتيجية وتكتيكية، تدور كلها حول تثبيت موقعه في السلطة، فعقب الانقلاب العسكري في يوليو 2013، جمد الاتحاد الإفريقي عضوية مصر.

وأعلن القادة الإثيوبيون أنهم لن يتفاوضوا مع سلطة الانقلاب في أمر السد، لأنها وليدة انقلاب عسكري، لكن الاتحاد الإفريقي عدل عن قراره، والسلطة الإثيوبية تراجعت عن تشددها، ثمنا لموافقة النظام الإنقلابي على بناء السد، الذي كان مرفوضا من أي نظام عسكري سابق.

كما أن الهدف الإستراتيجي من الموافقة على بناء السد، هو إيجاد المبرر لتوصيل المياه إلى كيان العدو الصهيوني، على أساس أن تتدخل الصهاينة بما لهم من نفوذ على إثيوبيا للوساطة، وكان الفقي في مقابلته مع "بي سي مصر السعودية، يعبد الطريق لما هو آت.

واعتبر الدكتور رفعت لقوشة، المفكر السياسي، أن تصريحات الدكتور مصطفى الفقي تعني ببساطة أن إسرائيل تتقدم خطوات لشراكة في الحكم مع مصر بكل تبعات تلك الشراكة التي تعني أن تتحول مصر إلى ملحق في المعادلة الأمنية الإسرائيلية.

مشيرا إلى أن هذا الوضع يصادر أي طموح مصري للصعود كقوة إقليمية كبرى أو قاعدة ارتكاز في المنطقة.

وأضاف لقوشة، حديث الفقي يفسر محاولة البعض في الداخل إحداث قطيعة بين الشعب وتاريخه، ويفسر حديثا يدور حول انكماش مصر وراء حدودها، ويفسر أيضا لماذا تتحول قضية الانفجار السكاني وجمع القمامة وغيرهما إلى مشروعات قومية".

وحول أسباب توطيد السفاح السيسي لعلاقاته مع اليهود بالعالم، تقول عضو الكنيست السابقة عن المعسكر الصهيوني كاسنيا سيفاتلوفا إنه "يحاول تحسين موقعه داخل الكونغرس والبيت الأبيض، لمحاولة تلافي مصر الاتهامات الموجهة لها بانتهاك حقوق الإنسان، وغياب حرية الصحافة".

وتابعت، حتى لو بقي التعامل الشعبي المصري معاديا لإسرائيل واليهود، فإن دعوات السيسي ما زالت تسعى للحوار معهم، والتسامح بين الأديان".

وطيلة عام كامل تولى فيه الحكم، لم يذكر أول رئيس مصري منتخب، الشهيد محمد مرسي، كلمة إسرائيل مرة واحدة في خطاباته، وهو ما رصدته مراكز الأبحاث الصهيونية، وبدأت تل أبيب العمل على ضرورة التخلص من نظام مرسي، ودعم نظام جديد بقيادة وزير دفاعه الانقلابي السفاح السيسي، الذي قدم حيثيات طمأنة إسرائيل والحفاظ على أمنها، ورفع ألوية التطبيع معها.

 

ثورات الربيع

مثل صعود السفاح السيسي على جماجم المصريين إلى سدة الحكم في مصر، أبرز مكاسب كيان العدو الصهيوني في المنطقة، بعد ثورات الربيع العربي التي هددته، وهو ما شهد به رجال سياسة ودين صهاينة.

المدير السياسي والعسكري لوزارة الدفاع الصهيونية عاموس جلعاد قال في تصريحات صحفية "السيسي زعيم جديد سوف يتذكره التاريخ، أنقذ مصر من السقوط في الهاوية"، كما وصف الحاخام اليهودي يوئيل بن نون، أبرز حاخامات المستوطنين اليهود في الضفة الغربية، انقلاب السفاح السيسي بأنه "أهم معجزة حدثت لإسرائيل".

وصل التطبيع بين السفاح السيسي و كيان العدو الصهيوني ذروته بالتنسيق العسكري بين جيش عصابة الانقلاب بمصر وجيش الاحتلال الصهيوني في سيناء، حينما أعلن السفاح السيسي في لقائه مع قناة "فرانس 24"، في 20 نوفمبر 2014، أنه لن يسمح أن تشكل سيناء منطقة خلفية لتهديد أمن العدو الصهيوني.

عضد السفاح السيسي تصريحه أكثر من مرة، في لقاءات مشابهة، أبرزها مقابلته مع برنامج 60 دقيقة على قناة سي بي إس الأمريكية، في 7 يناير 2019، حينما تحدث "عن التنسيق بين القاهرة وتل أبيب على أرض سيناء، واستعانة الجيش بسلاح الطيران الصهيوني لشن غارات على الأهالي في سيناء".

 

 

 

 

 

 

Facebook Comments