عجز الدبلوماسية المصرية والنظام السياسي للانقلاب غير المستفيد بقوته العسكرية والإقليمية، لضعف خبراته في إدارة الدولة وإصراره على منهج العنجهية العسكرية، التي لا تولي لأي مدني أو متخصص أي دور ، هو حال مصر التي تواجه المخاطر المتصاعدة من قبل سد النهضة الإثيوبي، بلا خبرة أو احترافية بإدارة الأزمة.
وعلى طريقة الهُواة يصر النظام الانقلابي على استعمال فزاعات بعيدة عن لب الموضوع ، ما يشير إلى عجز في التحرك الأمامي للمواقف الصراعية مع إثيوبيا، التي رغم ظروفها الاجتماعية والحرب الدائرة بها، تصر على الاستهانة بالمواقف والمطالبات المصرية، فيما يخص الاتفاق النهائي على ملء وتشغيل سد النهضة.
 

عدم الاستقرار

حيث حذرت مصر، من أن أي نقص في مياه النيل سيسبب عدم استقرار أمني في المنطقة، فضلا عن مشاكل اجتماعية كبيرة، من بينها زيادة الهجرة غير الشرعية، جاء ذلك على لسان وزير الموارد المائية والري بحكومة الانقلاب محمد عبدالعاطي، خلال لقائه مع خبير المياه بالحكومة الأمريكية "ماثيو باركس"، ونائب السفير الأمريكي بالقاهرة "نيكول شامبين".

واستعرض "عبدالعاطي" خلال اللقاء الموقف المائي في مصر والتحديات التي تواجه قطاع المياه، وعلى رأسها محدودية الموارد المائية، والزيادة السكانية، والتأثيرات السلبية للتغيرات المناخية. لافتا إلى أن "أي نقص في المياه سيسبب مشاكل اجتماعية وعدم استقرار أمني في المنطقة ويزيد من الهجرة غير الشرعية".
وهو السلاح المعتاد الذي يستخدمه نظام السيسي لابتزاز الغرب وأمريكا وأوروبا، من أجل استجلاب الدعم المالي أو السياسي للنظام العسكري المهترئ سياسيا وعسكريا واجتماعيا.
فبدلا من أن تلجأ مصر لأوراق الضغط المختلفة السياسية والعسكرية مع إثيوبيا، والتي باتت تتوفر لها المشروعية القانونية والتأييد الدولي في ظل إصرار إثيوبيا على الملء المنفرد لسد النهضة وتفويت أية فرصة للاتفاق مع مصر والسودان، بل الأدهى من ذلك هو إصرار إثيوبيا على الملء المنفرد للسد دون توليد كهرباء على الرغم من ارتفاع مستوى المياه خلف بحيرة السد لأكثر من 13.5 مليار متر مكعب، ما يكفي لبدء تشغيل التوربينات السفلية بالسد لتوليد الكهرباء، وهو ما قد يسمح بمرور كميات من المياه لتصل لمصر والسودان، وهو ما يبدو  هدفا إثيوبيا لإخضاع مصر المتضرر الأكبر من نقص مياه النيل، ويؤكد أن السد الأإثيوبي هدفه سياسي أكثر من توليد الكهرباء، لإخضاع مصر وتجويعها لتقليص دورها الإقليمي ودفعها نحو مزيد من التبعية للأطراف الإقليمية والدولية.

 

ملء دون توليد كهرباء 
واعتبر خبراء أن إصرار إثيوبيا على ملء سد النهضة بدون توليد كهرباء يثير التساؤلات، وأبدت مصر مرونة كبيرة خلال مراحل التفاوض المختلفة بشأن سد النهضة، لرغبتها في التوصل لاتفاق عادل وملزم فيما يخص ملء وتشغيل السد، إلا أن إثيوبيا ذهبت دائما في الاتجاة المعاكس، وسط فقدان مصر لأوراق الضغط المكفولة لها دوليا.
يشار إلى أن مفاوضات سد النهضة بين السودان وإثيوبيا ومصر متوقفة منذ فشل الجولة الأخيرة التي عقدت بكينشاسا عاصمة الكونغو الديمقراطية في إبريل الماضي.
ففي 28 أكتوبر الماضي، أبدت إثيوبيا استعدادها لاستئناف المفاوضات الثلاثية حول ملف سد النهضة، وقتما دعت قيادة الاتحاد الإفريقي إلى ذلك، مشيرة إلى أهمية مشاركة السودان. وسبق أن طالب عبدالفتاح السيسي، بسرعة التوصل إلى اتفاقية متوازنة وملزمة حول تشغيل سد النهضة.
وعلى مدار الجولات السابقة تمسكت القاهرة والخرطوم بالتوصل لاتفاق ملزم قبل الملء الثاني لسد النهضة الذي نفذته إثيوبيا بالفعل. لكن إثيوبيا طمأنت مرارا دولتي المصب (مصر والسودان)، وأكدت أن مشروعها القومي الذي تأمل أن يولّد 6 آلاف ميجاوات من الكهرباء مع استكماله لن يؤثر سلبا عليهما.
ومؤخرا، كشف رئيس دولة جنوب السودان "سلفاكير ميارديت"، أنه تلقى وعدا من إثيوبيا باستمرار المفاوضات حول سد النهضة، بعد تشكيل الحكومة الجديدة.

اقتراح مصري فاقد القابلية للتنفيذ

ومن ضمن الهزليات أنه في ظل كل التعنت الإثيوبي وعدم قدرة مصر على إخضاعها لمسار تفاوضي منجز وعادل، تقترح مصر تحويل مجرى نهر النيل لمجرى ملاحي دولي يجمع دول المصب، وكأن إثيوبيا ستوافق عليه، وهي ترفض مجرد الاتفاق على ملء سد النهضة.
واقترحت مصر تحويل نهر النيل لشريان ملاحي لدول حوض النهر، ما يعزز الترابط بين الدول ويزيل المخاوف المثارة حولهم.
وعرض وزير ري الانقلاب محمد عبدالعاطي، على خبير المياه بالحكومة الأمريكية "ماثيو باركس"، ونائب السفير الأمريكي في مصر "نيكول شامبين"، وممثلي سفارة واشنطن بالقاهرة، في اجتماع قبل أيام، المشروع المقترح بين بحيرة فيكتوريا (المنبع الرئيسي لنهر النيل وتقع في شرق القارة الإفريقية بين تنزانيا وأوغندا وكينيا)، والبحر المتوسط.
وعرض عليهم المشروع الذي "يشتمل على ممر ملاحي وطريق وطريق وخط سكة حديد وربط كهربائي وكابل معلومات لتحقيق التنمية الشاملة لدول حوض النيل.
وبحسب عبد العاطي، فالمشروع يتسم بالحيوية ويجمع دول الحوض معا، نظرا لأن النقل النهري بين الدول يعد من أفضل الوسائل القادرة على تسهيل حركة التجارة، إلى جانب دعمه للسياحة بين الدول المشاركة فيما بينها ومع دول العالم.
وأضاف أن المشروع يوفر أيضا فرص العمل ويزيد قدرة الدول الحبيسة على الاتصال بالبحار والموانئ العالمية، ودعم التنمية الاقتصادية بالبلدان المشاركة وتقوية وضع المنطقة في النظام الاقتصادي العالمي.
ولم يصدر عن دول حوض النيل أي تعليق حول الاقتراح المصري.

ويضم حوض النيل، 11 دولة هي: إريتريا وأوغندا وإثيوبيا والسودان وجنوب السودان والكونجو الديمقراطية وبوروندي وتنزانيا ورواندا وكينيا ومصر.
وكانت إثيوبيا رفضت مجرد فكرة الربط الكهربائي بين مصر والسودان وإثيوبيا.
ثم يأتي السيسي اليوم ليقدم مشروعا يدخل في دائرة الفانتازيا، حيث تصر أثيوبيا على الانفراد بنهر النيل وتحويله لمجرد بحيرة إثيوبية، بينما السيسي عاجز حتى الآن عن مجرد التلويح بعمل عسكري لتخريب السد دون إسقاطه، لإجبار إثيوبيا على الجلوس لاتفاق ملزم.

Facebook Comments