نشرت حكومة الانقلاب تقريرا مفصلا سلط الضوء على ما زعمت أنه التأثير الإيجابي لقرار التعويم على الاقتصاد وكيف أدى إلى تحسين أداء العملة. وادعت، من خلال نشر بعض المؤشرات الاقتصادية، أن الاقتصاد المصري ظل نشطا لخمس سنوات، مع زيادة في الاحتياطيات الدولية في البنك المركزي المصري بنسبة 108.2 في المائة لتصل إلى 40.8 مليار دولار في نهاية سبتمبر من هذا العام، مقارنة ب 19.6 مليار دولار في نهاية سبتمبر 2016.

وادعى البيان الرسمي أيضا أن تحويلات المصريين العاملين في الخارج زادت بنسبة 83.6 في المائة لتصل إلى 31.4 مليار دولار في الفترة 2020/2021، مقارنة بمبلغ 17.1 مليار دولار في الفترة 2015/2016. ويزعم أيضا أن إيرادات السياحة قد زادت بنسبة 28.9 في المائة؛ زيادة الإيرادات من قناة السويس بنسبة 13.7 في المائة؛ وقيمة الصادرات المصرية بنسبة 59٪.

بدوره حذر الخبير الاقتصادي ممدوح الولي، رئيس التحرير السابق لصحيفة الأهرام، ونقيب الصحفيين الأسبق من الوضع الاقتصادي في مصر. 

وفند الولي في حوار أجراه مع الإعلامي أسامة جاويش عبر موقع "ميدل إيست مونيتور"، مزاعم تقرير حكومة الانقلاب حول مؤشرات تحسن الاقتصاد المصري في السنوات الخمس الماضية بعد قرار تعويم الجنيه المصري في 2016، مؤكدا أن البيان الحكومي انتقائي ويتجاهل عمدا الكثير من المشاكل التي لا يزال الاقتصاد المصري يعاني منها، على الرغم من الوعود بالتحسن بعد تعويم الجنيه المصري، وإذا قارنا سعر صرف العملة بين نهاية يونيه 2016 وبداية نوفمبر 2021، نجد أن معدل انخفاض قيمة الجنيه الإسترليني مقابل الدولار هو 79 في المائة، وليس ما تطالب به الحكومة.

وأضاف أنه تعويم العملة كان ما أُسميه بالتعويم المنظم، وهذا يعني تدخل البنك المركزي لتحديد السعر، وترك هامش ضئيل لحركة لا علاقة لها بالعرض والطلب، والدليل على ذلك هو انخفاض سعر الصرف مقابل الدولار بنسبة 2.4 في المائة فقط خلال الربع الثاني من عام 2020، الذي شهد ذروة التداعيات السلبية للوباء على الاقتصاد المصري، وانخفضت موارد النقد الأجنبي بنسبة 12 في المائة مقارنة بالربع الأول من السنة نفسها، رغم أن الموارد شملت 7.93 بليون دولار من القروض الأجنبية خلال الربع الثاني.

 

التوسع في القروض 

وأوضح أن التوسع في القروض الخارجية ساهم في إمكانية تدخل البنك المركزي للحفاظ على سعر الصرف المرغوب، الذي ارتفع من 79.03 مليار دولار في نهاية عام 2017، إلى 137.86 مليار دولار في نهاية يونية 2021، وهي أحدث البيانات المتاحة.

وأشار الولي إلى أن ارتفاع قيمة تحويلات المصريين في الخارج ليس له علاقة بالحكومة، الأمر يتعلق بالظروف الاقتصادية الدولية وأسعار النفط، كون معظم هؤلاء العمال من دول الخليج العربي، ويتم إرسالهم وإنفاقهم من قبل عائلات العمال، وتُعزى الزيادة في الاحتياطيات النقدية لدى البنك المركزي إلى توسع الحكومة في الاقتراض الخارجي، وارتفع الدين الخارجي بما يقارب أربعة أضعاف الزيادة في احتياطيات النقد الأجنبي في الفترة نفسها، وهناك العديد من الأمثلة على هذا، ففي فبراير 2021، كانت مصر قد باعت سندات خارجية بقيمة 3.75 مليار دولار، في حين لم تتجاوز الزيادة في الاحتياطيات خلال الشهر 100 مليون دولار.

وفي سبتمبر 2021، وكانت مصر قد باعت سندات خارجية بقيمة ثلاثة مليارات دولار، في حين بلغت الزيادة في الاحتياطيات خلال الشهر 153 مليون دولار، وفي أكتوبر 2021، أعلنت السعودية أنها قدمت لمصر ودائع بقيمة 3 مليارات دولار، بالإضافة إلى تأجيل سداد الأقساط غير المسددة البالغة 2.6 مليار دولار، مما يعني تقديم 5.6 مليار دولار لحكومة السيسي، ولكن الزيادة في الاحتياطيات النقدية بلغت 24 مليون دولار فقط.

 

زيادات محدودة

وفيما يتعلق بحديث بيان حكومة الانقلاب عن زيادة كبيرة في عائدات قناة السويس، قال الولي إن "التقرير حول هذه الزيادة المحدودة في الإيرادات يشكك في الوعود التي قطعها النظام المصري، مع افتتاح فرع قناة السويس السابع في أغسطس 2015، والتي لم تتحقق في أي من السنوات التالية، وكان من المفترض أن تصل الإيرادات في عام 2020 إلى 9.9 مليار دولار من 28 ألف سفينة بمعدل يومي 77 سفينة، وفقا لما نشر في ذلك الوقت، ولكن ما تحقق في ذلك العام كان أقل كثيرا، وبلغت الإيرادات 5. 6 مليار دولار، وأقل من 19 ألف سفينة استخدمت القناة؛ بمعدل أقل من 52 في اليوم".

وأضاف الولي  أن البيانات الرسمية تدعي حدوث زيادة في الصادرات من 21.6 مليار دولار في السنة المالية 2015/2016 إلى 34.4 مليار دولار في السنة المالية 2020/2021؛ (أ) نمو بنسبة 59 في المائة. وهذا غير صحيح، لأن قيمة الصادرات في الفترة 2020/2021، وفقا لبيانات البنك المركزي، كانت 28.7 مليار دولار فقط، وفي الفترة 2015/2016 كانت 18.7 مليار دولار فقط.

والجدير بالذكر أن هذا الرقم الذي يبلغ 28.7 مليار دولار لا يزال أقل مما تحقق للصادرات المصرية من البضائع في العام المالي 2007/8 أي قبل 13 عاما وثماني سنوات من تعويم الجنيه المصري الذي بلغ 29.4 مليار دولار، وأهم نقطة هي أن المواطنين في مصر والحكومة لا يستفيدون مباشرة من الزيادة في قيمة الصادرات، حيث أشار وزير التخطيط إلى أن الصادرات الصناعية المصرية لها مكون أجنبي بنسبة 60 في المائة.

 

المواطن لا يستفيد

وأوضح الولي أن المواطن لا يستفيد إلا من تحويلات المصريين العاملين في الخارج، بينما تذهب إيرادات قناة السويس إلى الحكومة، ونظريا يفترض أن تنعكس عائدات الشركات من الصادرات على ظروف العاملين في تلك الشركات، إلا أن بعض المالكين يخرجون جزءا من دخولهم إلى الخارج أو يحولون أرباحهم إلى الخارج إذا كانوا مستثمرين أجانب، فتبقى الحصة للعامل مخفضة، فضلا عن ذلك فإن معدلات التضخم الحقيقية أعلى من الزيادات السنوية في الأجور، في كل من القطاعين العام والخاص، ويواجه العمال زيادات في أسعار السلع والخدمات، خاصة تلك التي تقدمها الحكومة مثل الكهرباء والغاز الطبيعي والوقود، وبالتالي، لم يحسن معظم المصريين ظروفهم المعيشية كما ينبغي وفقا للبيانات الرسمية عن تحسن إيرادات قناة السويس وصادراتها واحتياطياتها من النقد الأجنبي.

وفيما يتعلق بمزاعم انخفاض معدلات الفقر في مصر إلى 29.7 في المائة أوضح أن البحوث الدورية التي تقوم بها هيئة الإحصاء تسمى حدث الإيرادات والنفقات، ومن المفترض أن يحدث كل عامين، ويتم حساب معدل الفقر بعد ذلك. وأسفر البحث الذي أجري في السنة المالية 2017/2018 عن معدل فقر نسبته 32.5 في المائة من السكان، وقد تم تحديد نسبة 29.7 في المائة للفترة 2019/2020، وفقا لرئيس هيئة الإحصاء الحكومية، قبل ظهور فيروس كورونا، وذلك بحضور رئيس الوزراء، هذا الرقم لا يعكس واقع الفقر في مصر في هذه المرحلة من الوباء، وقبل الكشف عن هذا الرقم، قالت صحيفة البورصة الاقتصادية إن "سلطة حكومية تدخلت مع مصلحة الإحصاء لتخفيض نسبة الفقر لكي تتماشى مع إدعاءات النظام".

ولفت إلى أن حكومة الانقلاب كانت ذكية عندما ركزت على التوقعات، حيث كانت طريقة تعاملها مع تقارير الهيئات الدولية مقدما انتقائية، متجاهلة الجوانب الإيجابية والمراجع السلبية في تلك التقارير المتعلقة بالحجم الكبير للديون وآثارها السلبية على الاقتصاد، وكذلك الإنفاق الحكومي على الاستثمارات، بسبب مدفوعات الفائدة العالية جدا على الديون، فقد نما حجم الاقتصاد الحكومي على حساب القطاع الخاص، وازداد العجز في الميزانية.

 

ديون كبيرة

وتابع "في نهاية عام 2010، بلغ دين مصر الخارجي 34.99 مليار دولار، وهو أقل قليلا من احتياطيات النقد الأجنبي في ذلك الوقت، لقد شهدنا ارتفاعا في ديون مصر الخارجية منذ نهاية عام 2015 ونهاية الدعم الخليجي السخي العيني والنقدي، وكان الاتجاه هو الاقتراض من المؤسسات الدولية والإقليمية وإصدار سندات بالدولار واليورو في الأسواق الدولية، وبالتالي ارتفع الدين الخارجي من 48 مليار دولار في يونية 2015 إلى 138.9 مليار دولار في يونيه 2021، بزيادة قدرها 90 مليار دولار على مدى ست سنوات، بمتوسط زيادة سنوية قدره 15 مليار دولار".

وأردف "القروض الخارجية تنعكس على ميزانية الدولة، حيث ارتفعت من 666 مليون دولار في السنة المالية 2014/2015 إلى 4.2 مليار دولار في السنة المالية الأخيرة، 2020/2021، وفيما يتعلق بمدفوعات الفائدة، يتعلق معظمها بالفوائد المدفوعة عن الديون المحلية بسبب حجمها الكبير وسعر الفائدة المرتفع على الديون المحلية مقارنة بسعر الفائدة المنخفض على الديون الخارجية. والخطر المتمثل في إدراج مدفوعات الفائدة مجتمعة في الميزانية هو أنها أصبحت أكبر إنفاق منفرد في الميزانية. ووفقا لأرقام الثلث الأول من السنة المالية الحالية 2021/2022، فإن الحصة النسبية من فائدة الدين في الميزانية تبلغ 40.7 في المائة".

وفيما يتعلق بتأثير هذه القروض وفوائدها على مستقبل الاقتصاد المصري، أوضح أن تكلفة الدين الخارجي ودفع الفوائد في السنة المالية الأخيرة 2020/21 بلغت نحو 15.8 مليار دولار، رغم تأجيل سداد الديون إلى بلدان الخليج، ويمثل هذا الرقم ثلاثة أضعاف الدخل السنوي لقناة السويس وثلاثة أضعاف الدخل السياحي في السنة المالية الماضية، فهو عبء على الاقتصاد، والمطلوب لتأمين ما يكفي من الدولارات لشراء الوقود والغذاء ودفع عوائد الاستثمارات الأجنبية في مصر وغيرها، وإرغامها على اقتراض المزيد لدفع القروض القديمة. لقد سقطت مصر في فخ الديون، وانخفض المبلغ الذي يمكن استثماره في المدارس والمستشفيات والطرق والهياكل الأساسية بنسبة 52 في المائة، مما يؤخر تنفيذ هذه المشاريع الحيوية تعني فترات التأخير الطويلة زيادة في التكاليف.

 

التسديد حتى 2071

واستطرد "الاقتراض الخارجي موضع ترحيب عندما يميل إلى إنشاء مشاريع يمكن تصديرها، وتكمن الأزمة في أن عملية التسديد تمتد حتى عام 2071، أي أن الدولة ستعمل على توفير كميات كبيرة من العملة المحلية وتحويلها إلى دولارات لمواجهة أقساط الفائدة لوحدها، ما سيلقي بأعباء أكبر على الموازنة والاقتصاد والأجيال المقبلة".

وأكمل "وفقا للبيانات الرسمية، التي لا يثق فيها العديد من الاقتصاديين، ارتفع معدل الفقر من 21.6 في المائة في الفترة 2008/2009 إلى 25.2 في المائة في الفترة 2010/2011؛ 26.3 في المائة في الفترة 2012/2013؛ 27.8 في المائة في الفترة 2015/2016؛ 32.5 في المائة في الفترة 2017/2018؛ ثم انخفضت إلى 29.7 في المائة في الفترة 2019/2020، أما الرقم الذي يبلغ 29.7 في المائة، حتى لو كان انخفاضا عن العام السابق، فهو في الواقع أكثر مما كان عليه عندما تولى النظام السلطة في عام 2013، بعبارة أخرى، وفقا للبيانات الرسمية، فإن المشاريع الوطنية التي قال النظام إنه "نفذها للحد من الفقر فشلت في القيام بذلك".

واختتم "السبب الرئيسي وراء ارتفاع معدلات الفقر هو عدم تنفيذ برنامج عملي حقيقي لمواجهة الفقر المتأصل في محافظات الصعيد التي لم تحصل بعد على حقها في عمليات التنمية التي تتركز في القاهرة الكبرى والإسكندرية والمدن الصناعية، كما أن البرامج التي تستهدف الفقراء عن طريق الإعانات الحكومية لا تسهم في خروجهم من الفقر بسبب انخفاض قيمة هذه المساعدات، وعدم قدرة الحكومة على التعامل مع الارتفاع المستمر للأسعار".

 

https://www.middleeastmonitor.com/20211202-the-egyptian-economy-is-in-danger-and-people-cannot-eat-says-ex-media-ceo/

Facebook Comments