الرسالة الأهم والأخطر في أزمة حيّ ألماظة بمصر الجديدة أنها برهان جديد على أن نظام 3 يوليو العسكري يهتم بالحجر ويتجاهل البشر؛ فتوسعة طريق أو رصفه أو إقامة كوبري أهم عند نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي من غالبية الشعب المصري المسحوق بفعل سياسات وتوجهات النظام العسكري.

فقد تقدم عدد من المحامين عن أهالي الحي بدعوى قضائية للطعن في المادة الثانية من قرار حكومي صادر عن رئيس الوزراء  بحكومة الانقلاب مصطفى مدبولي رقم 3025 لسنة 2021، التي تتيح الاستيلاء بطريق التنفيذ المباشر على الأراضي والعقارات الواقعة في نطاق توسعة شارع حسين كامل سليم تمهيداً لنزع ملكيّتها.

اللافت في دعوى أهالي حي ألماظة أنهم كشفوا كيف يتعامل نظام السيسي مع المصريين باستخفاف واستهانة تصل إلى حد الإذلال المتعمد؛ فقد طالب الأهالي بدلا من إزالة 39 مبنى تضم مئات الأسر التي تقيم منذ عشرات السنين في منازلها ووحداتها السكنية أن يتم إزاحة سور المطار في ألماظة بقدر المساحة اللازمة لتوسعة الشارع؛  وبذلك يتحقق المطلوب دون إيذاء المواطنين.

لكن من دواعي الأسف أن النظام لم يفكر في هذا الطرح؛ ولم يضع اعتبارا لأمن الناس واستقرارهم وهو ما يعد أهم وظيفة من وظائف أي نظام أو حكومة؛ فسور المطار عنده أهم من مئات الأسر المستقرة في بيوتها منذ سنوات لا سيما وأن حجم التعويضات التي تطرحها الحكومة تقل بشكل كبير عن مستوى الأسعار في المنطقة؛ حيث تقدر الحكومة المتر بنحو 8 آلاف جنيه، بينما يؤكد الأهالي أن سعر المتر في هذه المنطقة يصل إلى نحو 35 ألف جنيه؛ وبالتالي لن يتمكن الأهالي المتضررين من شراء وحدات  سكنية في نفس المكان بهذه التعويضات الهزيلة.

القضية مطروحة أمام القضاء وسوف يُنظر في القضية أمام الدائرة الثالثة قضاء إداري القاهرة. وسط مخاوف من الأهالي لأنهم يدركون حجم سيطرة الحكومة على السلطة القضائية التي تعرضت لمذبحة حقيقية منذ انقلاب 3 يوليو 2013م؛ فقد بات القضاء كله تحت سيطرة النظام والسلطة التنفيذية من الألف إلى الياء، ولا يجرؤ قاض واحد على إصدار حكم واحد يخالف سياسات وتوجهت النظام؛ ومن فعلوا ذلك تعرضوا لتنكيل واسع كما حدث مع المستشار يحيى دكروري الذي قضي بمصرية تيران وصنافير.

وشرع الأهالي في التحرك قضائياً بعد إخطار سكان حيّ ألماظة الواقع على حدود حيّ مصر الجديدة، لجهة الشرق بالقرب من مطار القاهرة الدولي، بإخلاء مساكنهم ونزع ملكيتها من أجل تنفيذ مشاريع اقتصادية وتوسعة المحاور المرورية المؤدية إلى العاصمة الإدارية الجديدة، في مقابل تعويضات مالية أو وحدات سكنية في مشروع "أهالينا 3" الذي نفّذته الحكومة لنقل سكان المناطق العشوائية. وقوبلت بدائل الحكومة بالرفض من قبل أهالي وسكان حيّ ألماظة.

ومنذ ذلك الحين، يشهد حيّ ألماظة بمصر الجديدة حالة غليان بعد الأنباء حول تهجير السكان، ونزع ملكيات شققهم ومحالهم التي تملّكوها من شركة مصر الجديدة، وهدم هذه المنطقة. لكن ما يُشاع يأتي من دون تأكيدات رسمية عن بيعها لبناء مجمعات سكنية أكثر رفاهية، علماً أنّ لجاناً من المحافظة بدأت بالنزول فعلاً.

وحيّ ألماظة هو واحد من الواحتَين في ضاحية مصر الجديدة عند إنشائها (الواحة الاقتصادية والواحة الصناعية)، وقد تحوّل إلى منطقة سكن منظمة جداً لموظفي شركة مصر الجديدة منذ عشرات السنين وأبنائهم من بعدهم الذين تملّكوا شققهم من الشركة.

 

تحفظات شعبية

وتحفظت أعضاء  مبادرة حماية تراث مصر الجديدة، على الإجراءات الحكومية التي تفتقد إلى الشفافية ولا تضع في الحسبان مصلحة  المواطنين؛ وأصدروا بيانا موقعاً من قبل خبراء متخصصين ومتطوّعين في مختلف المجالات، أعلنوا فيه رفضهم مشروع التطوير على حساب السكان، وطرحوا رؤيتهم لخلق وتحقيق رؤية (قصيرة وطويلة المدى) تؤثّر على طريقة الحياة في مصر الجديدة، عن طريق العمل في ثلاثية تجمع المسؤولين التنفيذيين مع القطاع الخاص مع المجتمع المدني حول رؤية واحدة. وتركّز المبادرة في الأساس على خمسة أعمدة رئيسية، هي "حماية التراث العمراني والمعماري، وتحسين استخدام الحدائق والمناطق الخضراء، والاهتمام بالتراث والأنشطة الثقافية، والمرور والنقل والمواصلات، وتحديات إدارة النفايات والنظافة في مصر الجديدة". وجاء في بيان المبادرة: "نرفض ونعترض على تهجير ونزع ملكية أهالي مصر الجديدة في منطقة ألماظة من أجل مشاريع غير مفهومة وغير معلنة بشفافية من الممكن أن تؤثّر بالسلب على جودة حياة كلّ سكان المنطقة. ولنا هنا ثلاثة تساؤلات واقتراحات بديلة".

وتساءلت المبادرة أولا: إن كان الغرض تهجير سكان الصف الأوّل المطل على شارع حسين كامل، وهدم هذه العمارات، هو توسعة مدخل مصر الجديدة، فكفانا تطويرا متسرعا غير مدروس يجعلنا نصرف أكثر من مرّة على كلّ شارع ونؤثر على حياة آلاف المواطنين. فلا نرى أيّ داعٍ، بل ضرراً كبيراً من التوسعة في هذه الحالة. وإن كان الهدف تجميل مدخل القاهرة، فمن الممكن رفع كفاءة هذه العمارات ورفع كل المخالفات بها".

أمّا التساؤل الثاني، بحسب بيان المبادرة: "إن كان الغرض من تهجير سكان الصف الأوّل وهدم هذه العمارات هو توسعة الشارع وإعادته مزدوجا في الاتجاهَين كما كان قبل التطوير، ليكون مدخلاً ومخرجاً لمصر الجديدة، فأيّهما أولى؟ تهجير وهدم منازل آلاف السكان أم أن نستقطع جزءاً غير أساسي لأغراض مطار ألماظة المملوك للدولة".

و"التساؤل الثالث: إن كان الغرض من تهجير سكان الصف الأوّل وهدم منازلهم هو مجرّد بداية لتهجير باقي سكان مباني شركة مصر الجديدة بألماظة ومساكن عزبة ألماظة من أجل تحويل المنطقة بالكامل إلى كمبوندات (مجمّعات) سكنية ذات قيمة أعلى لتوسعة مشروع كمباوند جراجات المترو الأرض التي تمّ التنازل عنها من شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير لصالح الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، كشكر وعرفان لعملهم على تطوير محاور مصر الجديدة العام الماضي، فلماذا لا يتم نقل السكان إلى مبان جديدة في نفس منطقة ألماظة بتخطيط يخدم المنطقة؟".

Facebook Comments