يبدو أن أُغنّية "فرصة للحياة" التي غناها مدحت صالح في افتتاح داخلية الانقلاب مجمع سجون وادي النطرون مؤخرا، انقلبت تماما لتصبح فرصة للاستبداد والقمع الممنهج.
فرغم العجز الذي يبلغ أكثر من 250 ألف فصل دراسي، وأكثر من 350 ألف معلم، وفق إحصاءات تعليم الانقلاب وحاجة وزيره لنحو 7 مليار جنيه لتطوير المدارس، وتمسك النظام الانقلابي بعدم توفير الأموال والميزانيات؛ جاء قرار داخلية الانقلاب بإنشاء 6 سجون جديدة، ليثير الكثير من علامات الاستفهام.
وتكشف السجون الجديدة حقيقة القمع الممنهج الذي يتبعه نظام السيسي ضد الشعب المصري، في الوقت الذي يسعى النظام لإخفائه عبر إطلاق إستراتيجية حقوق الإنسان الجديدة التي يريد من ورائها مغازلة الغرب وخداعه عن حقيقة إجرامه بحق المصريين.
ونشرت الجريدة الرسمية مؤخرا، قرار وزير داخلية الانقلاب محمود توفيق بإنشاء 6 سجون جديدة بمنطقة وادي النطرون بمحافظة البحيرة.
وينص القرار على عمل تلك السجون كمراكز للإصلاح والتأهيل، تنفذ بها العقوبات المقيدة للحرية وفقا لأحكام القانون رقم 396 لسنة 1956 بتنظيم السجون.
ويعني القرار، المقرر سريانه بداية من الاثنين الماضي، إغلاق 12 سجنا، فيما تبلغ سعة المجمع الذي يعد أحد أكبر السجون في العالم، وجرى افتتاحه أكتوبر الماضي، نحو 34 ألف سجين.
السجن الجديد
ويتوافر بالسجن الجديد، الذي فضلت السلطات تسميته بـ"مركز الإصلاح والتأهيل"، مجمع محاكم يوفر 8 قاعات لجلسات المحاكمة، ومقار للقضاء والنيابة العامة، أي أن المحتجز داخله لن يرى العالم الخارجي، في أي من مراحل التقاضي.
كما سيخضع للمحاكمة تحت سلطة الشرطة والأمن الذي سيفرض عليه الكثير من الحجب وعدم قول الحقائق كاملة أو الشكوى من سوء المعاملة، وهو انتهاك صريح للقوانين والحقوق المقررة إنسانيا وقضائيا.
وسيضاف المجمع الجديد إلى 35 سجنا جديدا، أُنشئت بعد ثورة 25 يناير 2011، ما يرفع إجمالي عدد السجون إلى 78 سجنا.
وفي أكتوبر الماضي توعد السيسي المصريين بإنشاء المزيد من السجون الجديدة، قائلا في اتصال تلفزيوني، إن "مجمع السجون لن يكون الأخير، إحنا هنفتح أكبر مجمع سجون، وده واحد من 7 أو 8 هيتم افتتاحهم، وإحنا جايبين نسخة كاملة من النسخة الأمريكية".
سجون بالقرض
ومنذ افتتاح مجمع السجون تثور بمصر حالة من السخرية والاستنكار إزاء دولة تفتتح مجمعا للسجون، وهي تعيش في الأساس على القروض والمنح والودائع الخارجية، وتعاني تهالكا في بنيتها التحتية خاصة الصحية والتعليمية.
ويتزامن افتتاح مجموع سجون وادي النطرون، مع إعلان مصر الإستراتيجية القومية لحقوق الإنسان، إضافة إلى تغييرات شكلية بتحويل مصطلح قطاع السجون في وزارة الداخلية إلى قطاع الحماية المجتمعية، واستبدال كلمة السجين بـنزيل.
ووفق منظمة "نحن نسجل" الحقوقية، فإن السجن الجديد جرى تصميمه بشكل مماثل لسجن "العقرب" سيء السمعة ، جنوبي القاهرة؛ ليبدو بشكل أقرب إلى الحصن؛ حيث يحوي مدخلا واحدا وكذلك مخرجا واحدا، وتغلفه أسوار من الخرسانة المسلحة بطول 1330 مترا وارتفاع 7 أمتار.
ظروف صعبة
وفي ظروف ظروف اقتصادية صعبة يواجها المصريون، من تدني مستوى المعيشة والفقر المتزايد نسبته لنحو 33% علاوة على البطالة التي تضرب نحو 23% ، وتدهور مستوى الخدمات الصحية بالمستشفيات وانهيار المنظومة التعليمية، التي باتت تعتمد على التطوع وسط غياب الموازنة المالية، وسياسات التقشف الحكومية في جميع القطاعات، تأتي تكلفة بناء مجمع السجون الجديد لتبتلع مليارات الجنيهات.
فيما تتكتم حكومة الانقلاب على التكلفة الحقيقية لتشييد المجمع الجديد، والتي من المتوقع تجاوزها عشرات المليارات، كون مساحة الأرض المقام عليها تبلغ مليونا و700 ألف متر مربع، ليصبح بذلك أكبر مجمع سجون في تاريخ مصر الحديث.
فيما تقدر منظمات حقوقية عدد السجناء في مصر بـ114 ألفا، أي أكثر من ضعفي القدرة الاستيعابية للسجون التي قدرها السيسي نفسه بـ 55 ألفا في ديسمبر 2020، بحسب ما أوردته منظمة العفو الدولية في يناير 2021.
فيما تتسارع عجلة الاعتقالات بمصر بصورة كبيرة، في الوقت الذي يتوجه النظام المصري لبناء سجون جديدة، حيث تضاعف معدل الاعتقالات خلال السنوات الأخيرة، وتكدس السجون المنتشرة في أنحاء البلاد.
ووفق حقوقيين فإن الغاية من افتتاح مجمع السجون الجديد هو إبعاد المعتقلين عن رقابة المنظمات الحقوقية، وعزلهم عن أهاليهم نظرا لتواجده في منطقة صحراوية بعيدة.
وتسعى الداخلية عبر تلك الخطوة، لنقل أي بؤر للتوتر الأمني، إلى الصحراء الشاسعة شمالي البلاد، خاصة أن تلك السجون تضم تجمعات كبيرة لمعارضي الانقلاب العسكري من الإسلاميين وغيرهم، وبذلك تتحول مصر إلى سجن كبير.