خلال الأيام القليلة الماضية، برهن الرئيس التونسي قيس سعيد أنه بلطجي بدرجة رئيس جمهورية؛ ذلك أن سعيد فوَّض أجهزته الأمنية بممارسة البلطجة ضد معارضيه دون خوف من مساءلة أو حساب؛ وهو بذلك يمضى على خطى جنرال الانقلاب في مصر عبدالفتاح السيسي الذي جرى تسريب مقطع فيديو له إبان الانقلاب في يوليو 2013م وسط مجموعة من الضباط يخبرهم أنه لن يتم محاكمة أي ضابط في عمليات قنص وقتل المتظاهرين.
ويوم الجمعة 31 ديسمبر 2021م، أبدت المحامية التونسية سعيدة العكرمي، زوجة نائب رئيس حركة النهضة نور الدين البحيري، مخاوفها من تعرُّض زوجها للقتل، بعد ساعات قليلة من اختطافه من أمام منزله، مؤكدةً أنه تعرَّض للعنف في أثناء عملية “الاختطاف” من جانب أجهزة قيس سعيد الأمنية. فيما أعلنت حركة “النهضة” التونسية، الجمعة، أن أفراد أمن يرتدون زياً مدنياً اعتقلوا نائب رئيس الحركة والنائب بالبرلمان، نور الدين البحيري، منوهة إلى أنه تم اقتياده إلى جهة غير معلومة.
وفي تصريح لإذاعة “شمس” التونسية، قالت زوجة القيادي في حركة النهضة، إن 4 أشخاص نزلوا من سيارة سوداء رباعية الدفع في تمام الساعة الثامنة والنصف صباحاً، واعترضوا سيارتهما، قبل أن يختطفوا زوجها، بعد أن انهالوا عليها بالضرب على مستوى الرأس. وأوضحت أن زوجها أُنزل بالقوة من السيارة، التي شرعوا في تكسير زجاجها أيضاً، كما أكدت أن الاعتداءات طالت كذلك الجيران الذين هبّوا لمساعدتهم بعد أن سمعوا صرخات الاستغاثة. العكرمي شددت كذلك على أنها تواصلت مع السلطات الأمنية في البلاد التي نفت اعتقاله، كما حمَّلت الرئيس التونسي قيس سعيّد، مسؤولية اختطافه. والبحيري (63 عاماً)، محامٍ وسياسي، وشغل منصب وزير العدل بين عامي 2011 و2013، ثم أصبح وزيراً معتمداً لدى رئيس الحكومة بين 2013 و2014.
محمد القوماني، عضو المكتب التنفيذي للحركة، قال في مؤتمر صحفي: “نحمّل رئيس الجمهورية المسؤولية المباشرة عن عملية اختطاف البحيري، لأنه حرَّض عليه في خطاباته”. أضاف القوماني أن “ما يحدث، تكرارٌ لممارسات الاستبداد، وخطوة تصعيدية تجاه الشخصيات المناهضة للانقلاب، ومطلبنا هو إطلاق سراح البحيري من الجهات الرسمية أو أن تكون مسؤولة عن سلامته”.
في السياق ذاته، اتهم الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، السبت غرة يناير 2022م، أجهزة الأمن التونسية “بالاعتداء الجسدي العنيف” على شقيقه نجيب. فيما لم يصدر عن السلطات التونسية تعقيب حول الأمر. وقال المرزوقي، عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك”، “بخصوص الاعتداء الجسدي العنيف الذي تعرض له شقيقي نجيب المرزوقي منذ يومين اكتفيت عند إخباري بالاعتداء بتدوينة دون تعليق أو اتهام”. وأضاف: “اليوم بعد نقاش معمّق مع شقيقي وحصولي على التفاصيل يمكنني أن أرفع إصبع الاتهام استناداً إلى معطيات بأنّ العملية تمّت بعد ترصّد وتخطيط وتنفيذ في مكان وتوقيت محكم”، وأردف أنّ “المعتدي شخص ممرن على فنون الصراع الجسدي وليس مجرماً هاوياً”. وتابع أنّ أخاه “مارس في شبابه لسنوات طويلة رياضة الكاراتيه، مما جعله يواجه المعتدي ويلحق به جروحاً أثنته عن مواصلة الهجوم على شخص اعتقد أنه لقمة سائغة والاكتفاء بالفرار حاملاً معه هاتفه النقال”. وأشار المرزوقي إلى أنه “بعد نصف ساعة من الاعتداء اتصل مجهول برقم زوجة شقيقي ليبلغها أنّ زوجها جريح في حالة خطرة، وأنّ الحماية المدنية أخذته لأحد مستشفيات العاصمة والنية واضحة بالترويع والتنكيل”. واعتبر أنّ “كل هذه المعطيات موقعة من طرف البوليس السياسي الذي رأيناه في صولته وجولته الملحمية ضدّ (نور الدين) البحيري (نائب رئيس حركة النهضة) وزوجته، وكم أنا متعود على أساليبه وتقنياته خبرتها على امتداد ثلاثة عقود”.
ويطلق مصطلح “البوليس السياسي” على أجهزة الأمن في عهد الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي (1987 ـ 2011)، التي كانت تلاحق المعارضين السياسيين.
وحول تزامن الاعتداء على المرزوقي والبحيري، وجّه الرئيس التونسي الأسبق كلمة إلى منفذي “الاعتداء” على شقيقة، قائلاً: “للذين نفذوا العمليتين المتزامنتين كرسائل تهديد أقول لستم إلا كمشة ذرّ (بضعة صبية) تلعبون مع الكبار في ساحة أنتم غير مؤهلين لها ولا تعرفون خطورة ما تفعلون”، وأضاف: “ستقفون يوماً ما أمام المحاكم أنتم ووزيركم”.
وفي 22 ديسمبر 2021، أصدرت محكمة تونسية حكماً أولياً بسجن المرزوقي (مقيم حالياً في فرنسا) غيابياً 4 سنوات، بتهمة “الاعتداء على أمن الدولة الخارجي”، فيما نفى الرئيس الأسبق صحة اتهامه بالتحريض على بلاده. ومنذ 25 يوليو 2021، تشهد تونس أزمة سياسية، جراء إجراءات “استثنائية “للرئيس قيس سعيّد منها: تجميد اختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، وإلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين، وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية، وإقالة رئيس الحكومة، وتعيين أخرى جديدة. وترفض غالبية القوى السياسية والمدنية في تونس إجراءات سعيد الاستثنائية، وتعتبرها “انقلاباً على الدّستور”، بينما تؤيدها قوى أخرى صغيرة ترى فيها “تصحيحاً لمسار ثورة 2011″، التي أطاحت حكم الرئيس آنذاك زين العابدين بن علي (1987-2011).