شهد مبنى الإذاعة خلال الأسبوع الماضي سلسلة من المظاهرات الحاشدة من العاملين الباحثين عن حقوقهم المهدرة داخل المبنى الشاهق.

وكشفت المظاهرات أن العمال فاض بهم الكيل، وقرروا التظاهر وقفا لإهدار حقوقهم، لافتين إلى أن الزيادات الوحيدة التي وصلت إلى العاملين كانت السنوية المقررة للعاملين بالدولة. وتتراوح قيمتها ما بين 60 و150 جنيه شهريا، وأنه منذ عام 2017 لم يتم صرف الحوافز المتعلقة بالدرجات الإدارية، وهذه الدرجات تمثل فارقا كبيرا في الحوافز وغيرها، لكن الأمور هنا لا تسير على هذا النحو، حيث رفض حسين زين الترقيات أو تعديل الدرجات الوظيفية لعدم وجود ميزانية كافية للعاملين، وهو ما أكده في حوار عام 2020 مع الإعلامي الراحل وائل الإبراشي.

 

القصة قديمة

سبق وطالب العاملون المتقاعدون بماسبيرو عن عام 2019 وجزء من متقاعدي 2018 بسرعة حصولهم على مكافأة نهاية الخدمة، مؤكدين أن هذا التأخير في صرف مكافآتهم لا يتناسب مع غلاء المعيشة وتقلص دخولهم بعد التقاعد.

فبعدما كانوا يحصلون على رواتب شهرية في حدود 7 آلاف جنيه، أصبح دخلهم الشهري من المعاش في حدود 2000 جنيه، معربين عن حزنهم لقضائهم 40 عاما  خدمة في المبنى، وينتظرون كل هذا الوقت للحصول على مكافئات نهاية الخدمة.

 

غضب عباس كامل

المظاهرات ومع استمرارها ، وصلت إلى أروقة برلمان الانقلاب، حيث تقدمت فاطمة سليم، عضو مجلس نواب الانقلاب عن حزب الإصلاح والتنمية، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس وزراء الانقلاب ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بشأن تجمع العديد من العاملين في المبنى الرئيسي لاتحاد الإذاعة والتلفزيون داخل المبنى، احتجاجا على ظروف عملهم وتدني مستويات الأجور، وتأخر مستحقاتهم المالية المتراكمة منذ عدة سنوات.

وقالت إن "توقف العلاوة السنوية منذ عام 2014 أدى إلى تجمد الأجر الأساسي عند مستواه، وبالتالي تجمد الأجر المتغير الذي يمثل نسبة من الأجر الأساسي ونسبة كبيرة من الأجر الشامل، ما تسبب في إلحاق أضرار ماليه كبيرة بالعاملين، بالإضافة إلى عدم توحيد لوائح الأجور بين القطاعات المختلفة في ماسبيرو وانعدام العدالة بين هذه القطاعات، كذلك تقدمت النائبة أميرة صابر، ببيان عاجل في مجلس نوب الانقلاب بشأن تأخر صرف مستحقات العاملين في التلفزيون الرسمي والناتجة عن سوء إدارة هذه المؤسسة.

الأمر الذي دفع رئيس مجلس نواب الانقلاب المستشار حنفي جبالي ، لتجميد طلبات الإحاطة بدعوى أن هناك  لبسا في الموضوع يجب الاستشارة والبحث به.

وكشف عضو بالنواب، أن مسئولا رفيع المستوى طالب الجبالي بعدم مناقشة الأمر، وأنه سيتم عرضه أولا على جهاز المخابرات المصرية والأمن القومي، حيث ادعى أن هناك دخلاء بماسبيرو، هم من قاموا بالتظاهرات ضد مسئولي الإذاعة والتليفزيون.

https://www.youtube.com/watch?v=qoFMGfzsF70

 

لماذا صمت نظام الانقلاب؟

وبدأت الاحتجاجات مع ثاني أيام شهر يناير من العام الجديد، بسبب تطبيق نظام توقيع الحضور ببصمة الوجه، وصدور القرارات الجديدة التي تلزم الجميع بحضور 6 أيام لمدة 7 ساعات يوميا، وللمطالبة بمستحقاتهم المالية المتأخرة منذ عام 2014، والمتمثلة في الحوافز والعلاوات.

واتهم العاملون في قطاعات الهيئة، الإدارة بتعريض حياتهم للخطر بتطبيق قرارات غير مدروسة، وطالبوا بمنحهم حقوقهم المؤجلة من سنوات، وهتف البعض عاوزين حقوقنا.

وردد المحتجون هتافات منها "ارحل يا زين" في إشارة إلى حسين زين رئيس الهيئة الوطنية المصرية للإعلام.

تلا ذلك إصدار الهيئة بيانا، عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، حاولت فيه امتصاص غضب العاملين، وقالت فيه "عقد حسين زين رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، اجتماعا مع رؤساء قطاعات الهيئة، وقد عرض في الاجتماع ما أسفرت عنه الجهود المبذولة مع وزارة المالية لصرف مستحقات العاملين بالهيئة من علاوات خاصة وترقيات وتسويات".

ويطالب العاملون بمبنى الهيئة الوطنية للإعلام أن حل الأزمة لن يأتي سوى بصرف كافة مستحقات العاملين بالهيئة الوطنية للإعلام، التي لم تسدد حتى بداية عام 2022. وتشمل المستحقات مكافآت نهاية الخدمة لمن تم إحالته إلى المعاش اعتبارا من شهر نوفمبر 2018، ورصيد الإجازات العادية اعتبارا من شهر فبراير 2018، ورصيد الإجازات الوجوبية ما ورد بأحكام قضائية اعتبارا من 5 مارس 2020.

وشمل التظلم أيضا علاوات تم إصدارها بموجب قرارات رئيس الجمهورية، وجرت إضافتها إلى الأجور، وتمت تعلية صرف متأخراتها إلى حساب الأمانات، بينما لم تصرف بعد، وهي 9 شهور غلاء في 2017، و11 شهرا علاوة في 2018، و13 شهرا غلاء في 2018، بالإضافة إلى 5 شهور علاوة في 2019، وتبلغ 10% لم تتم إضافتها للأساسي، وذلك بمعدل 12 ألف جنيه لكل فرد.

كذلك تضم المستحقات المتأخرة علاوات تم إصدارها بموجب قرارات رئيس الانقلاب، لكنها لم تنفذ ولم تُضف إلى أجور العاملين كمستحقات مالية، وتشمل 30 شهرا حافزا شهريا 150 جنيها اعتبارا من يوليو 2019، فضلا عن 18 شهرا علاوة 2020 اعتبارا من 1/7/2020 بنسبة 12% من الأجر الأساسي بحد أدنى 75 جنيها شهريا. و18 شهرا قيمة حافز رئيس الجمهورية اعتبارا من 1/7/2020 مبالغ مالية مقطوعة قرين كل درجة وظيفية، وتشمل 150جنيها شهريا للدرجات المالية الرابعة فما دونها. بالإضافة إلى 200 جنيه شهريا للدرجة الثالثة، وكذلك 250 جنيها شهريا للدرجة المالية الثانية، وأيضا 300 جنيه شهريا للدرجة المالية الأولى، و325 جنيها لدرجة مدير عام/كبير، و350 جنيها شهريا للدرجة العالية، هذا غير 375 جنيها شهريا للدرجة الممتازة، أو ما يعادل كل منها، وذلك بمعدل 20 ألف جنيه لكل فرد.

وهناك مستحقات أخرى طبقا لقوانين الحد الأدنى للأجور تم تجاهلها، منها حوافز بعض العاملين بقطاعات (الاقتصادي، التليفزيون، الإقليميات، الأخبار، المتخصصة). وكذلك بدل طبيعة العمل المتوقف منذ عام 2015. فضلا عن بدل التميز المتوقف منذ عام 2015، وأيضا مستحقات صندوق التكافل الاجتماعي للمحالين إلى المعاش منذ عام 2018 رغم خصم الاشتراكات منهم.

هناك مستحقات أخرى طبقا لقوانين الحد الأدنى للأجور تم تجاهلها، منها حوافز بعض العاملين وبدل طبيعة العمل وبدل التميز ومستحقات صندوق التكافل.

 

ماسبيرو للبيع

الحديث عن مبنى ماسبيرو، ليس جديدا، فالحصول على المبنى الشهير دائما ما يرواد عقول مسؤولي الانقلاب عن طريق التخلص من العاملين بداخله بدعوى تنظيم العمل، ووقف الأعمال الغير لمهمة، وإعفاء الآلاف من العمال من دخوله بحجة أنهم عبء على ماسبيرو، ويضم المبنى 23 محطة تلفزيونية و76 محطة إذاعية.

وتعد التصفية هي السيناريو المتشائم للمبنى الشهير، وهو ما فسرته مصادر موثوقة داخل الهيئة الوطنية للإعلام، بأنه تجميل لفكرة بدأ العمل عليها تتمثل في التخلي عن المبنى الحالي لماسبيرو الممتد على مساحة 12 ألف متر مربع تقريبا في أجمل مناطق القاهرة المطلة على النيل، وذلك للاستفادة من تلك المساحة في مشروع مثلث ماسبيرو الذي يجري العمل فيه بشكل متسارع.

وكان الإعلامي والإذاعي جمال الشاعر قد أبدى تخوفه من نية عرض ماسبيرو للبيع أو الإيجار، خاصة بعد إعلان حكومة الانقلاب في أكثر من سياق بشكل غير مباشر، ضرورة التعامل معه باعتباره مؤسسة اقتصادية وتجارية هادفة للربح، وإلغاء مفهوم الإعلام كخدمة عامة يعبر عن عامة الشعب، ولفت الشاعر إلى اتجاه الحكومة لخلق إعلام موازٍ لإعلام الدولة.

باحث بالمركز المصري لدراسات الإعلام يشير إلى أن المسؤولين يتبعون نهج "دعوا ماسبيرو يلقى حتفه" وذلك عبر تعمد تعجيز العاملين فيه بعدم توفير الإمكانات والمناخ اللازمين لتأدية أعمالهم بالكفاءة المطلوبة، مع أن معظمهم يتمتع بخبرة طويلة.

ولا توجد بيانات تفصيلية ودقيقة عن حجم ديون ماسبيرو، حيث ذكر أسامة هيكل، وزير الإعلام المستقيل، حينما كان رئيسا للجنة الإعلام في مجلس نواب العسكر السابق، أن الديون تخطت 32 مليار جنيه، بينما ذكرت الهيئة الوطنية للإعلام في بيان أصدرته شهر يناير 2019 أن الديون تبلغ 42.6 مليار جنيه تمثل قرضا قديما يعود لعام 1981 من بنك الاستثمار القومي بلغت قيمته 9 مليارات و600 مليون جنيه وذلك منذ عام 1981، وبلغت فوائد القرض غير المسدد حتى الآن 32.9 مليارا تخص  مدينة الإنتاج الإعلامي التي كان يشرف عليها أسامة هيكل نفسه 947.9 مليون جنيه من هذه الديون.

نظام الانقلاب ساهم بقصد أو بدون قصد في سحب البساط من تحت أقدام ماسبيرو لصالح القنوات الفضائية الخاصة، التي استحوذت على نصيب الأسد من الاهتمام الرسمي.

فمثلا حين قررت الأجهزة السيادية الاستثمار في الإعلام، اتجهت للإعلام الخاص المرئي والمقروء، واستحوذت على أغلب القنوات الخاصة من خلال شركة إعلام المصريين التابعة للمخابرات العامة، كما أن الدولة ميزت تلك القنوات الخاصة بأخبار وتحركات النظام، ويكفي للاستشهاد على ذلك أن رئيس الانقلاب حين يود إجراء مداخلة تلفزيونية أو مقابلة مرئية يقع الاختيار على قناة خاصة بعيدا عن تليفزيون الدولة.

وبشكل عام بدا للمتابع وكأن الجهات المسؤولة في الدولة تحرص على محاربة الإعلام الحكومي التابع لها، من أجل إفساح المجال وترك الساحة للإعلام الخاص الذي استحوذت عليه وأنفقت في سبيل ذلك المليارات.

 

فساد الإدارة

عدد من العاملين أكدوا،  فى تصريحات نقلتها مواقع إلكترونية، أن الخسائر التي يتكبدها القطاع سببها سوء الإدارة من كبار المسؤولين وقياداته، فهناك تفاوت كبير في الحوافز والأرباح بينهم وبين الموظفين، وهو ما يظهر في مستند يشير إلى حصول موظف كبير بالشركة المصرية للأقمار الصناعية على أكثر من 168 ألف دولار أرباحا في عام واحد.

وكنموذج لإهدار المال بماسبيرو، توجد إدارة الرسوم المتحركة، التي يتقاضى العاملون بها رواتب وحوافز باهظة، ومع ذلك يتم تصوير أفلام الرسوم المتحركة خارج المبنى، وتتراوح تكلفة إنتاج الدقيقة الواحدة من أفلام الكارتون في مصر من 8 آلاف جنيه إلى 12 ألفا، ورغم امتلاك ماسبيرو جيشا من المخرجين والفنيين، فإن عددا كبيرا يحملون مؤهلات متوسطة، بالمخالفة للقانون، وهو الثابت في تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات.

 

Facebook Comments