لم يخرج وزير التربية والتعليم بحكومة الانقلاب طارق شوقي عن المتوقع بشأن إلغاء الامتحانات الإلكترونية للصفين الأول والثاني الثانوي، على أن تجرى الامتحانات ورقيا فقط. فقد خرج في الثالثة فجر  السبت 15 يناير 2022م، في رسالة صوتية عبر حسابه بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" معلنا تغيير نظام امتحانات التيرم الأول للصفين الأول والثاني بالثانوية العامة إلى امتحان ورقي بالكامل بدلًا من الإلكتروني. وشددت الوزارة على أن قرار عقد الامتحانات ورقياً لن يطبق على طلاب الثانوية العامة (الصف الثالث الثانوي)، والتي من المقرر إعلان تفاصيلها في مطلع الفصل الدراسي الثاني خلال شهر فبراير 2022م.

وادعت الوزارة أن قرار إجراء الامتحانات ورقياً يستهدف التيسير على التلاميذ، والوقوف على فهمهم لمخرجات التعلم، والتعرف إلى نوعية أسئلة التقييم الجديدة، مبينة أن امتحانات الصفين الأول والثاني الثانوي ستكون بنظام الكتاب المفتوح، مع منح التلميذ ورقة بها المفاهيم والقوانين الأساسية للاستعانة بها أثناء الامتحان؛ بديلاً عن الاستعانة بالكتاب المدرسي الورقي. ووفق القرار الجديد، يتولى مدير المدرسة تكليف المدرس الأول للمادة بوضع أسئلة الامتحان، مع الالتزام بالمواصفات الفنية المعدة من "المركز القومي للامتحانات"، وذلك بنسبة 70 في المائة بطريقة الاختيار من متعدد، و30 في المائة لأسئلة المقال، مع السماح بأن تكون الإجابة في نفس ورقة الأسئلة، أو أن تكون في ورقة منفصلة.

وأوضحت الوزارة أنه سيتم إعلان النتيجة بكل مدرسة في صورة تقديرات وليس أرقاماً، مع تشكيل لجنة للنظام والمراقبة بكل مدرسة لحساب النتائج النهائية، وإعلانها؛ وقبول الأعذار التي قد يتعرض لها التلميذ أثناء الامتحان طبقاً للقواعد المعمول بها. على أن يتولي مديرو المدارس الثانوية في المحافظات المختلفة تطبيق الإجراءات الاحترازية الخاصة بمنع انتشار فيروس كورونا بين الطلاب أثناء سير امتحانات الصفين الأول والثاني الثانوي.

 

دلالات كاشفة

القرار يعكس حالة  الفوضى التي تدار بها منظومة التعليم في مصر؛ ذلك أن الوزارة كانت قد أعلنت في 18 ديسمبر 2021، إجراء الامتحانات إلكترونيًا في المواد الأساسية للصف الأول الثانوي في الفترة بين 22 يناير  حتى الثاني من فبراير 2022، فيما تعقد امتحانات الصف الثاني الثانوي في الفترة بين 23 يناير والثالث من فبراير، فيما تعقد الامتحانات للصفين بالمواد خارج المجموع من 15 إلى 18 بشهر يناير. وأعلنت الوزارة لاحقًا في 6 يناير2022 أن الامتحان سينقسم إلى أسئلة إلكترونية سوف تمثل 70 % فقط من أسئلة الامتحان والـ30% الباقية أسئلة ورقية.

من جهة ثانية، فإن قرار شوقي اعتماد الامتحان الورقي فقط هو برهان على فشل خططه حول تسويق ما تسمى بمنظومة التعليم الجديدة التي أطلقها قبل سنوات بتوجيهات وأومر عليا من النظام وأجهزته الأمنية، والتي كان الامتحان الإلكتروني محورا أساسيا بها، دون اكتراث لتهالك شبكات الإنترنت وعدم قدرة بعض المعلمين والطلاب على التعاطي مع التكنولوجيا الحديثة لا سيما في المناطق النائية في الأرياف.  وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، تعهد شوقي بإجراء امتحانات الثانوية العامة إلكترونياً عن طريق "التابلت"، لكنه كان يتراجع عن قراره في اللحظات الأخيرة، ويعلن إجراء الامتحانات ورقياً؛ وهو ما دفع أولياء الأمور إلى تنظيم وقفات احتجاجية عدة أمام مقر الوزارة للمطالبة بإقالته من منصبه، وإعادة تصحيح امتحانات الثانوية، والتي نتج عنها انتحار 8 تلاميذ بمجرد إعلانها في العام الدراسي الماضي. وأظهرت نتائج الثانوية العامة للسنة الدراسية الماضية تراجع نسبة النجاح إلى 76 في المائة في الشعبة العلمية، و70 في المائة في الشعبة الأدبية، مقارنة مع 81.5 في المائة في العام الدراسي السابق عليه؛ وأرجع خبراء التعليم ذلك إلى حالة التخبط التي عانى منها الطلاب قبيل إجراء الامتحانات، إثر تدريبهم على أداء الامتحانات إلكترونياً، ثم التراجع عن القرار قبل موعد الامتحانات بأيام.

من  جهة ثالثة،  تضمنت تبريرات شوقي لقراره بعض الحجج التي سقناها في نقدنا وتحفظنا على منظومة الامتحانات؛ فقد برر شوقي قراره الأخير بإلغاء الامتحانات الإلكترونية، بقوله: «قررنا قرارًا نهائيًا بأن تعقد امتحانات الصفين الأول والثاني الثانوي جميعها ورقية بالكامل وليست إلكترونية.. بحيث لا ندخل في أسئلة السيستم أو سقوطه أو لو لم يكن الطالب يمتلك التابلت، أو عدم تدريبه عليه، وبالتالي نريد أن نعزل عن هذه الأسئلة تماما ليكن الهدف الحقيقي هو تدريب الطلاب على نمط أسئلة النظام الجديد»، حسب «أخبار اليوم». وتعزو الوزارة قرارها إلى تجنب القلق والارتباك المُصاحب لقرار تقسيم الامتحانات بين الإلكترونية والورقية، وتفادي المشكلات التقنية الناجمة عن ضعف شبكة الإنترنت في العديد من المحافظات، وكذلك عدم تدريب تلاميذ الصف الأول الثانوي على الامتحانات الإلكترونية، مشيرة إلى أنه سيُسمح للتلاميذ باصطحاب جهاز "التابلت" أثناء الامتحان، للاستعانة بما عليه من مواد تعليمية ومحتوى رقمي.

من جهة رابعة، فإن قرار شوقي هو ــ على الأرجح ــ هو قرار ما تسمى بالاجهزة السيادية، وبالتالي فإن القرار ليس قرار الوزير حتى وإن كان هو الذي أعلنه؛ بل هو قرار«دولة»، أو بمعنى أدق هو قرار ما تسمى بالأجهزة السيادية والأمنية؛ ذلك أن الحكومة في بلد مثل مصر هي مجرد واجهة لحكومة خفية هي من تتخذ القرارات المصيرية بناء على توجيهات الزعيم الدكتاتور، والحكومة الظاهرة هي مجرد واجهة لإعلان قرارات الحكومة الخفية التي تتشكل من كبار القادة والجنرالات في المؤسسة العسكرية والمخابرات وجهاز الأمن الوطني وهي الأجهزة وثيقة الصلة برئيس النظام وقائد الانقلاب. ولذلك دائما ما يكرر طارق شوقي في مداخلاته على فضائيات السلطة أن القرار  ليس قرار وزارة  بل قرار "دولة".

الخطير في الأمر أن الوزير رغم فشله المشهود والمعروف لا يزال يحظى بدعم الدكتاتور الأكبر، وقراراته المتناقضة والعبثية برهان جديد على أن الحكومة والوزراء محصنون من أي محاسبة على قراراتهم الخاطئة التي يمكن أن تفضي إلى كوارث وخسائر فادحة. كما أن هذه التصريحات تمثل ترجمة حرفية لتصريحات الدكتاتور عبد الفتاح السيسي لضباط الشرطة في أعقاب الانقلاب مباشرة، والتي وعد فيها ضباط الداخلية بالحصانة من المساءلة والمحاسبة على قتل المواطنين وتعذيبهم، سواء في المظاهرات أو مقرات الاعتقال والسجون. فإذا كان الوزراء محصنين من المحاسبة على قراراتهم الفاشلة؟ وإذا كان الضباط محصنين من المحاسبة على جرائم القتل والتعذيب؟ فمن المسئول إذا؟ إنه منطق العصابة وتكريس قانون الغاب، والعصف بكل أركان دولة الدستور والقانون مع سبق الإصرار والترصد.

Facebook Comments