تصريحات وزير التموين بحكومة الانقلاب علي مصيلحي السبت 15 يناير 2022م، حول إلغاء التعامل بالدمغة التقليدية على الذهب، ومنح المصريين مدة عام من الآن لدمغ المشغولات الذهبية للأشخاص، والسباك مقابل "رسوم" تحددها الدولة، أثار جدلا واسعا في الأوساط المصرية؛ متهمين حكومة الانقلاب بالتنغيص على الشعب والتضييق على المواطنين بشتى الطرق والوسائل عبر فرض المزيد من الرسوم والضرائب ووقف تصريحات البناء. القرار الذي أثار مخاوف المصريين على مدخراتهم الذهبية ومن نوايا حكومة الانقلاب، لا سيما وأنه يتزامن مع تطبيق نظام الدمغ بالليزر على المشغولات الذهبية والسبائك، والذي تبعه تحذير الوزير من إصدار قرارات لاحقة بعدم اعتماد الدمغات التقليدية.

وأمام حالة الغضب الشعبي، أصدر ناجي فرج، مستشار وزير التموين لصناعة الذهب بمصر، تصريحات قال فيها إن دمغ الذهب بالليزر يمنع الغش ويسجل جميع البيانات المتعلقة بالذهب، كما أنه لا يلغي التعامل للمشغولات الذهبية المدموغة بالدمغة القديمة. وأضاف فرج، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية عزة مصطفى ببرنامج «صالة التحرير» المذاع على قناة "صدى البلد"، أن الدمغات القديمة تظل معتمدة طالما كان الشخص لديه فاتورة الشراء. وأوضح مستشار وزير التموين لصناعة الذهب بمصر، أنه في حالة فقد الشخص الفاتورة سيكون هناك إجراءات أخرى يتم اتخاذها للتأكد من امتلاك الشخص للذهب، لكن لم يمنع تداول المشغولات الذهبية المصحوبة بالدمغات التقليدية. وأكد فرج أن جميع المشغولات الذهبية ستتحول إلى الدمغة بالليزر ويمكن للمواطنين تقديم المشغولات القديمة لدمغها بالليزر واستلامها مرة أخرى.

ورغم هذه التصريحات التي تستهدف تخفيف الصدمة التي أصابت المواطنين في أعقاب تصريحات الوزير، إلا أنها لم تحسم الجدل القائم حول النوايا الحقيقية لنظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، حول فرض المزيد من الرسوم على المواطنين من أجل زيادة موارد الدولة اعتمادا على نهب جيوب المواطنين. وتتزامن هذه التوجهات مع أزمة السيولة التي تمر بها البنوك المصرية؛ وهي الأزمة التي دفعت البنك المركزي للإعلان قبل أيام أنها سوف يضمن البنوك التي لديها رصيد كاف فقط، في إشارة إلى أن بعض البنوك باتت عارية من الأرصدة الكافية للتعاملات. وقبل سنتين أعلن نظام السيسي حربا شاملة على العقارات وحركة البناء، حتى تم هدم عشرات الآلاف من المنازل بدعوى عدم الترخيص أو أنها بنيت على أرض زراعية.

يفهم من هذه القرارات أن نظام السيسي يريد إجبار المواطنين على استثمار أموالهم في البنوك التي تعاني حاليا من أزمة سيولة، وبالتالي يجبر الناس على عدم البناء بوقف التراخيص.  ومنعهم من الادخار في الذهب  عبر قرار دمغة الذهب بالليزر؛ كأحد أهم أشكال الادخار الآمن في ظل التقلبات الكبرى التي تشهدها الأسواق. وبهذه القرارات التي أطلقها وزير التموين فإنه سيصيب سوق الذهب بالفوضى والارتباك وقد يجبر الكثير من المواطنين على دمغ مدخراتهم الذهبية بالليزر مقابل الرسوم التي تحددها الحكومة، أو التخلص من الذهب بشكل كامل  خوفا من تقلبات السوق بعد التصريحات الحكومية الأخيرة.

وجاءت تصريحات الخبراء مؤكدة أن قرارات الحكومة ستصيب سوق الذهب بالفوضى والارتباك؛ حيث يقول رئيس شعبة الذهب بالغرفة التجارية هاني جيد، في تصريحات إعلامية أن الذهب المدموغ في السوق قبل نظام الليزر سيتم شراؤه من المستهلكين بالفاتورة، وكافة الكميات الموجودة في المحال سيتم دمغها على مراحل. وأضاف أنها عملية تنظيمية لمعرفة "منشأ كل قطعة ذهب، ليكون لها ما يشبه السجل منذ تصنيعها وحتى بيعها وتناقلها بين العملاء".

لكن ناشطين يؤكدون أن ضغوط النظام على المصريين الذين يستثمرون في العقار بوقف التراخيص، وعلى الذين يضعون أموالهم بالبنوك برفع الغطاء المالي عن البنوك؛ امتدت إلى الذين يستثمرون في الذهب بقرار دمغه بالليزر. مؤكدين أن النظام بعدما حصر الأموال الكاش أراد أن يعرف كمية الذهب الموجودة عند المصريين كي يضع خطة للاستفادة منها. كما تثار مخاوف المستهلكين من رفض التجار شراء ما لديهم من مشغولات قديمة، كون التاجر سوف يتكلف لاحقا قيمة الدمغة الجديدة بالليزر، ما يزيد من المعروض من المستهلكين ويقلل من أسعار الذهب وبالتالي خسارة قيمته وانخفاض سعره وخسارة تحويشة العمر. وأعلن متابعون عن مخاوفهم من أن يكون القرار خطوة مماثلة لما جرى في نوفمبر 2016، من تعويم للجنيه، والذي على أساسه خسروا قيمة مدخراتهم المالية، واليوم جاء الدور على خسارتهم للمدخرات الذهبية.

في هذا السياق، تم الإعلان عن إنشاء أول مصفاة للذهب معتمدة دوليا بمنطقة مرسى علم بالصحراء الشرقية لتكون قريبة من مواقع مناجم الذهب في مصر، وبتكلفة 100 مليون دولار "1.6 مليار جنيه"، ويمكنها دمغ الذهب المستخرج من المناجم وختمه بالكود الدولي "9999".

وذلك بدلا من إرسال الذهب المستخرج من مصر إلى الخارج سواء إلى كندا أو سويسرا من أجل دمغه وختمه قبل تصديره أو عودته إلى مصر مرة أخرى، كما تستهدف المصفاة أيضا خدمة الاستخراجات ببعض الدول المجاورة مثل السودان والسعودية. وأعلن وزير البترول والثروة المعدنية المصري طارق الملا، خلال اجتماع وزراء التعدين العرب بالعاصمة السعودية الرياض، 12 يناير 2022، أن مصر تعمل على إنشاء أول مصفاة معتمدة للذهب، وذلك بهدف تعظيم القيمة المضافة من موارد المعدن.

وعرض الملا، إجراءات تطوير قطاع التعدين وتعديل قانونه بما يعالج العقبات أمام جذب الاستثمارات اللازمة، مشيرا لنجاح المزايدة العالمية الأولى عام 2020، بجذب مشاركة عالمية ومحلية غير مسبوقة بمجال تعدين الذهب بالصحراء الشرقية والبحر الأحمر. وأعرب عن هدف بلاده بزيادة مساهمة قطاع التعدين بالناتج المحلي الإجمالي من نحو نصف بالمئة حاليا إلى 5 بالمئة في العقدين القادمين، وتوفير فرص العمل وتعظيم الأنشطة التعدينية بإصدار 200 رخصة بحث واستكشاف سنويا.

وشهد قطاع الذهب عام 2021، توقيع 25 عقدا مع 11 شركة مصرية وعالمية للبحث عن الذهب في 75 قطاعا بالصحراء الشرقية، باستثمارات حوالي 57 مليون دولار، ضمن المزايدة العالمية للبحث عن الذهب في مصر. كما أعلنت وزارة التموين، أن مدينة الذهب العالمية المقامة بالعاصمة الإدارية، في المرحلة النهائية وتتم على أعلى مستوى. المصيلحي، خلال المؤتمر الصحفي للإعلان عن معرض ومؤتمر الذهب والمجوهرات "نبيو" 2022، أكد أن مدينة الذهب ستعكس تاريخ مصر العريق بتلك الصناعة الحرفية الدقيقة، مع وجود كبرى صالات العرض المجهزة، وتدريب للعمالة الماهرة لإطلاعهم على أحدث تقنيات الصناعة.

وحول ما يجري في سوق الذهب المصرية من تحولات وترتيبات وقرارات وتوجهات، يعتقد الخبير الاقتصادي المصري الدكتور عبد النبي عبد المطلب، أن "ما يجري هو مجرد تنظيم لسوق الذهب حتى تتسق حركته مع حركة الأسواق العالمية، والحد من عمليات الغش وتصنيع وتجارة الذهب خارج رقابة الدولة". موضحا أن النقطة الأخيرة "تعني القضاء على ما يمكن تسميته دخول الذهب غير الشرعي إلى أسواق الذهب الشرعية". وأضاف: "كما هو معلوم فإن صهر الذهب وإعادة تشكيله عملية سهلة، وتساهم في إخفاء أثر الذهب المسروق أو حتى المكتشف من خلال عمليات التنقيب غير الشرعي عن الذهب أو الآثار".

وبشأن تأثير قرار دمغ المشغولات والسبائك الذهبية الجديد، على مدخرات المصريين من الذهب، واحتمالات أن تقل قيمتها ويُفقدهم تحويشة العمر كما حدث مع تعويم الجنيه عام 2016، قال عبد المطلب: "بالتأكيد سوف تؤثر هذه القرارات على القيمة الحقيقية للمشغولات الذهبية".

واستدرك: "لكن هذا التأثير سوف يكون محدودا جدا؛ حيث ستظل سوق الذهب تتعامل مع المشغولات الذهبية بغض النظر عن دمغها، فسوق الذهب أساسا تقوم على الثقة في الذهب نفسه، وفي المتعاملين فيه". وفي تقديره لحجم قيمة وفائدة إنشاء مصر أول مصفاة للذهب معتمدة دوليا بمنطقة مرسى علم، يرى الخبير المصري أن "إنشاء مصفاة للذهب في مصر هو استثمار هام جدا تحتاج إليه مصر حاليا". وأضاف: "واضح أن منجم السكري أصبح يُنتج بشكل تجاري، وليس بشكل اقتصادي، حيث بلغ إنتاجه حاليا حوالي 15 طنا، وهناك توقعات أن تجتذب مصر العديد من شركات التنقيب عن الذهب والفضة وغيرهما من المعادن في أكثر من 120 موقعا مستهدفا".

Facebook Comments