بعد فترة هدوء نسبي امتدت لأسابيع، شن تنظيم «ولاية سيناء»، مساء الأربعاء 19 يناير 2022م، هجوما على قوة عسكرية تابعة للجيش أوقع عددا من القتلى  والمصابين بمنطقة جنوب الشيخ زويد. ويأتي الهجوم الأخير بمناطق شمال سيناء مع بدء عودة المهجرين قسرياً إلى قراهم بعد غياب دام سبع سنوات. وبحسب مصادر قبلية فقد تبع الهجوم حركة نشطة لقوات الجيش في محيط قرية الجورة حيث وقع الهجوم، حيث أجرى الجيش عمليات تمشيط في المنطقة بحثاً عن المنفذين. بينما أكدت مصادر طبية عسكرية بشمال سيناء بدء وصول ضحايا ومصابين من الجيش إلى مستشفى العريش العسكري، فيما لم تتم معرفة الحصيلة النهائية للهجوم.

في ذات السياق، سمحت القوات المسلحة، مطلع هذا الأسبوع، لسكان بعض قرى غرب الشيخ زويد، بدخولها لتفقد منازلهم ومزارعهم، بعد سبع سنوات من نزوحهم عنها تحت وطأة «الحرب الدائرة في سيناء منذ سبع سنوات». اللافت في عمليات عودة بعض المهجرين أنها عودة "دعائية" بمعنى أن النظام يعمل على توظيف عودة عشرات من هؤلاء المهجرين إلى قراهم من أجل تسويق حالة دعائية تدعي أن الجيش تمكن من حسم المعركة وقضى على المسلحين وبدأ إعادة المهجرين إلى قراهم. وهو الأمر الذي ينشفه هجوم الأربعاء بمنطقة الجورة وإيقاع عدد من القتلى والجرحى بصفوف قوات الجيش. يبرهن على ذلك أن العوائل والأسر التي جرى إرجاعها بالفعل إلى قراها مثل قرى الخروبة والغراء والشلاق، وقبر عمير،  هي عوائل معروفة بقربها من أجهزة السيسي الأمنية؛ وفي تأكيد على التركيز على اللقطة والشو الإعلامي رفع الأهالي أعلام مصر على أعمدة الكهرباء بجوار كابلات الكهرباء المقطوعة، فيما جلسوا بجانب ركام منازلهم التي تساوت بالأرض، أشعلوا النيران من أخشاب مزارعهم التي جَفت لعمل الشاي والقرصة (العيش السيناوي)، وأقاموا الصلاة في بقايا الجوامع. وفي تأكيد على أن الهدف دعائي، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الجاري انتشار كثيف لصور السكان العائدين، معظمها لشيوخ القبائل المعروفين بعلاقاتهم مع أجهزة الأمن، أمام لافتات تتضمن صورًا للدكتاتور عبدالفتاح السيسي، وعبارات شكر له وللقوات المسلحة، لسماحهم بعودة الأهالي لأراضيهم، ولكن في مقابل تلك الصور الاحتفائية، كانت الصور التي التقطها السكان العائدين ترصد الدمار والخراب الذي حل بالمنازل والمزارع. وكان اللواء خالد شوشة محافظ شمال سيناء ادعى، الثلاثاء 18 يناير 2022م في مداخلة تليفزيونية، أن الدولة صرفت نحو أربعة مليارات جنيه تعويضات على المنازل والمزارع لسكان رفح والشيخ زويد، مؤكدًا أنه مقتنع أن قيمة التعويضات غير مُجدية، مشيرًا إلى تدخل الدولة الفترة القادمة لعمل عمارات سكنية وبيوت بدوية في القرى لتسكين الأهالي العائدين.   وهو رقم مهول يؤكد أن حجم الفساد مهول أيضا؛ ذلك أن عدد المهجرين في سيناء من قراهم لا يزيد عن 100 ألف شخص بنحو 20 ألف أسرة؛ معنى ذلك أن كل أسرة تسلمت نحو 20 مليون جنيه كتعويض وهو أمر لم يحدث مطلقا وكانت التعويضات في حدها الأقصى لا تزيد عن 100 ألف جنيه!

 

أسباب فشل إستراتيجية السيسي

ويجمع كثير من الخبراء ومراكز البحث على أن الإستراتيجية التي يتبعها نظام السيسي في المواجهات القائمة في سيناء تعاني من مشكلات جوهرية؛ يبرهن على ذلك أن الحرب طالت رغم تعهدات السيسي باستمرار بالقضاء على ما يسمى بالإرهاب، ورغم أنه شن نحو 7 عمليات عسكرية موسعة إلا أنها جميعا باءت بالفشل في مؤشر كبير على خطأ المسار والمعالجة. ويرى تقرير لموقع Responsible Statecraft الأمريكي ــ نشر في سبتمبر 2020 ــ أن استراتيجية نظام السيسي لمكافحة الإرهاب، خاصةً في سيناء، معيبة ونتائجها عكسية. فبدلاً من القضاء على «الإرهاب» واقتلاع جذوره؛ أدّت إلى خلق أرضيةٍ خصبة للجماعات المُسلّحة والمُتشدّدة حتى تزدهر، وتُجنِّد الأعضاء الجدد، وتُكثِّف الهجمات ضد الجيش والقوات الأمنية والمدنيين المتعاونين مع النظام على حدٍّ سواء، ما أسفر عن فقدان الآلاف حياتهم، وخلق حالة من عدم الاستقرار في سيناء.

ويعزو تحليل الموقع الأمريكي أسباب فشل السيسي في سيناء إلى أنه تبنّى إستراتيجية شديدة العسكرة في التعامل مع التمرد بسيناء، وكانت الاستراتيجية تستهدف القضاء على أنشطة الجماعات المُسلّحة، وخاصةً ولاية سيناء، واقتلاع جذور التمرّد من شبه الجزيرة. ولتحقيق ذلك، نفّذ الجيش المصري عملياته العسكرية في مدن رفح والشيخ زويد والعريش، وجاءت تلك العمليات على ثلاث مراحل، بدأت الأولى في أكتوبر2014، بعد أن أعلن السيسي حالة الطوارئ في منطقة شمال شرق سيناء، التي تشمل رفح والشيخ زويد والعريش، وغيرها من القرى على الحدود المصرية مع غزة.

وبدأت المرحلة الثانية في الثالث من سبتمبر2015، بعد أن شنّت ولاية سيناء هجوماً كبيراً باستخدام صواريخ كورنيت على سفينةٍ تابعة للبحرية المصرية. وفي السابع من سبتمبر2015، أطلق نظام السيسي عمليةً عسكرية أخرى تُدعى "حق الشهيد"، والتي وصفتها وسائل الإعلام المصرية بأنّها "أكبر عمليةٍ شاملة لاقتلاع جذور الإرهابيين وقتلهم".

وانطلقت المرحلة الثالثة في فبراير 2018، حين أطلق الجيش المصري حملةً عسكرية شاملة، بعنوان: "عملية سيناء 2018، بهدف تطهير البلاد من الإرهابيين" وهي الحملة التي لا تزال مستمرة دون تحقيق أي نجاح.

وأمام الفشل المتواصل لجأ نظام السيسي إلى تغيير تكتيكاته من خلال الاستعانة بمليشيات قبلية لدعم الجيش والشرطة في مكافحة المتمردين المسلحين في سيناء. ورغم مزاعم حكومة السيسي أنّ الحملة القائمة أضعفت التمرد وقضت عليه في سيناء، فإن الواقع على الأرض ــ  بحسب الموقع  الأمريكي ــ لا يدعم تلك المزاعم، فعلى مدار العامين الماضيين، لم تكتفِ ولاية سيناء بتنفيذ هجمات مُتطوّرة ضد قوات الجيش والشرطة، ولكنّها مدّت أنشطتها إلى مناطق أخرى مثل بئر العبد والقرى المُحيطة، في ظل غياب أي مؤشر على قرب نهاية هذه الحرب أو تحقيق انتصار حاسم.

وبدلا من أن تفضي هذه الإستراتيجية إلى القضاء على المسلحين إلا أنها في واقع الأمر أدت إلى تعزيز مكانة المسلحين وتزايد قدرتهم على تجنيد الآلاف من الأهالي الغاضبين من ممارسات الجيش والأجهزة الأمنية التي تتعامل بمنتهى البطش والاستخفاف بأرواح الناس.

ويمكن رصد أسباب هذا الفشل في أربعة نقاط:

  • أوّلاً: تجاهل الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث تبنّى السيسي استراتيجيةً ذات توجهٍ عالي الأمنية في مكافحة التمرّد، دون الاعتراف بالجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية للوضع في سيناء. وأدّت سياساته في مكافحة التمرّد إلى تفاقم التحديات، وخلقت العديد من المشكلات الأخرى.
  • ثانياً: البحث عن الانتقام والنجاح السريع، هذه الاستراتيجية تُحرّكها إلى حدٍّ كبير دوافع الانتقام، والعقاب الجماعي، والرغبة المُلحة في تحقيق نجاحٍ سريع ضد الهجمات المُتكرّرة من ولاية سيناء، بدلاً من أن تكون مبنيةً على رؤيةٍ طويلة المدى تسعى إلى علاج الأسباب الرئيسية لمشكلة سيناء.
  • ثالثاً: انتهاكات حقوق الإنسان تغضب البدو،  ارتكب الجيش والقوات الأمنية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ضد البدو وغيرهم من سكان سيناء، وأسفرت هذه السياسات عن تأجيج العزلة والغضب. ووفقاً لتقريرٍ مُفصّل وشامل بواسطة هيومن رايتس ووتش، "نفّذت قوات الجيش والشرطة المصرية اعتقالات تعسُّفية مُمنهجة وواسعة النطاق -شملت الأطفال- وإخفاءات قسرية، وتعذيباً، وعمليات قتل خارج نطاق القانون، وعقاباً جماعياً، وإخلاءات قسرية" في سيناء طالت نحو 12 ألف منزل ومبنى.
  • رابعاً: التهجير يعزز التطرف ، أدّى تهجير آلاف البدو والسكان المحليين في سيناء إلى زيادة المظالم والدفع ببعضهم إلى حافة التطرّف، والانضمام إلى الجماعات المُسلّحة بغرض الانتقام من النظام. وأخيراً، أسفر استخدام القبائل في قتال التمرد عن خلق العديد من المشكلات، مثل تعرُّض بعضهم للخطف والتعذيب والقتل بانتظام على يد المسلحين.

Facebook Comments