مفارقة كبيرة يشهدها العالم العربي مع دخول عام 2022 تتلخص في انطفاء الأنوار الثقافية التقليدية التي كانت تميز عواصم مثل القاهرة وبيروت ودمشق بفعل عوامل مختلفة، وسعي السعودية بالمقابل لتصبح بديلا ثقافيا.

عواصم الثقافة العربية، كمصر والعراق وسوريا ولبنان، عانت العديد من الأزمات والصراعات والانهيارات ولا تزال.

بالمقابل، سعت السعودية التي كان اسمها يرتبط في الغالب بالنفط والصحراء ومواسم الحج والعمرة بصفتها "بلاد الحرمين" لتتحول إلى مركز ثقافي مهم في الشرق الأوسط، عبر المهرجانات والفاعليات التي استضافتها على أرضها مؤخرا، مثل مهرجانات السينما والترفيه واحتضان تصوير أفلام هوليوود على أرضها بموازنات ضخمة.

بعبارة أخرى سعت المملكة لانتهاز الفرصة لاختراق المجال الذي لطالما كانت مستثناة منه، لتتمكن من التحول إلى قوة ثقافية منافسة في الشرق الأوسط.

لكن المفارقة أن هذا التحول الثقافي، مرتبط بتحول في الهوية الإسلامية ومرتبط في الوقت ذاته بإرضاء الغرب ولو بمغازلته بالتطبيع مع إسرائيل.

هذه المفارقة لفتت أنظار صحف العالم التي تحدثت عن أثار هذا التحول الثقافي في المملكة.

موقع International Business Times أشار أن "ابن سلمان يتبنى إستراتيجية استثمارات بمليارات الدولارات في الرياضة والترفيه والسياحة، وقد يستحوذ على فريق مارسيليا الفرنسي، وكذلك فريق برازيلي من الدرجة الأولى ضمن توسيع دور بلاده الثقافي والرياضي والترفيهي".

صحيفة وول أستريت جورنال تحدثت عن عقد اجتماعي جديد يسعى إليه بن سلمان بمنح الشباب السعودي حريات اجتماعية، مثل الذهاب إلى السينما والرقص وارتداء الملابس غير التقليدية، مقابل السكوت عن قمع الحريات السياسية وعدم انتقاد الحكومة".

قالت "في هذه المملكة الإسلامية المحافظة، تراهن الحكومة السعودية على أن مهرجانات الموسيقى والرقص والاختلاط بين الجنسين، ستمنح الشباب السعودي منفذا للترفيه، لتساهم بهدم الأعراف الاجتماعية الراسخة".

لكنها اعتبرت أن "التغييرات الاجتماعية التي يجريها بن سلمان لا تعالج قضايا حقيقية عميقة، لأنها تغييرات مصطنعة ومفاجئة للأعراف الاجتماعية، وستصطدم بمجموعة من التحديات".

مجلة فورين بوليسي أشارت 20 ديسمبر 2021 أن "التغييرات الاجتماعية التي قام بها ابن سلمان، تسببت في حدوث صدام ثقافي جعلت الشباب السعودي يبتعد عن أسلوب الحياة الإسلامية، وتم دفعه إلى تقليد الثقافة الغربية، مما زاد من تعاطي المخدرات".

موقع wa to day الفني أشار لأن "مهرجان جدة للأفلام كان عبارة عن صفقة كبيرة لجذب الأنظار، ومواجهة معارضة منظمات حقوق الإنسان ومعارضي النظام السعودي، الذين وصفوا المهرجان بأنه محاولات لتلميع صورة الحكومة".

وصحيفة نيو يورك تايمز لفتت أن الأموال الهائلة التي أنفقتها الحكومة السعودية على استضافة مهرجانات سينمائية وتمويل أفلام جديدة، كانت انفتاحية للغاية لدرجة أنه عُرض في مهرجان جدة أفلام تضمنت مشاهد مثليّة وعري وحمل خارج إطار الزواج".

اعتبرت ذلك مؤشرا على أن "ابن سلمان يدفع بتغييرات ثقافية داخل المجتمع السعودي، ويريد التخلص من صورة المملكة المحافظة، لذلك يأتي مهرجان البحر الأحمر السينمائي في جدة كجزء من جهد ضخم لفرض هذه التحولات على المجتمع".

أكد هذا الباحث جيمس دورسيه في موقع Eurasia review الذي اعتبر الاحتفال بالكريسماس في السعودية جاء في إطار التنافس الديني على القوة الناعمة مع الإمارات، والترويج لاحتفالات الكريسماس بموافقة الحكومة السعودية، يسبب استياء كبيرا داخل المجتمع، وقد تحدث هناك مقاومة وعواقب لهذه السياسات".

وتحدث عن أن "المملكة تسير منذ عدة سنوات على طريق التسامح الديني والتحرر الاجتماعي، وقد ساعد في ذلك تعاون السعودية مع القادة الإنجيليين واليهود، كما حول ابن سلمان رابطة العالم الإسلامي إلى مؤسسة تروّج لمفهومه المبهم عن الإسلام المعتدل".

علقت وول ستريت جورنال 23 ديسمبر 2021 أيضا علي احتفالات رأس العام في السعودية، مشيره لأن زحف أجواء عيد الميلاد داخل المملكة يأتي ضمن سياسية تغيير المجتمع في عهد ابن سلمان، ويتم الدفع لتجاوز الحدود الثقافية في البلاد التي فيها أقدس الأماكن الإسلامية.

قالت "يريد ابن سلمان أن يرى الغرب ما يحدث في مملكته، وأنها ملائمة ليعيش الأجانب فيها، ولم يكن ذلك ممكنا لولا تخفيف ابن سلمان للمظاهر الدينية في السعودية".

نيويورك تايمز تحدثت أيضا عن "فكرة الكريسماس كانت تتسرب إلى منازل السعوديين عبر هوليوود ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن الآن أصبحت واقعا يمكنك مشاهدته في المتاجر وأجواء الاحتفالات في بعض مراكز التسوق".

 

تحول انحلالي

معالم هذا التحول الثقافي السعودي وطبيعة التحول التغريبي في المملكة سيكون له أثره على بلاد الحرمين.

بسبب هذا التحول العجيب في بلاد الحرمين للأسوأ وانهيار الأخلاق تساءلت صحيفة واشنطن بوست 30 ديسمبر 2021 عن ثمن التحول وما الذي سيصدمنا به ابن سلمان خلال عام 2022؟ هل سيحلق لحيته؟ هل سيتولى العرش بعد وفاة والده؟ هل سيلتقي ببايدن ويوقف التعاون مع الصين؟ هل سيطبّع مع إسرائيل ويفتح علاقات تجارية مع تل أبيب؟

فقناة CNN تحدثت عن "اجتماع افتراضي ضم وزيري الخارجية السعودية والإسرائيلي مع وزير الخارجية الأمريكي بشأن أوميكرون، وهي حالة نادرة يشارك فيها البلدان اللذان ليس لهما علاقات دبلوماسية رسمية في نفس الاجتماع".

وصحيفة جيروزاليم بوست قالت إن "وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ونظيره الإسرائيلي يائير لبيد، تجمعهما مكالمة هاتفية مع دبلوماسيين كبار آخرين، نظمتها وزارة الخارجية الأمريكية لأول مرة".

وإذاعة BBC تحدثت 21 ديسمبر 2021  عن "حفلات الترفيه في السعودية، تثير مخاوف السعوديات من تزايد ظاهرة التحرش ضدهنّ، وخلال مهرجان MDLBeast المثير للجدل رقص مئات الآلاف من الرجال والنساء، وحدث اختلاط بطريقة لم يكن من الممكن تصورها في يوم من الأيام داخل المملكة".

الناقد السينمائي John Bleasdale تحدث عبر موقع  Dirty Movies19 ديسمبر 2021 عن مهرجان البحر الأحمر السينمائي في السعودية،  وكيف عرض أفلاما هدامة للغاية، بما في ذلك الدراما السحاقية، وهو شيء لم يكن من الممكن تصوره، علما أن أكثر من نصف جمهور المهرجان هم من الأطفال والبالغين".

موقع Variety كتب 20 ديسمبر 2021 أن "صناعة السينما في السعودية تحقق طفرة نوعية بكسرها للمحرمات الثقافية في البلاد، حيث عرض فيلم The Lost Daughter والذي يتميز بمشاهد جنسية ومشاهد تعري، ومشاهد أخرى عرضت على الشاشة الكبيرة ولم يعترض أحد عليها".

 

رؤية 2020 ترفيهية

هذا التوجه اللافت الذي بدأت تخطو فيه المملكة خطوات جادة خلال الفترة الأخيرة، أحد أهم إرهاصات التحولات الجذرية التي روجها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في إطار برنامجه الذي أعلن عنه سابقا "رؤية 2030"، لتنويع الموارد الغير نفطية في الاقتصاد السعودي، وبناء صناعة ترفيهية جديدة، والانفتاح على بقية الدول والشعوب.

ولضمان نجاح ذلك، ضخت الرياض بسخاء أموالا ضخمة، لتمويل عديد من الأفلام الجديدة واستضافت مهرجانات سينمائية، وأتاحت الفرص لتطوير وتدريب كوادر فنية ماهرة.

مع ذلك يرى خبراء ومحللون، أنه ربما لن يكون سهلا الاختراق السعودي للمجال الثقافي في الشرق الأوسط، لعدة تحديات، من أهمها الحساسيات السياسية والدينية والثقافية، ورفض الشعب لهذا الكم من الانحلال لا الترفيه.

Facebook Comments