قال الباحث الفلسطيني د. عدنان أبو عامر إن "الثورات العربية شكلت لإ سرائيل ضائقة إستراتيجية في الشرق الأوسط، وهذا الموقف يعكس حال القلق الذي تعيشه، وهذه ضائقة تحدث عنها الخبير الأمني إيتمار إيخنر، وانعكست في علاقات إسرائيل المعقدة مع جميع الدول بما في ذلك الولايات المتحدة".
وذكر أنه "بقي الشرق الأوسط مع إدارة أمريكية ضعيفة، تعطي الانطباع بأنها رفعت أيديها عن المنطقة، خاصة عند الحديث عن فترة أوباما، وبعد مجيء إدارتي ترامب و بايدن، فقد اختلف التقييم الإسرائيلي لهما".

وأضاف في دراسة نشرها المعهد المصري للدراسات بعنوان "قراءة إسرائيلية للربيع العربي في ذكراه الحادية عشر" أن صدى القلق ما زال يتردد على عدة متسويات.
وأوضح أن هناك الكثير من الشواهد التي تشير بما لا يدع مجالا للشك، أن العقبات التي واجهتها إسرائيل بسبب الثورات العربية لم تتعلق فقط بالناحية اللوجيستية، بل بصورة أساسية شكلت إخفاقا استخباريا شموليا في فهم الواقع العربي".
واستنبط الباحث من متابعة للدوريات الصهيونية أن المعطيات الميدانية، تشير أنها لم تُجهّز نفسها لكل السيناريوهات، ولذلك خشيت المنظومة الأمنية الإسرائيلية عقب الثورات العربية من اهتزاز في تحالفاتها المركزية في الشرق الأوسط، بعد ضعف الأنظمة المحيطة بها أمام المجتمعات المدنية فيها، ومواجهة تحديات داخلية، في ضوء توصيف إسرائيل للربيع العربي بأنه فوضى وانهيار عناوين سياسية في المنطقة.

مستويات محيطة
وأشارت الدراسة إلى أنه من الشرق، توترت علاقة إسرائيل مع النظام الأردني الذي اتهمها بالجمود السياسي، وحذر من الكارثة، ورفض لقاء بنيامين نتنياهو، على الأقل علنيا، حتى جاءت حكومة أردنية جديدة في 2021، استعادت التطبيع".

وفي الشمال؛ في لبنان حكومة يسيطر عليها حزب الله، ما يعني أن المعسكر المعتدل في الشرق الأوسط فقد محورا مهما وأساسيا.

وفي الضفة الغربية؛ الثورات العربية تطرح تخوفا أن يتلقى الشعب الفلسطيني شهية الخروج للشارع، وإسقاط نظامه المتمثل بالسلطة الفلسطينية التي تتلقى دعما وإسنادا إسرائيليين ليس خافيين على الفلسطينيين.

تقديرات صهيونية
ولخص الباحث أبو عامر ما وضعته المحافل الأمنية الصهيونية من تقدير موقفها الإستراتيجي من حالة الثورات العربية على النحو التالي:

انعدام الاستقرار، وتبني مواقف ودية أقل من إسرائيل.

إضعاف النفوذ الإيراني في سورية ولبنان، وتعزيز التحالف المناهض لها في الخليج العربي.

إمكانية إيجاد حلول للنزاع الطويل مع سورية والفلسطينيين.

انخفاض أهمية مصر وسورية، المنشغلتان بشؤونها الداخلية، وارتفاع التأثير الإقليمي لتركيا وإيران.

الضغط على حزب الله، كفيل بأن يسمح بالوصول لتسويات أمنية أكثر استقرارا مع لبنان.

وقد انشغلت مراكز البحث الإسرائيلية منذ اليوم الأول لانطلاق الثورات العربية بدراسة التداعيات المحتملة على إسرائيل، التي لم تُخفِ خوفها من نجاح بعضها، واستمرارها في بعض الدول، عبر مؤتمرات عقدتها لتوصيف الثورات، بمشاركة واسعة لباحثين وإستراتيجيين، وقادة عسكريين، وبعض صانعي القرار فيها.

مهاجمة الربيع

وأضافت الدراسة أن الأوساط الأمنية في تل أبيب أطلقت أوصافها على الثورات التغييرية، ومنها؛ مصطلح "الشتاء الإسلامي"، مستشهدا بما ذكر عاموس يدلين رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق أنها "لم تكن نموذجا ليبراليا أو علمانيا؛ ولا تغييرا غير عنيف، أدى مفعوله كـ “أثر الدومينو” السريع كما حدث في شرق أوروبا، بل الحديث عن ظاهرة واضح أنها في الطريق لأن تُغير وجه الشرق الأوسط كله".

استهداف غير المضمين
ويبدو بحسب الباحث؛ أن الأجهزة الأمنية الصهيونية صنفت مجموعتين من الدول لم تنضم لموجة التغيير والثورات، وهما:

الممالك والإمارات: فلديها نفط كثير وموارد مالية لوقف الثورات، ومن لا تملك هذه الموارد الوفيرة كالمغرب والأردن، عرفت كيف تواجه الهبات الشعبية بصورة أفضل، ويبدو أن التأليف بين شرعية أكبر عند الجمهور وخطاب أفضل معه، وإدارة أصح للتوقعات، واستعمال الإصلاحات في الوقت، أوقف الربيع العربي خارج مجموعة بدا أنها معرضة للإصابة بها أكثر من غيرها، من ناحية تاريخية.

الدول التي كانت هناك، والتي عرفت في العشرين سنة الأخيرة حروبا أهلية وانقلابات في الحكم، وعدم استقرار سياسي، فمواطنوها يعرفون الثمن جيدا، القتل المتبادل، هدم البنى التحتية، ضرب الدولة والمؤسسات، الإضرار بالاقتصاد والنسيج الاجتماعي، فالعراقيون والجزائريون واللبنانيون، لا يسارعون في العودة إلى عدم اليقين وغياب الأمن اللذين يميزان فترات التغيير والثورات.

القلة والإنجاز
وأشار د.عدنان أبو عامر إلى قلة من الخبراء الصهاينة من خرجوا على الإجماع الإسرائيلي بمعارضة الثورات العربية، واعتبارها حالات من الفوضى، وانعدام الأمن الشخصي، ورأوا أن ما حدث إنجازات عربية، حددوها في:

كسر حاجز الخوف، من خلال محاكمة مبارك، واعتبارها نقطة تحول، لأنها ثبتت مسؤولية الحاكم عن أعماله، أمام عدسات التلفزيون، وطبق المساواة أمام القانون.

حصول ثورة إعلامية كبرى، إذ ظهرت صحف جديدة، تكتب وتنشر دون رقيب، ومدونات إلكترونية ومجموعات افتراضية، وأخذت تنمو وتزدهر محطات تلفزة تجارية مقابل قنوات التلفزيون الرسمية الموالية للسلطة، وبثت تقارير وتحقيقات وبرامج حوارية جادة يشارك فيها متحدثون باسم المعسكرات المختلفة، وهناك حرية كبيرة للتظاهر والاحتجاج، وحتى لسد الطرق والشوارع وخطوط سكك الحديد.

الحكم بالسجن على وزراء لفترات طويلة: وازدادت الشكاوى من مواطنين بشأن الرشاوى والاعتقال التعسفي، ويلقى بعضها معالجة واهتماما، وإن كان بطيئا وغير ناجع، كما أُلغيت حالات الطوارئ القائمة منذ عقود طويلة، وتم الإفراج عن غالبية السجناء السياسيين، بالرغم من استمرار الفساد الواسع في كل المستويات والمراتب، لأنه لم يجرِ تطهير جهاز الدولة البيروقراطي من العناصر الفاسدة.

https://eipss-eg.org/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b0%d9%83%d8%b1%d8%a7%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d8%b4%d8%b1/

Facebook Comments