في ضربة مؤلمة لنظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، تكدس آلاف المصريين منذ نهاية الأسبوع الماضي أمام البنوك لسحب أموالهم وودائعهم في ظل الأنباء التي تتردد بقوة حول تعويم جديد مرتقب سيهوي بقيمة الجنيه إلى مستويات مخيفة ومرعبة قد تصل إلى 100% من قيمته الحالية كما حدث من قبل مع قرارات التعويم الأول في نوفمبر 2016م؛ الأمر الذي هبط بقيمة الجنيه إلى النصف أمام الدولار وباقي العملات الأخرى؛ وهو ما تسبب في خسائر فادحة لكل فئات الشعب المصري؛ حيث تآكلت المدخرات والمرتبات على نحو أصاب كل المصريين بصدمة لم يفيقوا منها حتى اليوم على وقع موجات الغلاء المتتالية بلا توقف والتي طالت جميع السلع والخدمات.

وتتخوف حكومة الدكتاتور السيسي من تزايد وتيرة سحب المودعين لأموالهم، خصوصاً مع التراجعات الأخيرة التي شهدتها عملات الأسواق الناشئة، وتحذيرات بنوك استثمار عالمية من تعرض الجنيه لضغوط ومخاطر تتعلق بتقلبات في التدفقات الأجنبية في الأشهر المقبلة؛ علاوة على انعكاس أي أزمات اقتصادية عالمية بالسلب على الاقتصاد المصري، والذي يعاني في الأصل من تراجع كبير في حجم استثمارات الأجانب في أدوات الدين مؤخراً.

ويواجه السوق المصري أزمة دولارية شبيهة بالتي حدثت قبل تعويم الجنيه أواخر عام 2016، ارتباطاً باحتلال مصر المركز الثاني، بعد الأرجنتين، بين أعلى الدول اقتراضاً من صندوق النقد الدولي، والتحذيرات التي أطلقها الأخير في كتابه الدوري، بشأن مواجهة الاقتصادات الناشئة فترات من الاضطراب مع رفع البنك المركزي الأميركي معدلات الفائدة الأساسية، وتباطؤ النمو العالمي بسبب متحور "أوميكرون" الجديد من فيروس كورونا.

ووفق بيانات البنك المركزي، كان صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك في (فبراير 2021) الماضي 6.8 مليار دولار، قبل أن يبدأ التراجع في مارس، محققًا قيمًا سالبة مع بداية العام المالي الجاري (يوليو 2021)، وصولًا إلى نوفمبر 2021، الذي بلغ صافي الأصول الأجنبية فيه سالب 7.1 مليار دولار، في ظل هروب الأموال الساخنة من جهة، ودفع أقساط وفوائد الديون الدولية من جهة أخرى.

 

زحام بالبنوك

وبحسب صحيفة "العربي الجديد" اللندنية، فقد شهدت البنوك المصرية حالة تكدس شديد لا سيما فروع البنك الأهلي المصري (أكبر البنوك الحكومية)، وبنوك مصر، والقاهرة، والتجاري الدولي، وقطر الوطني، والعربي الأفريقي الدولي، وHSBC، بوصفها البنوك الأكبر في السوق المصرية من حيث حجم التعاملات، على ضوء ما يتردد من أنباء حول اتجاه مرتقب للبنك المركزي بتعويم جديد للجنيه أمام العملات الأجنبية.

وبحسب التقرير فقد وقعت ملاسنات كلامية بين العملاء والعاملين في الفرع الرئيسي للبنك التجاري الدولي (أكبر البنوك الخاصة في السوق)، الكائن في شارع شريف بوسط القاهرة، يوم الأحد، بسبب مواجهة العملاء صعوبة في سحب أموالهم من ماكينات الصراف الآلي، واستلام التحويلات البنكية، منذ 13 يناير الجاري "2022"، بحجة توقف الخدمات البنكية الإلكترونية نتيجة عملية تحديث أنظمة الكمبيوتر الخاصة بالبنك.  وتقدم البنك باعتذار لعملائه المتضررين عن طريق الرسائل النصية، وكذلك عبر شاشات ماكينات الصراف الآلي المتعطلة تماماً منذ 10 أيام تقريباً، في وقت ادعى فيه البنك الانتهاء من التحديث التقني لنظامه الأساسي، وإتاحة جميع خدماته الإلكترونية بشكل كامل؛ غير أن بعض العملاء ما زالوا يعانون من عدم قدرتهم على تنفيذ وإجراء العمليات المصرفية بسبب تحديث النظام البنكي.

كما  اصطف عملاء البنك الأهلي المصري أمام أبواب فروعه المنتشرة في العاصمة القاهرة في مشهد لافت؛ رغبة منهم في تحويل أموالهم الجارية لدى البنك إلى ودائع بفائدة 11% سنوياً، أو سحبها تدريجياً من حساباتهم المصرفية، واستبدالها بالدولار أو الذهب في وقت لاحق للحفاظ على قيمتها؛ خصوصاً مع نشر العديد من المواقع الإخبارية المحسوبة على النظام  أخباراً وتقارير من شأنها التمهيد لقرار خفض الجنيه.

 

أزمة سيولة

وكان رئيس الانقلاب قد وضع عراقيل مشددة أمام في قطاع المعمار فأوقف البناء وسن قانون التصالح في مخالفات البناء من أجل تحصيل مئات المليارات من جيوب المواطنين، ثم سن قانون الشهر العقاري الذي ينص على عدم الاعتداد بأي توقيع غير موثق وفرض على التوثيق رسوما باهظة لكنه تراجع امام الاحتجاجات الشعبية العارمة في سبتمبر 2020م.

ومؤخرا أعلن وزير التموين علي المصيلحيي عن فرض دمغة الليزر على الذهب وعدم الاعتداد بالدمغة القديمة بعد سنة من الآن؛ الأمر الذي يفهم منه أن السيسي يضع العراقيل أمام المواطنين لمنعهم من الادخار في العقارات والأراضي والذهب؛ وذلك لأن البنوك المصرية تعاني من أزمة سيولة كبيرة في ظل سحب النظام معظم السيولة خلال السنوات الماضية للإنفاق على مشروعات السيسي الضخمة التي فاقمت مشكلات الاقتصاد المصري ولم تحقق له أي إضافة معتبرة.

وكان السيسي ــ على هامش احتفالية أقامها في مدينة أسوان الجديدة، في 28 ديسمبر 2021م ــ  قد دعا المصريين إلى وضع مدخرتهم من الأموال في البنوك بدلاً من استثمارها في مجال العقارات، بدعوى إتاحة المجال لوزارة الإسكان والمرافق، ممثلة في هيئة المجتمعات العمرانية، لبناء المزيد من الوحدات السكنية في المدن الجديدة. وقال السيسي، إنه "يجب على المواطنين في مصر، سواء من المقيمين في المدن أو القرى، أن يروا عدد الوحدات السكنية لديهم، وعدد المسكون منها بالفعل، لأن ذلك يعطي مؤشرا بالنسبة للإقدام على البناء أو التوقف"، مستدركاً "لا أتحدث هنا عن وزارة الإسكان أو الدولة، ولكن عن بناء الأهالي". وأضاف: "أقول للناس هذا ليس استثمارا في محله، وبدلاً من وضع الأموال في العقارات ضعوها في البنوك، ولو أنك ترغب في بناء عقار بقيمة مليوني جنيه على سبيل المثال، أنصحك بأن تضع هذه الأموال في البنك، لأن الاستثمار في العقار حالياً فرصة ليست بكبيرة، وهذه الأموال ستكون قد حُبست منك في العقار، ومن الصعب بيعه". وتابع السيسي: "انظروا إلى حجم المعروض من العقارات والطلب عليها، وأنتم تعلمون ماذا أقصد. والدولة تدخلت في مجال الإسكان ليس بغرض المنافسة، أو الوقوف ضد أحد، ولكن لوقف القبح، والبناء العشوائي"، على حد زعمه، وزاد: "وقف البناء داخل الدولة سيكون على مراحل، ولن نسمح لأحد -باستثناء الدولة- بالبناء في مشاريع الإسكان لمدة 10 سنوات من الآن، لحين وضع آليات منضبطة بشأن التراخيص وخلافه".

 

ارتبك النظام

وعلى إثر رصد حالة الزحام المستمرة في البنوك منذ الأسبوع الماضي؛ تلقت المواقع الإخبارية التابعة للسلطة تعليمات من "أجهزة سيادية" بوقف نشر أي أخبار تتعلق بمسألة "تعويم الجنيه"، وطمأنة المودعين، في المقابل، بنشر تقارير تروج إلى استقرار الوضع المصرفي في مصر، والتقليل من شأن تداعيات مواجهة القطاع المصرفي نقصاً في السيولة الدولارية.

وأقر البنك المركزي حدوداً قصوى للسحب اليومي من حسابات الأفراد في مصر، بقيمة 50 ألف جنيه (3175 دولاراً تقريباً) من داخل الفروع، و20 ألف جنيه (1270 دولاراً) من ماكينات الصراف الآلي، أي بإجمالي 70 ألف جنيه (4445 دولاراً) في اليوم كحد أقصى.

ورغم أن البنك المركزي يضمن أموال المودعين، في حال تعرض أي بنك للمخاطر بموجب القانون؛ وهذه الضمانة تمتد إلى جميع البنوك العاملة في السوق، سواء محلية أو عربية أو أجنبية، ومعمول بها منذ سنوات طويلة. كما أن قانون البنك المركزي تضمن باباً كاملاً عن تسوية أوضاع البنوك المتعثرة؛ بما يحمي مصالح المودعين وأموالهم، إلا أن المودعين تنتابهم مخاوف كبرى من انهيار النظام المصرفي وعدم قدرته على الوفاء بأموال المودعين لأسباب تعود إلى سحب النظام معظم السيولة لسد العجز في الموازنة من جهة، واستكمال مشروعات السيسي الضخمة عديمة الجدوى من جهة ثانية.

وكان البنك المركزي المصري قد قرر منح البنوك العاملة في السوق المحلية "سيولة طارئة" بسعر فائدة لا يقل عن 5%، حال عدم قدرتها على توفير السيولة من سوق الإنتربنك (شبكة داخلية تربط بين الأنظمة البنكية).

ودعمت حكومة السيسي الجنيه في مواجهة الدولار خلال السنوات الخمس الماضية، من خلال الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لجذب المزيد من المستثمرين الأجانب في أذون الخزانة المحلية، فضلاً عن التوسع في أسواق السندات الدولية باللجوء إلى أنواع جديدة في الآونة الأخيرة، ومنها السندات الخضراء، والصكوك السيادية.

Facebook Comments