يلعب السيسي وإعلام العسكر على الوتر الحساس المتعلق بـ "الاستقرار" رغم أن الأوضاع شديدة السوء وتزداد سوءا كل يوم، كما يفسر ذلك عمليات التخويف المستمرة من جانب الجنرال للشعب فهم يعمل جاهدا على أن يبقى الشعب خائفا من المجهول أملا في إطالة حكمه وتكريس استبداده؛ لذلك يرفع النظام لافتة "الاستقرار الوهمي" مخوفا الشعب باستمرار من الثورة ضد ظلمه وفشله وسوء إدارته رغم بشاعة الحياة في ظل حكم السيسي وتحولها إلى جحيم لا يطاق بسبب القمع والغلاء حتى بات أكثر من 60 مليون مصر إما فقراء أو تحت خط الفقر وفقا لتقديرات البنك الدولي. كما يخوف الناس دائما من التغيير ويضرب لهم المثل بسوريا والعراق دون النظر إلى النماذج الناجحة كتركيا أو حتى المغرب والأردن فضلا عن اليابان والمانيا والدول الأوروبية المتقدمة فلماذا دائما ما ينظرون إلى الأدنى ولا يتطلعون إلى الأفضل؟!
فإذا استمرت السياسة الحالية متجاهلة مطالب المصريين وحاجاتهم الأساسية فإن الوصول إلى لحظة التمرد الجماهيري قريبة جدا، وأن ثمة نارا تحت الرماد، وأن ما يتم ترويجه عن تحمل المصريين لفاتورة الإصلاح المزعوم مجرد ادعاءات غير حقيقية وأمنيات القائمين على الحكم، فلا صبر ولا تضحية وإنما صمت مفروض بالإكراه بأدوات التخويف والترهيب لتمرير إجراءات الإفقار بالقوة المسلحة. وأثبتت حركات الاحتجاج العفوي (الخبز في مارس 2017م، والمترو في مايو 2017م و2020 ضد قانون هدم المنازل) وحركات الاحتجاج السياسي (مايو 2016 ضد التنازل عن تيران وصنافير"، ثم سبتمبر 2019م) أن تأثير الجوع والمعاناة يقترب من تأثير التخويف، وكلما ضاقت الفجوة بين التأثيرين والوصول إلى درجة التعادل كلما اقترب المصريون من لحظة الانفجار الكبير وتصفية الحساب مع مجمل السياسات التي أوصلت مصر إلى حالة الانهيار التي يعيشها المجتمع المصري ويلمسها كل مواطن بنفسه. والذين يراهنون على أن البندقية ستظل دائما صاحبة القرار وأن القمع سيمنع الناس من التظاهر يخطئون في الحسابات؛ فالقوة الباطشة التي استخدمت ضد التيار الإسلامي ليكون أمثولة وعبرة لباقي الشعب يصعب استخدامها مع جمهور جائع يبحث عن قوت يومه وليس لديه ما يخسره.
سيناريوهات محتملة
أمام المشهد المصري بعد مرور 8 سنوات من انقلاب 03 يوليو 2013م، عدة سيناريوهات تستند إلى المعطيات القائمة محليا وإقليميا ودوليا.
السيناريو الأول، هو تحقيق نظام الانقلاب نصرا حاسما على قوى الثورة وتحولها إلى قوى معارضة مستأنسة وينتقل بعضها من مربع الرفض للنظام وبطلان شرعيته إلى مربع المعارضة يأسا وإحباطا من جهة وربما خوفا من انتقام النظام من جهة ثانية، ويأس الشعب وعدم قدرته على الانتفاض من جديد ضد ظلم النظام وبشاعته. لكن ذلك يصطدم بتصاعد حجم الغضب من النظام خصوصا في أعقاب تمرير التعديلات اللادستورية التي تبقى الطاغية في الحكم حتى 2030 وتجعل من المؤسسة العسكرية وصيا على الشعب والمجتمع وتشرعن انقلاباته القادمة، كذلك حجم الغضب الشعبي في أعقاب قوانين هدم المنازل وفرض المزيد من الرسوم والضرائب.
السيناريو الثاني، هو بقاء الأوضاع على ما هي عليه فلا النظام قادر على القضاء على قوى الثورة التي تعزز حضورها الإعلامي وخفت دورها الشعبي لأسباب تتعلق بالقمع الوحشي، ولا قوى الثورة تملك الأدوات التي تمكنها من حسم الصراع، وإن كانت هناك بوادر عن تململ داخل مؤسسات الدولة كشفت عنه فيديوهات الفنان والمقاول محمد علي سنة 2019م حول حجم فساد السيسي وأسرته وقادة الجيش، وتحركات غامضة يصفها البعض ببوادر انقلاب أبيض يستهدف تقليص السيطرة المطلقة للسيسي على النظام بعد أن تشوهت صورة المؤسسة العسكرية بصورة كبيرة وغير مسبوق، ويراها البعض شكلا من أشكال التخدير والتنويم.
السيناريو الثالث، مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية وعدم قدرة النظام على إدارة موارد الدولة بشكل صحيح وتزايد معاناة المواطنين ربما يؤدي ذلك إلى فوضى واحتجاجات فئوية وشعبية على خلفية تزايد معدلات الفقر والجوع. بما يفضي إلى تزايد معدلات الجريمة وتراخى سلطة النظام، وقد تظهر فئات شعبة تتحدى سلطة النظام وشرطته القمعية ، ومع تزايد وتيرة هذه الاحتجاجات ربما يفضي ذلك إلى تحرك أجنحة داخل النظام لإنقاذ الجسد عبر الإطاحة بالرأس كما حدث تماما مع مبارك. وبذلك يكتسب الزخم الشعبي نصيرا من مؤسسات النظام لكن تجربة ثورة يناير ستجعل الشكوك تحاصرهم حتى لا يكون ذلك التفافا جديدا على الموجة الثانية للثورة، لكن الحكم حاليا بات عبئا لا يستحق عناء تحمله في ظل تراجع إيرادات الدولة وتضخم الديون وكثرة الأعباء.
وأمام المعطيات الراهنة فإن السيناريو الثاني هو الأرجح حدوثا خلال الفترة المقبلة، وإن كان ذلك لا يمنع من أن الثورات أو الانقلابات تنفجر فجأة ودون مقدمات ما يضع الجميع أمام سيناريو مفاجئ متدحرج لا يعرف أحد عواقبه، كما يمكن أن يحدث تداخل بين السيناريوهين الثاني والثالث وفقا لتطورات الأوضاع. بما يتعين معه وضع قوى الثورة كل الاحتمالات والتوافق على أرضية مشتركة حول تعزيز قيم الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان بما يضمن إقامة نظام ديمقراطي تعددي وتداول سلمي للسلطة دون إقصاء أو تهميش وضمان عدالة انتقالية تقوم على النزاهة والعدالة التي تحقق القصاص لا الثأر والانتقام؛ وتعزيز دولة القانون والحريات.