زواله حتمي.. كيف تنبأت الصحافة العالمية بنهاية السيسي ونظامه؟

- ‎فيتقارير

كان الكيد والمكر بثورة يناير عظيما، فقد اعتبرت «إسرائيل» الثورة المصرية زلزالا يهدد وجودها وبقاءها؛ لذلك عملت بكل ما تملك من قوة ونفوذ على المستويين الدولي والإقليمي من أجل وأد الثورة والقضاء على أي أمل في أن تصبح مصر دولة حرة يتمتع شعبها بالسيادة الحقيقية على بلاده وله وحده حق ممارسة هذه السيادة عبر أدوات الديمقراطية وآلياتها؛ فأوعزت إلى عملائها من الحكومات (الإمارات والسعودية) والجنرالات (السيسي وعصابته من الدولة العميقة بمصر) من أجل إجهاض الثورة بأي طريقة ومهما كان الثمن وضرورة تأديب الشعب وإرهابها على نحو يجعلها لا تعيد التفكير في التمرد والثورة على حكامها المستبدين مرة أخرى، أولئك الحكام وتلك الحكومات التي خانت شعوبها وتعفرت بدنس التحالف مع العدو الإسرائيلي والخضوع المطلق لكفلائه في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.

نجح هذا التحالف الشيطاني في الانقلاب على الثورة في 30 يونيو و03 يوليو 2013م، فتمت الإطاحة بالرئيس المنتخب وحكومته، ثم جرى التنكيل بالرئيس وحزبه وجماعته وكل من يؤيده على النحو الذي عاينه الناس جميعا؛ فتم اعتقال الرئيس وعدد من الوزراء ونواب البرلمان وعشرات الآلاف من أنصار؛ ودبر العسكر عشرات المذابح بحق الرافضين للانقلاب حتى ارتقى الآلاف غدرا وغيلة أو تحت سياط التعذيب في زنازين العسكر ومعتقلاتهم، وصمم الجنرالات نظاما قمعيا شديد البطش والإرهاب أملا في ضمان بقائه واستمراره؛ فجرى تطويع القضاء لتكون أحكامه الجائرة غطاء لجرائم السلطة وانتهاكاتها على النحو الذي نراه جميعا؛ أما الإعلام فقد جرى تأميمه بشكل كامل ولم يبق بمصر سوى صوت واحد يمجد الزعيم، يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون؛ إعلام يحول فشل الزعيم إلى نجاح وجرائمه إلى بطولة وخيانته إلى منتهى الوطنية والانتماء.

ومنذ انقلابه المشئوم فإن الصحافة العالمية ترصد جرائمه وانتهاكاته وتتنبأ بحتمية نهايته وزوال نظامه؛ لأن مستوى القمع والإرهاب الذي يمارسه وفشله في كافة قطاعات الدولة وتدميره لقدرات مصر وتفريطه في سيادتها وثرواتها وحتى حقوقها في مياه النيل وفشله في حماية أمنها القومي كلها أسباب تدفع إلى الثورة وضرورة التخلص من هذا الورم السرطاني الذي يبدد مناعة  الأمة المصرية ويقدمها فريسة سهلة لإعدائها والكارهين لها.

البداية مع الإذاعة الألمانية "دويتشه فيله" التي رصدت مشاهد العنف والدماء التي سفكها النظام بعد الانقلاب وتنبأت في نهاية 2014م بثورة مقبلة في مصر، وقالت «إن الوضع قد يسير على ماهو عليه لبعض الوقت، فمصر تحولت منذ مدة إلى دولة بوليسية. بيد أن الوضع المزري للاقتصاد ولحقوق الإنسان وتراجع قطاع السياحة واعتماد البلاد على أموال الخليج، من شأنها أن تترجم حالات الاستياء المتراكمة عاجلا أم آجلا إلى احتجاجات واسعة، لتؤكد في نهاية تقريرها أن الانتفاضة المقبلة إنما هي مسألة وقت فقط».

نفس الأمر توقعته صحيفة "الجارديان" البريطانية، بعد مسرحية الرئاسة مارس 2018م، حيث اعتبرت افتتاحية الصحيفة فوز السيسي بفترة ولاية ثانية تدميرا لما تبقى من الديمقراطية، وأن السيسي الذي يرفع شعار "الاستقرار" لا يدفع مصر إلا نحو الأسوأ؛ وأن سوء الإدارة الاقتصادية والفساد والإذعان لشروط صندوق النقد بتخفيض الدعم وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وسوء التعليم هي ضمانات فعلية لاستمرار  الفوضى مستقبلا؛  وأنه ـــ بحسب  الجارديان ـــ عندما يضاف إلى هذا المزيج ولع «السيسي» بعمليات الإعدام الجماعي، وعمليات الاعتقال، والاعتداءات الجارفة على الحريات المدنية، فلا عجب أن يتوقع المحللون أن تتجه مصر إلى ثورة أخرى.

ويذهب مركز "ستراتفور" البحثي لما هو أبعد من ذلك بالتأكيد على أن «ولع «السيسي» بالقوة لابد أن يتسبب في زواله عاجلا أم آجلا. ومع كل يوم يبقاه في منصبه فإنه يعطي شعبه سببا جديدا للاعتقاد بأن التمرد هو السبيل الوحيد للتغيير السياسي».

ويعزز اندلاع موجة ثانية للثورة أن معدلات وعي المصريين تجاه خطورة بقاء واستمرار نظام الانقلاب الذي قاده الجنرال عبدالفتاح السيسي ضد المسار الديمقراطي منتصف 2013م،  تزايدت بمستويات قياسية تفوق الوصف والتوقع، وتآكلت شعبية النظام على وقع القمع الأمني والتدهور الاقتصادي والانفراد بالسلطة واحتكار السياسة والاقتصاد والإعلام، بصورة لا تحتاج إلى برهان؛ ونظرا لكثرة الأخطاء والانتهاكات التي ارتكبت منذ 30 يونيو، فإن أعداد الغاضبين اليوم والواعين بأهمية التغيير تتزايد، وهي بشكل عام تتجاوز بكثير أعداد الغاضبين قبل 25 يناير 2011، وما التغيير إلا مسألة وقت. والقمع يؤخر الانفجار ويرفع تكلفة الثورة فقط لا غير، لأننا في زمن صار فيه الشباب أكثر وعيا وأكثر مهارة في استخدام أدوات السماوات المفتوحة. كما أن إخفاق المرحلة الأولي لثورة يناير، يشير إلى أننا على موعد مع موجة ثورية جديدة ستكون أكثر راديكالية في وسائلها وأهدافها، وستسهم في تخليص مصر والمنطقة العربية كلها من الاستبداد والفساد داخليا ومن التبعية والهيمنة خارجيا. وفقا لما دونه الخبير والمحلل السياسي الدكتور عبدالفتاح ماضي.

خلاصة الأمر أنه «إذا استمرت السياسة الحالية متجاهلة مطالب المصريين وحاجاتهم الأساسية فإن الوصول إلى لحظة التمرد الجماهيري قريبة جدا، وأن ثمة نارا تحت الرماد،  وأن ما يتم ترويجه عن تحمل المصريين لفاتورة الإصلاح المزعوم مجرد ادعاءات غير حقيقية وأمنيات القائمين على الحكم، فلا صبر ولا تضحية وإنما صمت مفروض بالإكراه بأدوات التخويف والترهيب لتمرير إجراءات الإفقار بالقوة المسلحة. وأثبتت حركات الاحتجاج العفوي (الخبز في مارس 2017م، والمترو  في مايو 2017م) وحركات الاحتجاج السياسي (مايو 2016 ضد التنازل عن تيران وصنافير"، ثم سبتمبر 2019م، وسبتمبر 2020م) أن تأثير الجوع والمعاناة يقترب من تأثير التخويف، وكلما ضاقت الفجوة بين التأثيرين والوصول إلى درجة التعادل كلما اقترب المصريون من لحظة الانفجار الكبير وتصفية الحساب مع مجمل السياسات التي أوصلت مصر إلى حالة الانهيار التي يعيشها المجتمع المصري ويلمسها كل مواطن بنفسه. والذين يراهنون على أن البندقية ستظل دائما صاحبة القرار وأن القمع سيمنع الناس من التظاهر يخطئون في الحسابات؛ فالقوة الباطشة التي استخدمت ضد التيار الإسلامي ليكون أمثولة وعبرة لباقي الشعب يصعب استخدامها مع جمهور جائع يبحث عن قوت يومه وليس لديه ما يخسره.