ما بين الاحتلال الأجنبي المباشر في المنطقة العربية الذي انسحب ظاهريا قبل نهاية الستينات من القرن الماضي والانقلابات العسكرية المحلية والتي بدأت في أربعينيات نفس القرن وجوه تشابه وتناظر كثيرة، تكاد تصل بالحالتين إلى وضع التماثل، أو بالأحرى تجعلهما وجهين لعملة واحدة؛ هي حصيلة تطابقهما.
ومن أبرز هذه الوجوه ما نراه من صورة كلية، لانتهاك الإنسانية وقتلها، ثم استباحة الأرواح وكل شيء، والإدارة بالذبح والمذابح، بلا معقب ولا عقاب، ولا حساب ولا محاسبة، ثم تحويل الأرض المحتلة والمجالات المختطفة إلى سجن كبير في تفاصيل عيشها، ثم إفقاد البلاد أي نوع من الإرادة السياسية والاجتماعية وتكريس تبعيتها ونهبها سرا وعلانية لصالح الغير، بل لصالح العدو سواء الصهيوني المباشر أو العدو الغربي الذي لا غير اللعبة وبات ينهب ثروات المنطقة ويمنعها من الانعتاق والتحرر ولكن عن طريق الوكلاء العرب.
وينفرد الانقلاب في محاولات صناعة القبول والقابلية للاحتلال الأجنبي وللاستبداد، والعمل الدؤوب على قتل مناعة الشعوب ضد الحالتين، حتى يتم التطبيع والتطويع والإخضاع والتركيع في صورة العبودية المختارة، والاعتراف بالأمر الواقع، والاستسلام باسم السلام، والانبطاح باسم المصالحة قبولا بأمر واقع وسلطة انقلاب.
عملة واحدة
كانت دول الاحتلال القديم متمثلة في بريطانيا وفرنسا ومعهما حاليا أمريكا تدير مشهد الانقلاب العسكري ، فيما بعد الربيع العربي فتدفع العسكر والعلمانيين والليبراليين واليساريين لتدمير التجربة الديمقراطية كما حدث في مصر قبل انقلاب 3 يوليو 2013.
وربما تكون أهم النتائج الإيجابية التي حصل عليها المصريون في سنواتهم العجاف ، أن حقيقة ما تسمى بالقوى المدنية ـ إلا قليلا منها- أصبحت واضحة، فهم يرفعون شعارات الحرية والديمقراطية خداعا للشعوب، وهم لا يؤمنون بتداول السلطة، وحق الشعب في اختيار المشروع الذي يبني على أساسه مستقبله، وأنهم يقومون بتدمير التجربة الديمقراطية إذا اختارت الشعوب الاتجاه الإسلامي، وهذا يوضح عدم إخلاصهم لقضية الديمقراطية، كما أنهم يطبقون معايير مزدوجة تتنافى مع العدل وتشكل مع العسكر أساسا للظلم والاستبداد.
ومن الصفحات البيضاء التي كتبها التاريخ بأحرف من نور، تلك التي تروي الدور الذي قام به المصريون في مواجهة الظلم والطغيان سواء كان طغيان الاحتلال الأجنبي المباشر أو طغيان الانقلاب العسكري، فهما لا يختلفان إن لم يكن طغيان الاستبداد أشد.
وقد واجه المصريون الاحتلال الإنجليزي الذي ظل جاثما على صدر البلاد لأكثر من سبعين عاما، ففي 9 فبراير من عام 1946، اندلعت مظاهرات واحتجاجات عارمة ضد قوات الاحتلال للمطالبة بإلغاء معاهدة 1936 واتفاقيتي 1899 الخاصتين بالسودان وضرورة جلاء القوات البريطانية فورا.
حيث خرجت من جامعة فؤاد الأول القاهرة حاليا أضخم مظاهرة عُرفت منذ قيام الحرب العالمية الثانية، فعبرت شارع الجامعة، ثم ميدان الجيزة إلى كوبري عباس، وكانت المظاهرات تسير في نظام تام دون اعتداء على أحد ودون التعرض للممتلكات أو جنوح نحو التخريب تماما مثل المظاهرات ضد الانقلاب في 2013، فإذا ببعض السيارات العسكرية البريطانية المسلحة تخترق الميدان وسط الجماهير فجأة لتدهم بعضهم تحت عجلاتها ، وما إن توسطته حتى حاصرها البوليس من الجانبين وفتح الكوبري عليها وبدأ الاعتداء على الطلبة فسقط البعض في النيل وقُتل وجرح أكثر من مائتي طالب، وهو نفس ما قامت به عصابة الانقلاب العسكري في مصر بعد انقلاب 30 يونيو 2013.
انهيار الدولة
وكما فعل الاحتلال الأجنبي لمصر، يقوم السفاح السيسي بتدمير مصر بشكل منهجي ومتواصل منذ تنفيذ انقلابه في الثالث من يوليو الماضي، وأدخل مصر في دوامة من العنف وعدم الاستقرار والانهيار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وهو يدفع باتجاه انهيار الدولة المصرية، فخزينة الدولة مفلسة، والأعمال تكاد تكون متوقفة، والقطاع السياحي يعاني من الشلل، ولا يعمل في البلد إلا القبضة الأمنية للجيش وقوات الأمن المركزي والمخابرات والبلطجية.
من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور خليل العناني، إن "الانقلابات العسكرية دائما ما تجد من يدعمها من المدنيين، مشيرا إلى دعم بعض القوى الليبرالية في مصر لانقلاب 2013 بقيادة السفاح السيسي".
وأضاف في فيديو بثه على قناته باليوتيوب، أن معظم الانقلابات العسكرية في العصر الحديث، جاءت بعد استغلال العسكر للاختلافات الأيديولوجية بين القوى السياسية، مثل انقلابي عام 1952 و2013 في مصر.
وأشار العناني، إلى مذكرات خالد محي الدين، أحد الضباط الأحرار الذين لعبوا دورا هاما في انقلاب 1952، والذي تحدث عن صدمته من دعم بعض الرموز المدنية والقانونية لحكم العسكر.
حيث ذكر محي الدين، بعضا منها مثل الفقيه الدستوري والقانوني ورئيس مجلس الدولة خلال فترة الخمسينات عبدالرازق السنهوري، ووكيله سليمان حافظ، إذ كان لهما دورا فعالا في بقاء العسكر في السلطة بعد الانقلاب على الملكية في 1952.
ولفت إلى الخلاف بين صفوف مجلس قيادة الثورة، حيث كانت هناك أقلية تطالب بالحكم المدني وعودة الحياة النيابية وعلى رأسهم محي الدين، ويوسف صديق، واللواء محمد نجيب، مقابل أغلبية طالبت بأن يظل حكم العسكر قائما.
وقال محي الدين في مذكراته إن "السنهوري وحافظ حذرا الضباط الأحرار من عودة البرلمان وحزب الوفد وإجراء انتخابات جديدة، مضيفا وعمل الفقهاء الدستوريين أنفسهم على إيجاد مخرج لم أكن أنا راضيا عنه، فقد كنت راغبا في عودة الحياة البرلمانية”.
وتابع “كان السنهوري وحافظ، ورئيس الوزراء علي ماهر، يحرضون الضُباط على تجاهل الدستور، واستجاب أغلبيتهم وتقبلوا الفكرة بحماس، بحكم أنهم استشعروا مصلحتهم في إدارة البلاد بأنفسهم”.
وأكد العناني، أن ما حدث آنذاك هو سبب البلاء على مصر وفيما آلت له الأمور جراء حكم العسكر، موضحا أنه من وقتها لم يحترم العسكر القانون أو الدستور.
واستنكر دعم الكثيرين من المحسوبين على الليبرالين للعسكر، والذين يجب أن يكونوا أكثر حرصا على المسار الديمقراطي، متعجبا من أن الأمور في مصر تسير عكس ذلك.
وقال العناني إنه "خلال العقد الأخير بعد ثورة يناير 2011، أيدت رموز ونخب سياسية فكرة استمرار العسكر على رأس السلطة، مشيرا إلى عضو حزب الوفد الليبرالي الدكتور علي السلمي، وعضو الجبهة الديمقراطية دكتور أسامة الغزالي حرب".
ولفت إلى الوثيقة التي أصدرها السلمي في نهاية العام 2011، وعرفت باسم “وثيقة السلمي” والتي ورد بها بند صادم للجميع وهو التكريس للوصاية العسكرية ، وعدم الرقابة على المؤسسة العسكرية في مصر.
وأوضح العناني، أن البند نص على عدم خضوع ميزانية الجيش للرقابة، كما أن أي تشريع يخص الشعب يجب أن يحصل على موافقة من الجيش، بما يعني إعطاء العسكر حق “الفيتو” على أي قانون يخص الأمور المدنية.
وأشار العناني، إلى حوار سابق للغزالي حرب في سبتمبر 2011، قال فيه ردا على سؤال حول بقاء العسكر في السلطة “اعتقد أن الجيش يجب أن يظل فترة أطول لوجود مشكلات مثل الانفلات الأمني، وأننا ما زلنا بحاجة إليه “.
كما أكد أن انقلاب 2013، تورطت فيه القوى المدنية سواء بقصد أو عن دون قصد، مذكرا بتصريحات عضوة حزب الوفد دكتورة منى مكرم عبيد، والتي قالت في يونيو 2014، إنها "شاركت في الانقلاب وتفتخر بمساهمتها في خروج الرئيس الشهيد محمد مرسي من الحكم".
وأضاف أن اجتماع القوى المدنية قُبيل الانقلاب، والذي عقد في منزل الوزير السابق حسب الله الكفرواي، وتحت إشراف رموز أمن الدولة، وخرج ببيان يطالب المجلس العسكري بالتدخل ووقف ما أسموه بـحرب أهلية، كان الفرصة التي استغلها العسكر للاستيلاء على السلطة.
ورأى العناني، أن التاريخ يعيد نفسه، فكما غدر العسكر بالسنهوري بعد انقلاب 52، فإن أغلب القوى التي دعمت انقلاب 2013 ، إما متواجدة الآن في السجون أو صامتة وخارج الأضواء بعد انتهاء دورها.