التعديلات التي وافق عليها مجلس نواب العسكر من حيث المبدأ في جلسة الإثنين 21 فبراير 2022م، على قانون «رأس المال» والتي تضمنت لأول مرة النص على حق جهات حكومية في الحصول على تمويل عبر «التوريق»، وكذلك نصت على حق «شركة التوريق إصدار سندات قابلة للتداول توجه حصيلتها لتمويل الأشخاص الاعتبارية العامة أو الخاصة بعد موافقة السلطة المختصة بها مقابل ما ينشأ لصالح هذه الجهات من تدفقات نقدية مستقبلية»، إنما يستهدف بها النظام فتح أبواب جديدة لنفسه من أجل التوسع في الاستدانة في ظل فشل النظام في إدارة موارد الدولة بشكل صحيح واعتماده على القروض من جهة وفرض المزيد من الرسوم والضرائب من جهة أخرى.
ووفقا لتقرير نشره موقع "مدى مصر"، فإن هذه التعديلات من الناحية العملية «تسمح هذه الآلية التمويلية بمساحة إضافية أمام الجهات الحكومية بعيدًا عن الجهاز المصرفي لتوفير التمويل»، بحسب نيفين الطاهري، عضوة اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب. لكن على صعيد آخر، تعزز هذه الآلية التمويلية من التوجه المستمر منذ سنوات لزيادة المديونية الحكومية من بوابة الجهات الحكومية لا الحكومة نفسها (عبر وزارة المالية)، بما في ذلك المديونية الخارجية، بحسب سلمى حسين، المديرة الإقليمية للبحوث في فريدريش إيبرت.
وكانت حسين قد وثقت في تقرير صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ارتفاع المديونية الخارجية للجهات الحكومية المقترضة -بعيدًا عن الحكومة بشكل مركزي- كنسبة لإجمالي الدين الخارجي من 10% عام 2010 إلى 43.3% من إجمالي الدين الخارجي عام 2020.
عمرو عادلي، الأستاذ المساعد للاقتصاد السياسي في الجامعة الأمريكية، يرى أن إصدار التعديلات على قانون رأس المال فيما يتعلق بالتمويل عبر التوريق للجهات العامة يمثل توسعًا في التوجه الذي بدأ في بداية التسعينيات من القرن الماضي، والذي تأسس على الاتفاق وقتها مع صندوق النقد الدولي، «هذا التوجه قائم على الفصل بين الخزانة العامة وموازنة الجهات العامة، ولهذا السبب نرى مثلًا أن الهيئة العامة للبترول تمول نفسها عبر الاقتراض بدرجة كبيرة من الاستقلال، وإن كان هذا الاستقلال ليس مطلقًا لأن الجهات العامة كثيرًا ما تحتاج الدولة أو الخزانة العامة كضامن للقرض»، يقول عادلي، موضحًا: «الجديد في التوريق هو استخدام الأصول نفسها كمورد للتدفقات النقدية».
وتمنح آلية التوريق قطاعًا عريضًا من شركات المرافق والرعاية الصحية والتعليم من القطاعين العام والخاص إمكانية الحصول على تمويلات بسهولة، عن طريق تحويل الدخل المستقبلي، سواء من فواتير التليفون أو مدفوعات المرافق أو المصاريف الدراسية أو إيجارات العقارات، إلى أوراق مالية وعرضها على المستثمرين للحصول على التمويل.
وبحسب الطاهري فـ«الأداة التمويلية الجديدة بالنسبة للجهات الحكومية هي أداة تمول مشروعاتها عبر تلقي صاحب السند مستحقاته من إيرادات المشروع المستقبلية، أي أن مشتري الصك يعرف أنه سيحصل على مستحقاته من إيرادات مضمونة مستقبلية»، مضيفة «للتوضيح مثلًا، هذا النموذج يشبه في فلسفته عملية التخصيم التي يلجأ إليها صاحب مشروع معين حين يجمع شيكات مستحقة له مستقبلًا ويسلمها لبنك، ولنقل أن إجمالي الشيكات قيمتها مليار جنيه، ويقبل في المقابل أن يحصل على تمويل من البنك قيمته 900 مليون جنيه مقابل أن يحصل على المال في وقت قريب بدلًا من انتظار الحصول على أمواله حين يستحق صرف الشيكات في موعدها اللاحق، بمعنى آخر توفر الصكوك على هذا النحو لصاحب المشروع أن تُستخدم الإيرادات قبل موعد تحصيلها الطبيعي لأنها لم تكن لتتحقق إلا بتنفيذ المشروع نفسه الذي يحتاج لتمويل».
وفي هذا السياق، تدافع الطاهري عن هذا التوجه قائلة إنه بعكس ما قد يبدو من أنه قد يكون دافعًا للجهات الحكومية لزيادة إيراداتها المستقبلية عبر زيادة الرسوم مثلًا أو رفع قيمة الفواتير لتوفير موارد كافية لسداد مستحقات سندات التوريق، لكنه «في حقيقة الأمر قد يعني تخفيض تكلفة الاستدانة مقارنة بالاستدانة من الجهاز المصرفي حاليًا ما قد يقلل من حاجة تلك الجهات لرفع إيراداتها المستقبلية».