في ذكرى كامب ديفيد.. لماذا يشعر السيسي بالدفء والأمان في أحضان الصهاينة؟

- ‎فيتقارير

خلال أسبوع واحد عقد نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي لقاءين مع قادة حكومة الاحتلال، الأول استضاف فيه رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينيت ومحمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي ورئيس حكومة الإمارات، في لقاء ثلاثي بمدينة شرم الشيخ، الأحد 20 مارس 2022، والثاني مشاركة وزير الخارجية بحكومة الانقلاب سامح شكري الأحد 27 مارس في اجتماع بتل أبيب يضم وزراء خارجية كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والإمارات والمغرب والبحرين، بهدف إحياء اتفاق إبراهام للتطبيع.

وربطت الصفحة الإسرائيلية بين "قمة النقب" وبين الاحتفال بمرور 43 سنة على توقيع اتفاقية السلام مع مصر، وقالت إن ذلك التوقيع مهد الطريق لإحلال السلام مع دول عربية أخرى في المنطقة. وتأتي "قمة النقب" بعد أيام من لقاء شرم الشيخ بين الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، وهو اللقاء الذي لحقته "قمة العقبة" بين ملك الأردن عبد الله الثاني ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بالإضافة إلى السيسي وبن زايد.

تتزامن هذه التحركات مع الذكرى الـ43 لاتفاقية كامب ديفيد التي جرى التوقيع عليها في 26 مارس 1979م، برعاية أمريكية وهي الاتفاقية التي دشنت مرحلة التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني؛ حيث كانت مصر تحت رئاسة أنور السادات، أول دولة عربية تعترف بحق إسرائيل في احتلال فلسطين وأن  تصبح دولة طبيعية معترف بها دوليا، وكان السادات أول رئيس عربي مسلم يزور الاحتلال ويعترف بحقه في اغتصاب واحتلال أرض معظيم أراض فلسطين. وهي الاتفاقية التي جاءت بعد خطاب الرئيس الأسبق محمد أنور السادات في الكنيست الإسرائيلي في 19 نوفمبر 1977م، ثم الاتفاق الإطاري في معسكر كامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978م، وهي المحاولات التي تكللت بالاتفاق تحت رعاية الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ورئيس حكومة الاحتلال مناحم بيجين، والرئيس المصري محمد أنور السادات.

ووفق تحليل سابق لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، تخدم معاهدة السلام مصالح الطرفين وقد تجاوزت نقطة اللاعودة، لكن التحليل طالب في الوقت ذاته بالاستمرار في مراقبة تعزيزات الجيش المصري بعناية. وأشار المعهد إلى أن السلام مع مصر ذو أهمية إستراتيجية لإسرائيل من المنظور السياسي (التوسط مع الفلسطينيين) ومن المنظور العسكري (إبقاء مصر خارج دائرة الحرب) وكذلك المنظور الاقتصادي (تقليص ميزانية الدفاع). أما عن جهود القاهرة الدبلوماسية ضد القدرات النووية لتل أبيب، فقد عزاها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى كونها لا تنبع من الشعور بالتهديد، بل من تصورها الذاتي على اعتبار أن مصر زعيمة للعالم العربي.

كما تتزامن هذه التحركات مع جولة لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن،  تبدأ الأحد 27 مارس للاحتلال ثم يلتقي مسئولين بالسلطة الفلسطينية ثم المغرب والجزائر، ومن المقرر أن تتطرق لتداعيات  الغزو الروسي لأوكرانيا، والعلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، والملف النووي الإيراني بحسب بيان للخارجية الأمريكية. وتأتي الجولة الإقليمية لوزير الخارجية الأمريكي وسط تحركات خليجية إسرائيلية قلقة من القرب الأمريكي الإيراني واتجاه واشنطن لإسقاط بعض العقوبات عن طهران.

ويستهدف السيسي بهذه التحركات ولا سيما اللقاء الثلاثي بشرم الشيخ والذي ضم السيسي وبينيت وبن زايد، محاولة تشكيل تحالف مع الدول التي كانت في السابق أعداء لإسرائيل، وإيجاد حلول للمشاكل المشتركة، في الوقت الذي تعمل فيه حكومة الاحتلال مساعدة نظام السيسي في وجود بديل للقمح الأوكراني والروسي.

ومن  أبرز محطات التقارب مؤخرا الوساطة المصرية إبان العدوان الإسرائيلي على غزة مايو 2021، والزيارات العلنية الرسمية من مسؤولين كبار في حكومة الاحتلال إلى مصر، خلافا لأخرى سرية كشفتها تقارير إعلامية، ورحلات طيران حكومية حطت لأول مرة بالمطارات الإسرائيلية، واتفاقيات الطاقة وتعديل اتفاقية السلام لتعزيز وجود الجيش المصري في سيناء، وغيرها.

ومن أبرز ما نصت عليه المعاهدة إنهاء حالة الحرب وانسحاب إسرائيل من سيناء بالكامل، وإنشاء منطقة حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع ضمان عبور السفن الإسرائيلية في قناة السويس. في  المقابل، قبض العسكري في مصر ثمن ذلك  عشرات المليارات من الدولارات في صورة مساعدات عسكرية سنوية تقدر بنحو 1.3 مليار دولار، بخلاف المساعدات الاقتصادية والتي تراجعت من 800 دولار سنويا إلى نحو 250 مليون دولارا. ورغم ذلك فإن الولايات المتحدة تحافظ بصرامة على التفوق النوعي الإسرائيلي في التسليح والقدرات القتالية حتى تضمن لها التفوق على كل البلاد العربية.

أما على المستوى التجاري، فقد وقعت مصر وإسرائيل في ديسمبر 2004 اتفاقية "الكويز" وهي تسمح للشركات المصرية التي تستخدم مدخلات إسرائيلية بتصدير منتجاتها إلى الولايات المتحدة بإعفاء جمركي. وفي 2005، جرى توقيع اتفاقية تصدير الغاز المصري لإسرائيل لمدة 20 سنة بأسعار اقل من لأسعار العالمية، وفي 2020، باتت مصر تستورد الغاز من تل أبيب عبر صفقة مداها 15 عاما، بقيمة تصل إلى 19 مليار دولار، وهي الاتفاقية التي وصفها رئيس حكومة الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو بيوم عيد لإسرائيل.

أما سيناء التي شهدت الحروب المصرية الإسرائيلية، تحولت إلى محطة تعاون أمني واستخباراتي بين القاهرة والاحتلال، حسبما أشار السيسي إلى ذلك في مقابلة مع فضائية أميركية مطلع 2019 بالقول إن الجيش المصري يعمل مع إسرائيل ضد "الإرهابيين" شمال سيناء. وكثيرا ما أشاد السيسي بالسلام مع الاحتلال، ودعا قادة المنطقة مرارا إلى الاقتداء بالسادات في "تجاوز الأدبيات والمفاهيم المستقرة" في إشارة إلى الرفض العربي للتطبيع. وفي مايو 2016، استخدم السيسي لأول مرة مصطلح السلام الدافئ لوصف العلاقات المرجوة مع إسرائيل، حيث قال "البعض يقول إن السلام مع إسرائيل ليس دافئا، لكنني أقول إن سلاما أكثر دفئا سيتحقق لو قدرنا (استطعنا أن) نحل المسألة الخاصة بأشقائنا الفلسطينيين".

وبحسب أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية الأسبق عبد الله الأشعل أن مصر تضررت كثيرا لـ 3 أسباب بارزة: أولها حدوث تغلغل إسرائيلي في أجهزة الدولة باعتراف الموساد نفسه، وفق قوله. وثاني الأسباب يتمثل في إضعاف الدور المصري عربيا، بعد اختراق الدول العربية أيضا باتفاقيات التطبيع (الإمارات والبحرين والسودان والمغرب) وبالتالي لم تعد مصر البوابة التي تصل إسرائيل بالعرب، كما كان يطمح السادات في أن يكون وسيطا أو سمسارا للسلام. وثالثا: هناك سلام دافئ ليس بين الوطن وإنما بين النظام الحالي وإسرائيل، وتبقى المصالح بينهما أكبر مما يفرقهما، حسب تصريحاته لشبكة الجزيرة نت.

ويرى أن ما يجمع الاحتلال بالعرب هو مصالح الأنظمة لا سيما في ملف الطاقة الذي تغيب عنه الشفافية إلى حد كبير؛ متوقعا أن تتعرض هذه العلاقة لهزات كبيرة لأسباب ترتبط بتطورات محلية في مصر (لم يحددها) وتراجع الاهتمام الأميركي بالمنطقة العربية، حيث تعتمد إسرائيل في المطلق على واشنطن، إضافة إلى وعي الشعوب بأن الأنظمة الحالية ضد مصالحها.