لماذا كل هذه التحركات العربية الصهيونية في هذا التوقيت؟

- ‎فيتقارير

لقاءات محمومة وتحركات مكوكية شهدتها الأيام الأخيرة بين عدد من رؤساء وقادة دول عربية، كان العامل المشترك فيها جميعا هو الحضور الإسرائيلي القوي؛ حيث انعقدت "قمة" في "شرم الشيخ" (22 الثلاثاء مارس 2022)، ضمت كلا من رئيس الانقلاب العسكري في مصر عبدالفتاح السيسي ورئيس حكومة الاحتلال الصهيوني نفتالي بينت وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد. ثم انعقدت قمة أخرى في مدينة العقبة الأردنية (الجمعة 25 مارس 2022) جمعت العاهل الأردني عبد الله الثاني والسيسي وولي عهد أبوظبي، إضافة إلى رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ووزير الدولة السعودي تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز، وسط أنباء عن حضور إسرائيلي غير معلن عنه.

العامل المشترك في القمتين أنه لم يخرج عن فحوى ومضامين ما جرى فيهما شيء، إضافة إلى أنهما تسبقان زيارة وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن للمنطقة؛ حيث التقى في قمة النقب بالإراضي المحتلة يوم (الإثنين 28 مارس 2022) بعدد من وزراء خارجية كل من مصر وإسرائيل والإمارات والمغرب والبحرين، في إطار تعزيز اتفاق التطبيع الإماراتي المعروف باسم "أبراهام". وهو اللقاء الذي وصفته الصحافة الإسرائيلية بالتاريخي، واعتبروه رسالة ردع لإيران. كما أنه استهدف ترميم العلاقات الأمريكية مع كل من السعودية والإمارات لا سيما في ظل مساعي واشنطن نحو خلق بديل لإمدادات الطاقة  الروسية لأوروبا. لكن اللافت أيضا هو  الغياب الأردني عن قمتين من الثلاثة (شرم الشيخ والنقب)، دون إفصاح عن أسباب ذلك رغم أن عمان هي ثاني دولة عربية طبعت علاقاتها مع "إسرائيل" سنة 1996.وتربطها علاقات وثيقة أمنية واستخباراتية واقتصادية مع تل أبيب.

هذه اللقاءات المحمومة والتحركات المكوكية تتزامن مع تصاعد العدوان الروسي على أوكرانيا وما خلفته هذه الحرب من أزمات دولية وتداعيات سياسية واقتصادية بالغة الخطورة حتى اعتبرها البعض إعادة إنتاج نظام دولي جديد يزعزع الهيمنة الغربية على العالم ومحاولة تشكيل نظام دولي جديد متعدد الأقطاب تتنازع فيها القوى الكبرى (الولايات المتحدة الأمريكية ــ روسيا ـ الصين) الصراع على زعامة العالم ونهب الدول والشعوب الفقيرة.

وجود "إسرائيل" كعامل مشترك في كل هذه التحركات إنما يبرهن على أن حكومة الاحتلال تعاني وتخشى أن تفضي الحرب إلى تشكل نظام عالمي جديد لا يضمن لها الامتيازات التي تحظى بها والحماية الدولية التي تحصل عليها والتي تضمن إفلاتها من العقاب الدولي على جرائمها في احتلال فلسطين منذ أكثر من سبعة عقود. لا سيما وأن هناك اتهامات متعددة من ساسة ومفكرين كبار وكتاب وصحافيين للولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما بالانحياز وازدواجية المعايير فيما يتعلق بردود الفعل بين الاحتلال الروسي لأوكرانيا والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين؛ فبينما يتم حشد العالم لانتقاد الاحتلال الروسي، يتم شحنه أيضا لدعم الاحتلال الثاني وتبرير جرائمه الوحشية؛ فلماذا هذه الازدواجية وكلاهما احتلال مجرم وفقا لنصوص القانون الدولي وقرارات المجتمع الدولي؟!

الدور الإماراتي في ترتيب هذه اللقاءات والاجتماعات العربية ـ الإسرائيلية، مفهوم بوصف أبو ظبي تسعى بكل إصرار لاحتلال موقع النظام المصري كعرَّاب للاحتلال الإسرائيلي وتسويقه في المنطقة من أجل دمجه والتحالف معه ضد رغبة وإرادة الشعوب العربية المقهورة والمغلوب على أمرها بفعل الاستبداد والطغيان المدعوم أمريكيا وأوروبيا وإسرائيليا لاعتبارات تتعلق بحماية المصالح الغربية الإسرائيلية في المنطقة.

لكن التفسير الأكثر قبولا هو أن هذه التحركات الأخيرة التي تقف وراءها الإمارات بهدف دعم الكيان الصهيوني إنما تأتي في سياق المخاوف التي تسود الأوساط الإسرائيلية بشان المفاوضات الجارية حاليا في العاصمة النمساوية "فيينا" من أجل إعادة إحياء الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وأوروبا من جهة وإيران من جهة أخرى؛ فحكومة الاحتلال تخشى أن تؤدي تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا إلى تساهل واشنطن والعواصم الغربية مع إيران لاعتبارين: الأول هو الاستفادة من النفط الإيراني في ظل انشغال الغرب بتوفير بدائل للوقود الروسي وهو ما يمكن أن يمثل ضربة اقتصادية مؤلمة لروسيا. والثاني هو محاولة إبعاد إيران عن الانخراط في تحالف دولي مع روسيا؛ وبالتالي فالهدف الأمريكي الأوروبي هو تحييد إيران عبر تسهيل اتفاق معها بشأن برنامجها النووي لتعويض إمدادات الطاقة الروسية إلى أوروبا وضمان ابتعاد  طهران عن المحور الروسي لفرض مزيد من العزلة على روسيا لإجبار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على وقف العدوان وسحب قواته من أوكرانيا. معنى ذلك أن بلينكن استهدف باجتماعه في النقب تطمين هذه الدول وعلى أسها إسرائيل بشأن الاتفاق مع إيران، لا سيما وأن واشنطن تضمن حماية إسرائيل وأمنها منذ غرزها في المنطقة في مايو 1948م، وتقدم لها كل ما تحتاج إليه من دعم اقتصادي وسياسي وتسليحي بما يضمن تفوقها النوعي على جميع البلاد العربية.

قد يكون أحد أهم أجندة هذه الاجتماعات هو تعزيز التضامن المشترك بين المشاركين فيها من أجل ضمان قدرة بعض النظم والحكومات على البقاء وتقديم المزيد من الدعم والمساندة لها في ظل التداعيات الخطيرة للحرب الروسية الأوكرانية والتي تأتي بعد فترة إغلاق وارتباك امتدت لسنتين بسبب تفشي جائحة كورونا وهو ما يضع  اقتصاد بعض الدول على رأسها مصر ونظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي أمام اختبار قاس في ظل موجات الغلاء الفاحش المتلاحقة والارتفاع الجنوني في أسعار الغذاء والطاقة.

لا يمكن أيضا استبعاد إعادة ترتيب المنطقة من أجل تدشين ما يسمى بالنيتو العربي الذي يضم دول التطبيع العربي إلى جانب إسرائيل لمواجهة التهديدات الإيرانية والتي تشغل حيزا كبيرا من هموم ومخاوف قادة إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين. ورغم أن بيان وزارة الخارجية بحكومة الانقلاب في مصر ينفي أن تكون هذه التحركات موجهة ضد أي طرف، إلا أن التجربة تعلمنا أن البيانات الإعلامية للحكومات والساسة غالبا ما يكون الهدف منها هو المزيد من الاختباء والغموض والتستر على حقيقة الأوضاع. فهذه التحركات الغامضة في مضمونها وأهدافها ومراميها قد تكون إحدى محطات إعادة تصميم المنطقة على نحو يضمن المصالح الإسرائيلية من جهة ومصالح الحكومات المستبدة من جهة أخرى، وعلى رأسها إعادة ترتيب البيت الفلسطيني في مرحلة ما بعد أبو مازن الذي شاخ ويقترب حاليا من التسعين وهو الملف الذي يحظى باهتمام إسرائيلي واسع، وكذلك قد يكون الهدف هو توسيع مظلة التطبيع بدخول خراف عربية جديدة إلى الحظيرة الإسرائيلية التي باتت تتسع لضم  المزيد من الحكومات العربية والإسلامية على نحو مدهش ومؤلم في ذات الوقت.