وكأن الغلاء يصيب العسكريين فقط ، وفي تمييز وعنصرية مكشوفة وضد دستور الدولة الذي يؤكد على أن كل المصريين متساوون في الحقوق والواجبات، أقر برلمان العسكر زيادة جديدة في معاشات العسكريين بنسبة 15% عن معاشات المدنيين ، بالمخالفة لمواد الدستور.
وهو ما يفتح المجال للعديد من التأويلات والتفسيرات، التي تؤكد أن هدف السيسي من سياسات التمييز الطبقي لصالح العسكريين، هو شراء الولاءات وضمان عدم تحرك العسكريين ضد سياسته الفاشلة وحماية كرسي الحكم فقط، دون مراعاة لاستقرار الوطن والمجتمع المصري.
وفي هذا السياق، بدأ مجلس نواب الانقلاب، مناقشة مشروع قانون مقدم من الحكومة، يقضي بزيادة المعاشات العسكرية بنسبة 15% اعتبارا من بداية إبريل، في امتياز جديد للعسكريين في ظل أزمة الغلاء المتفاقمة في البلاد.
وأحال برلمان العسكر مشروع القانون إلى لجنة مشتركة من لجنة القوى العاملة، ومكتبي لجنتي الخطة والموازنة، والدفاع والأمن القومي، تمهيدا للتصويت نهائيا عليه في الجلسات العامة للبرلمان.
وأقر مشروع القانون زيادة سنوية بنسبة 15% على جميع أنواع المعاشات العسكرية، ومن دون حدود قصوى، بما يتعارض مع أحكام الدستور الخاصة بعدم التمييز بين المواطنين.
في المقابل، تقدمت حكومة الانقلاب بمشروع آخر لزيادة المعاشات المدنية بنسبة 13% فقط، وبحد أقصى 122 جنيها شهريا ويستفيد منه نحو 10.7 ملايين شخص.
ارتفاع الأسعار
وضمن الانحياز للعسكريين على حساب المدنيين، صادق السيسي على تعديل قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة في أبريل الماضي، والذي استهدف التوسع في المزايا المالية للعسكريين وأسرهم، من خلال إقرار العديد من حالات التسويات الخاصة بزوجات وأبناء ضباط الجيش في القانون.
وشهدت معاشات ومزايا العسكريين 11 زيادة منذ استيلاء السيسي على حكم مصر، عبر الدبابة العسكرية، مقابل 6 زيادات فقط على معاشات المدنيين، وبحدود دنيا تقل كثيرا عن معاشات العسكريين، ولا تتجاوز 150 جنيها في أفضل الأحوال.
تلك الإجراءات تزيد الفروق والبون بصورة شاسعة بين العسكريين والمدنيين ، وتعمق الطبقية بالمجتمع المصري، وتهدر قيم العدالة الاجتماعية، إذ يكافح الأطباء والمهندسون وأساتذة الجامعة للحصول على الفتات من البدلات الوظيفية لرفع رواتبهم، دون استجابة من الحكومة، التي تسببت سياساتها في زيادة جميع الأسعار والخدمات وأرهقت المصريين ، وحولت الشعب المصري لمجموعة من الفقراء والهائمين على وجوهم باحثين عن لقمة العيش.
حيث تشهد الفترة الأخيرة، ارتفاع أسعار المواد الغذائية حتى من قبل غزو روسيا لأوكرانيا، لكن الآن أصبح الخبز، الغذاء الأساسي المؤثر سياسيا، والذي يعتمد عليه أغلب المصريين بشدة، أغلى سعرا بعد أن تعطلت إمدادات القمح من منطقة البحر الأسود.
وينتظر المصريون، خلال الساعات المقبلة، موجة تضخم جديدة واسعة بعد انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار.
خفض عدد العاملين في القطاع العام
وضمن السياسات الوحشية التي تضرب مصر، سعى السيسي لخفض أعداد موظفي الدولة، بذريعة خفض النفقات العامة، وهي السياسة التي تتصادم مع إنفاقه الهستيري وبذخه الكبير في إنشاء القصور الرئاسية وشراء الطائرات الرئاسية الفاخرة، والسيارات والمواكب التي تكلف الدولة الملايين من الجنيهات بلا داع أو جدوى.
حيث أشارت كثير من التقديرات، إلى انخفاض أعداد موظفي القطاع العام بنسبة 9% على أساس سنوي إلى 695.3 ألف عامل عام 2021.
وذلك بحسب النشرة السنوية لإحصاء العاملين بالقطاع العام التي أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الاثنين الماضي.
وتراجع عدد العاملين بالقطاع العام وقطاع الأعمال العام في مصر بصورة مستمرة على مدار الأعوام الخمسة الماضية، وهبط بأكثر من 15% منذ عام 2017.
ويأتي التراجع في عدد العاملين تنفيذا لخطة الحكومة لتقليص عدد الموظفين في الجهاز الإداري للدولة، في ضوء برنامجها للإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي.
وفي هذا الإطار وافق مجلس النواب في مارس 2021 على مشروع قانون مقدم من الحكومة بتعديل القانون الخاص بإنشاء "الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة".
واستهدف تعديل القانون تفعيل مادة من قانون الخدمة المدنية، تنص على أنه "يجوز بقرار من السلطة المختصة نقل الموظف من وحدة إلى أخرى، إذا كان النقل لا يفوت عليه دوره في الترقية، أو كان بناء على طلبه، ويكون نقل شاغلي الوظائف القيادية إلى خارج الوحدة بقرار من رئيس الوزراء".
كما اعتمدت الحكومة آلية المعاش المبكر لخفض عدد الموظفين الحكوميين، وحظر التعيينات نهائيا على أبواب الموازنة المختلفة، والحد من الإعلان عن الوظائف في الحكومة.
وأدت هذه الإجراءات إلى الاستغناء عن أكثر من مليوني موظف خلال الأعوام المالية الأربعة السابقة.
و تستهدف حكومة السيسي خفض عدد الموظفين إلى 3.8 ملايين موظف عام 2030.
وحسب تقرير نشره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أكتوبر 2017، بلغ عدد العاملين في القطاع الحكومي نحو 5 ملايين موظف مقابل 5.8 ملايين في العام المالي الذي سبقه.
وتأتي سياسات التقشف وتقليص أعداد العاملين بالدولة، بعد اتفاق السيسي في نوفمبر2016 مع صندوق النقد الدولي، حصلت بموجبه على قرض بقيمة 12 مليار دولار، كان من شروط الحصول عليه خفض عدد العاملين بمؤسسات الدولة.
وفي فبراير 2016 قال السيسي إن "هناك 7 ملايين موظف لا تحتاج الحكومة إليهم وتحتاج إلى مليون فقط".
ومع استمرار السياسات العنصرية ضد المدنيين ولصالح العسكريين، تكاد مصر تقف على حافة الانفجار المجتمعي، إذ أن ثُلة صغيرة من المصريين العسكريين يتمتعون بكافة الحقوق والمزايا المالية والاقتصادية، بينما الغالبية العظمى تعاني الفقر والتصفية من أعمالها، وزيادة الأسعار وتكاليف الحياة التي قد تقود لمزيد من الانتحار والقتل والجرائم ، وهو ما يصبو إليه السيسي بإشغال المصريين بلقمة العيش وبالتناحر مع بعضهم البعض، لكي يأمن هو في كرسي الحكم.