تزييف الأرقام الرسمية والتلاعب بها.. لماذا يصر السيسي على الكذب؟

- ‎فيتقارير

في مسعاه لتثبت حكمه يروج نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي لحزمة واسعة من الأكاذيب والافتراءات؛ ولعل مسلسل الاختيار بأجزائه الثلاثة برهان على إلحاح النظام على فرض سرديته مستخدما جميع الأدوات والإمكانات رغم أنها بالغة الفحش والبهتان، ولا يمكن أن تصمد أمام الأدلة والبراهين والحقائق الدامغة. سياسيا النظام يواصل الكذب ليل نهار، واقتصاديا يطوع جميع مؤسسات الدولة من أجل تستيف الأرقام والإحصاءات الرسمية على نحو يداري على فشله من جهة والتسويق على مدى نجاحه من جهة أخرى، وبالتالي تحولت الأرقام الرسمية إلى لعبة لتبرير الأكاذيب التي تروجها الآلة الإعلامية الضخمة للنظام.

وبحسب الخبير الاقتصادي مصطفى عبدالسلام، فإن الأرقام لعبة يجيدها سدنة النظام العسكري منذ سنوات طويلة، فاحتياطي النقد الأجنبي هو الأعلى منذ سنوات حسب تصريحات هؤلاء الذين يتفاخرون دوماً بأن الاحتياطي حقق قفزات في السنوات الأخيرة، وأن تفشي وباء كورونا هو من أوقف هذه القفزات، رغم أن القاصي والداني يعرف أن نسبة كبيرة من الاحتياطي النقدي هي مجرد قروض خارجية وودائع من دول الخليج سيتم سدادها وسندات دولية تم الحصول عليها من مستثمرين خارجيين. ومرة أخرى يقال إن معدل النمو في مصر هو الأعلى في منطقة الشرق الأوسط، رغم أن المصدر الأساسي لهذا النمو هو كثافة القروض الخارجية، لا زيادة الإنتاج المحلي، كما أن هذا المعدل القياسي، من وجهة نظر هؤلاء، لم ينعكس على المواطن، الشغل الشاغل لأي حكومة، ولم يصاحبه توفير فرص عمل لملايين المواطنين، بل ساءت الأحوال وتدهورت مستويات المعيشة على نحو غيرمسبوق.

الأمر نفسه يتكرر عند الحديث عن مقارنة أسعار أو تذاكر مترو أنفاق القاهرة مع تذاكر مترو باريس وغيره من العواصم الأوروبية، وأن المترو في مصر هو الأرخص على مستوى العالم، ولا يُقارَن هنا، المسؤول صاحب هذا التصريح المضلل، دخل المواطن المصري بدخل نظيره في الخارج، سواء في فرنسا أو غيرها، علما بأنه لا توجد أي مقارنة بين الدخلين من الأصل، فشتان بين السماء والأرض.  وكذا عند مقارنة أسعار البنزين والسولار في مصر مع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وغيرها من الدول، حيث لا يُذكَر أي شيء عن مقارنة الدخول والرواتب. ويكفي مثلا أن الحد الأدني للدخل للمصري هو 2700 جنيه شهريا بينما الحد الأدني للأمريكي نحو 60 ألف جنيه شهريا.

وفي مسعاه لرفع أسعار الخبز،  يدعي سدنة النظام أن الخبر المدعم الممنوحة للمواطن لم يمس، وهو عدد 5 أرغفة في اليوم، وهذا كلام فيه تدليس، صحيح أنه لم يُمَسّ بالعدد، لكن وزن الرغيف خُفِّض بنسبة 30% على مرتين، وهو ما يعني رفع سعره بهذه النسبة وبشكل غير مباشر. وكان تقرير لمجلة إيكونوميست البريطانية نشر في منتصف 2019، قد ذكر أن أرخص أسعار الخبز عالميا هي في الجزائر وسورية وفنزويلا وأورباكستان وغيرها. وحتى إذا افترضنا أن الخبز المصري هو الأرخص، فيجب مقارنة السعر بدخل المواطن، لا أن تكون المقارنة في المطلق وفقا للخبير الاقتصادي مصطفى عبدالسلام. ولو أخذنا بمعيار دخل الفرد مثلاً، لوجدنا أن الخبز في العديد من دول الخليج أرخص بكثير من مصر، فالمواطن الخليجي ينفق ربما أقل من 1% من راتبه ودخله على شراء الخبز، أما في مصر فإن النسبة تزيد كثيراً، وخاصة أن الخبر يُعَدّ وجبة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في الوجبات الثلاث لدى أهالي صعيد مصر والريف.

 

التلاعب بمعدلات الفقر

وفقا لآخر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، حول معدلات الفقر في مصر، فقد تراجعت من 32.5% في 2018، إلى 29.7% في 2020، (نحو 30.6 مليون فقير)، وأرجع الجهاز ذلك إلى ما تسمى بالمشروعات القومية التي زادت معدلات التشغيل إلى جانب إجراءات الحماية الاجتماعية التي تقدمها الدولة  ومنها برامج "فرصة ومستورة وسكن كريم" وغيرها من المبادرات. لكن فات الحكومة التي تتباهى بهذه الأرقام أمران:

  • الأول، أن رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الذي يعد بيانات الفقر، أوضح أن فترة إجراء بحث الدخل والإنفاق الذي يتم على أساسه حساب معدلات الفقر كانت من بداية أكتوبر 2019 وحتى مارس 2020، أي قبل ظهور تداعيات فيروس كورونا الاقتصادية، وقبل ارتفاع معدل التضخم، وفقدان الجنيه المصري لكثير من قوته الشرائية. تلك التداعيات تفاقم تأثيرها خلال الربع الثاني من عام 2020، وقال جهاز الإحصاء الرسمي عنها إنها تسببت في فقدان 2.3 مليون شخص وظائفهم، إلى جانب تخفيض الأجور في منشآت أخرى عديدة.
  • ثانيا، نشرت صحيفة اقتصادية مصرية بالتزامن مع إعلان نتائج الفقر تقريراً مفاده أن النتائج قد تأخر إعلانها بضعة أسابيع، نظراً لاعتراض جهة سيادية على النتائج، ومطالبتها بـ"تحسين" النتائج، ورغم قيام جهاز الإحصاء بتحسين النتائج فقد طلب الجهاز السيادي تعديل نتائج معدلات الفقر مرة ثانية، أي أن النتائج المُعلنة قد تم تحسينها مرتين.

في المقابل، تذهب تقديرات للبنك الدولي أن نسبة الفقراء في مصر أو أولئك الذين يقبعون على خط الفقر تزيد عن نحو 60%، بما يعني أن نحو 62 مليون مصري باتوا فقراء. وما يبرهن أن معدلات الفقر الرسمية ملعوب فيها أيضا أن الاستثمارات الأجنبية في مصر لم تشهد ارتفاعا يعزز من تراجع مستويات الفقر، بل إن الحكومة خفضت مخصصات الدعم وفقا لأرقام الموازنة في سنوات 2019 و2020، فكيف يتراجع الفقر في ظل هذه الحقائق؟!

أما عن أسباب اختلاف التقديرات بين الأرقام الرسمية الحكومية (29.7%) وتقديرات البنك الدولي للفقراء في مصر (60%)، فإن ذلك يعود إلى أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حدَّد خط الفقر القومي في بحث الدخل والإنفاق 2017-2018 عند مستوى 8827 جنيهاً للفرد في السنة، وهو ما يعادل حوالي 735.5 جنيه شهرياً، أي ما يعادل نحو 24.5 جنيه مصري (1.5 دولار أمريكي). بينما استند البنك الدولي في تقييمه لمصر لخط الفقر عند 1.9 دولار أمريكي للفرد يومياً، أي 894 جنيهاً للفرد شهرياً و10725 جنيهاً سنوياً، مع العلم أن مؤشر الفقر وفقاً للبنك يبدأ من 5.5 دولار للفرد يومياً وصولاً إلى الفقر المدقع بالعيش على 1.9 دولار أمريكي أو أقل للفرد يومياً.

 

غلاء فاحش

من المهم الإشارة إلى أن تقديرات البنك الدولي كانت  قبل جائحة كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا  والتعويم الجزئي للجينه في فبراير 2022، وبالتالي فإن نسبة الفقر في مصر ارتفعت عن تقديرات البنك الدولي بمراحل؛ وتكاد حاليا تلامس الـ80% في ظل موجات الغلاء الفاحش ومستويات التضخم المرعبة التي تلتهم عشرات الملايين من المصريين. ويكفي للتدليل على ذلك أن الجائحة قد تكفلت بانخفاض دخول نحو 91%  من القوة العاملة بمصر؛ وفقا  لدراسة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في يناير 2022، حيث أوضحت الدراسة أن انتشار فيروس كورونا أثر على دخل الأفراد المشتغلين بنسبة 91.3% في حين أن 0.5% فقط زادت دخولهم بسبب الوباء. وتعددت أسباب انخفاض الدخول في فترة الوباء، ومنها فرض الإجراءات الاحترازية، والتعطل، وانخفاض الطلب على النشاط، وتوقف بعض المشاريع نهائيا.

وكانت دراسة أعدها الجهـاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي، صدرت في 20 يونيو 2020م، قد كشف أن (73.5%) من المصريين انخفض دخلهم، بينما أفاد حوالي "25% أن دخولهم ثابتة، وأقل من 1% أفادوا أن دخولهم ارتفعت. وأن 26.2 % باتوا عاطلين عن العمل، و55.7% باتوا يعملون بشكل أقل من المعتاد، و18.1% باتوا يعملون بشكل متقطع. علاوة على كل ذلك؛ فإن أعداد الفقراء في مصر مرشحة للارتفاع مجددا في أعقاب التعويم الجديد للجنيه أمام الدولار، حيث انخفض الجنيه بنحو 17% في أعقاب قرار البنك المركزي رفع الفائدة بقيمة 1% ليرتفع سعر صرف الدولار من 15.74 إلى نحو 18.5 ،  وهو ما سينعكس على الأسعار من جديد لترتفع بنسبة أعلى  من نسبة ارتفاع الدولار.