لا يمكن وصف دعوة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي للحوار أثناء لقائه بعدد من الإعلاميين الموالين لسلطة يوم الخميس 21 إبريل 2022م بالدعوة الجادة؛ ذلك أن نظام السيسي جاء على أنقاض الديمقراطية وثورة 25 يناير، وبالتالي فإن ثمة فريقان: فريق الثورة والديمقراطية (الإخوان ــ فصائل إسلامية أخرى ـ حزب غد الثورة ــ شباب 6 إبريل ــ الاشتراكيين الثوريين ـ قيادات ورموز ليبرالية ويسارية). الفريق الثاني، هم فريق الدولة العميقة وعدة أحزاب علمانية رحبت بالانقلاب العسكري على المسار الديمقراطي ودعمته ثم جرى إبعادها لاحقا من المشهد. و دعوة السيسي للحوار تستهدف الأحزاب الكرتونية التي يقودها لواءات وجنرالات سابقون، أو تلك الأحزاب العلمانية المؤيدة للانقلاب من البداية، أما الحوار بمعناه الشامل والصحيح فلا وجود له على أجندة النظام من الأساس؛ وتصريحات السيسي في محطات سابقة حول رفضه لأي مصالحة بهذا المعنى برهان على ذلك.
فهناك الكثير من الموانع والعقبات تقف في طريق المصالحة المجتمعية.
أولا، إصرار السيسي وأجهزته على رفض أي مصالحة شاملة؛ لأن الفلسفة التي جيء بنظام السيسي لفرضها على الشعب المصري تعتمد اعتمادا كليا على إرهاب المجتمع المصري وتمزيقه لإضعاف مراكز القوة والمناعة الشعبية والمدنية بداخله، وتكريس الانقسام على المستويين السياسي والاجتماعي؛ بهدف منع أي تحول ديمقراطي جاد في مصر. وتحجيم الهوية الإسلامية بما يضمن عدم تحول مصر إلى دولة ديمقراطية أو إسلامية؛ لخطورة ذلك على الكيان الصهيوني والمصالح الأمريكية والخليجية في مصر والمنطقة. وقد اعترف الدكتور محمد البرادعي الذي كان نائبا للمؤقت عدلي منصور أنه استقال من منصبه رفضا لفض الاعتصام بالقوة، وأوضح في تصريحات له في نوفمبر 2015م، أن معارضته لاستخدام القوة في فض الاعتصامين "ليس فقط لأسباب أخلاقية، وإنما كذلك لوجود حلول سياسية شبه متفق عليها، كان يمكن أن تنقذ البلاد من الانجراف في دائرة مفرغة من العنف والانقسام". وأضاف أنه تعرض لتهديدات من جانب أجهزة وصفها بالسيادية لأنه كان يمضي في طريق حل الأزمة سلميا بينما كانت هذه الأجهزة تصر على تعقيد الموقف وعدم حل الأزمة بشكل سلمي..
وحين أعلن السيسي انقلابه المشئوم في 3 يوليو تموز 2013 طرح ضمن خارطة طريقه البند رقم 8 " تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى جميع النخب الوطنية وتمثل مختلف التوجهات"، وفي أول وزارة تشكلت عقب الانقلاب تضمنت وزيرا للعدالة الانتقالية (المستشار أمين المهدي) وكانت مهمته وضع وتنفيذ إطار للعدالة الانتقالية وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، لكنه لم يفعل شيئا، ولم يلبث كثيرا في الوزارة، ولم يتم تعيين بديلا له، وحين جرى بعد الانقلاب تعديل دستور 2012 تم تضمينه نصا في المادة 241" يلتزم مجلس النواب في أول دور انعقاد له بعد نفاذ هذا الدستور بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا، وذلك وفقاً للمعايير الدولية" ورغم أن هذا النص لحق بنصوص أخرى مجمدة،، إلا أن السيسي لم يقترب منه في حزمة التعديلات التي أدخلها في أبريل نيسان 2019، وهو مأ أعطى إشارة ضمنية لاستمرار فتح الباب في المستقبل للمصالحة باعتبارها استحقاقا دستوريا حين يجد نفسه مضطرا إليها.
ثالثا، خطورة المصالحة على النظام؛ كما أن غياب العدالة الانتقالية وغياب القصاص للدماء التي سفكت خلال السنوات الماضية؛ تمثل أكبر عائق أمام أي مصالحة. فقد سفك السيسي وأجهزته الأمنية دماء آلاف المصريين كما جرى في رابعة والنهضة والمنصة والحرس الجمهوري وقبلها في محمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو واستاد بورسعيد والدفاع الجوي، وكلها مذابح لم يتم التحقيق فيها بشكل نزيه وشفاف ولم يتم محاكمة المتورطين فيها من ضباط وعناصر الجيش والشرطة، كما تعرض عشرات الآلاف لانتهاكات جسيمة والزج بهم في السجون والمعتقلات بتهم سياسية ملفقة في ظل تعذيب وحشي، وجرى مصادرة أموال مئات من قادة الإخوان والتيار الإسلامي، والسيسي هو المتهم الأول في كل هذه الجرائم الوحشية؛ وبالتالي فإن أي مصالحة في معناها البسيط تعني محاكمة المتورطين في كل هذه الجرائم. لكن السيسي يصر على أن هذه الجرائم بطولات تستحق أنواط الشجاعة وينفق مليارات الجنيهات على الدراما والسينما من أجل تسويق روايته وسرديته المزيفة عن الأحداث. ولهذه الأسباب عمل السيسي على تضخيم ما تسمى بالحرب على الإرهاب وبالغ في تضخيم أهمية هذه الحرب باعتبارها ضرورة للنظام تتوافق مع السياق الدولي العام. وجرى الزج بمئات الضباط والجنود في معارك عبثية مع تنظيم "ولاية سيناء"، وعمل النظام على التوظيف السياسي لدماء الضحايا الذين سقطوا في هذه الحرب العبثية ؛ وذلك لتحقيق عدة أهداف أولها خلط الأوراق والزعم بتورط الإخوان في قتل مئات الضباط والجنود رغم يقين النظام أنهم أبرياء من كل ذلك. ثانيها التغطية على جرائم السيسي وصناعة شماعة (الإرهاب) حيث يمكن تعليق فشل النظام المتواصل عليها. ثالثها استبعاد أي أمل في مصالحة مجتمعية جادة؛ لأن السيسي يدرك خطورة مثل هذه المصالحة على نظامه. وبالتالي جرى الخلط المتعمد والتدليس والتسويق الواسع في إعلام السلطة لوضع كافة الحركات الإسلامية في سلة واحدة لإقناع الجماهير بأن الإخوان الذين انتخبهم الشارع ومنحهم ثقته بعد ثورة يناير هو وتنظيم "داعش" سواء!
رابعا، لا يرى السيسي نفسه مضطرا في الوقت الحالي للتصالح مع رافضي انقلابه، بل يجد نفسه مضطرا للالتزام بتوجيهات رعاة انقلابه وداعميه التي تقوم على استئصال فكرة الحرية والديمقراطية من مصر بشكل عام حتى لا تنتقل عدواها إلى ممالكهم. وهم يستندون في توجيهاتهم إلى المليارات التي دفعوها ولا يزالون يدفعونها للسيسي حتى الآن، وهو يدرك أيضا أن عرشه سيكون مهددا بأي مصالحة سياسية، أو بأي تسامح سياسي تجاه المعارضة بكل تياراتها، ولذلك فإنه يغلق المجال السياسي بوجه الجميع وليس بوجه الإخوان فقط، ولا أدل على ذلك من ملاحقته لكل الرموز الليبرالية واليسارية المعارضة لحكمه، والزج بها في السجون جنبا إلى جنب مع الرموز والقواعد الإخوانية والإسلامية كما جرى مؤخرا مع الباحث مصطفى هدهود، والأكثر من ذلك زجه بقيادات عسكرية في السجون وتحت الإقامة الجبرية مثل سامي عنان وأحمد قنصوة وأحمد شفيق وغيرهم.
خامسا، تقف تصورات السيسي عن هذه المصالحة عقبة في طريق لم شمل المجتمع المصري؛ لأن السيسي لا يريد مصالحة بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما يريد صك إذعان واستسلام من الإخوان والقوى السياسية كلها لتوجهاته وسياساته مهما كانت بالغة الشذوذ والإضرار بمصالح مصر وأمنها القومي. يريد السيسي من الإخوان وغير الإخوان من القوى السياسية التي شاركت في ثورة 25 يناير صك إذعان واستسلام؛ يبدأ بالتوبة من الثورة والتبرؤ منها باعتبارها رجسا من عمل الشيطان، ثم الإقرار بشرعية النظام وعدم معارضته مطلقا، والانصياع الكامل لسياساته وتوجهاته مهما كانت بالغة الشذوذ والانحراف وتمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري. مقابل ذلك ربما يسمح بالإفراج عن كل أو بعض المعتقلين من غير المتهمين فيما يصفها بقضايا عنف وإرهاب؛ لأن نظام السيسي لا يرى شيئا يدفعه نحو أي مصالحة بمعناها الصحيح القائم على التنازل المشترك من كلا الطرفين للوصول إلى نقطة التقاء؛ فهو يرى أنه تمكن بالفعل من التمكين لنظامه وتكريس سلطويته وبأدوات البطش والقمع استطاع أن يهمين على كل شيء في البلاد ويتحكم في مفاصل الدولة العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والدينية. وقد عبر اللواء سعد الجماعل رئيس ائتلاف "دعم مصر" سابقا عن تصورات السيسي ونظامه وصرح لصحيفة "الشروق" يوم السبت 18 يونيو 2016م بعدم ممانعة الائتلاف للمصالحة مع الجماعة وفق 5 شروط أبرزها أن المصالحة ستجري مع من لم تتلوث أيديهم بالدماء مع إدانة العنف والإرهاب والاعتراف بأخطاء الجماعة وضرورة إجراء مراجعة فقهية وفكرية على غرار مراجعات الجماعة الإسلامية في تسعينات القرن الماضي. فتصورات السيسي عن المصالحة السياسية تشبه تماما تصوراته عن أزمة التصالح في مخالفات البناء مع الشعب كله؛ فالسيسي هو من خلق الأزمة وسن قانونا اعتبر عشرات الملايين من المصريين مخالفين للقانون، وراح بناء على هذا القانون "الشاذ" يهدم مئات المنازل للمواطنين ليكونوا عبرة لغيرهم من أجل إجبار الشعب على دفع إتاوات باهظة مقابل تقنين بيوتهم التي يعيشون فيها منذ عشرات السنين، وتحركت جحافل الأمن والبلدوزرات لتجبر الناس بين "الدفع أو الإزالة"، رغم أن نحو 75% على الأقل من الشعب المصري باتوا فقراء بسبب سياسات الإفقار التي فرضها السيسي منذ انقلابه منتصف 2013م. وبالتالي فإن السيسي يريد مصالحة سياسية على غرار قانون التصالح في مخالفات البناء؛ تحقق له المكاسب ويفرض بها تصوراته على الجميع بأدوات البطش والقمع الأمني؛ وفق قاعدة "الإذعان الكامل أو السحق الشامل".