«الهياكل والأجنحة والرجول بالحجز».. مصر بلد غنية بالثروات وشعبها يقتات على النفايات

- ‎فيتقارير

لا يصدق زائر سوق شعبي في قلب القاهرة ما تراه عيناه من بقايا الذبائح معروضة للبيع، كقوائم الدجاج ومخلفات ذبائح الجزارة، فالمصريون غارقون في فقر مدقع ولا يجدون ما يقتاتون به سوى هذه البقايا التي لم تعد بالنسبة إليهم غريبة ، حتى إنهم أطلقوا على بعضها مسميات خاصة.

السفاح السيسي في عام 2018 أثار الجدل حول فقر مصر، عندما قال في خطاب شهير إن "مصر دولة فقيرة، وإن المصريين فقراء قوي" ويجب مصارحتهم بذلك، وهو ما بدا صادما للمصريين الذين اعتادوا على التغني بأن بلادهم أم الدنيا وصاحبة الثروات المتعددة.

 

هل مصر بلد فقير حقا؟

كان حظ الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الخالق فاروق أفضل بكثير من الباحث الاقتصادي المصري أيمن هدهود، فالأول رد على أكاذيب السفاح السيسي بكتاب يحمل عنوان هل مصر بلد فقير حقا؟ فقامت عصابة الانقلاب بمصادرة الكتاب، واعتقال مؤلفه، أما هدهود فتمت تصفيته بالقتل في ظروف غامضة، وذلك بعد إخفائه قسريا منذ 3 فبراير الماضي من قبل عصابة الانقلاب.

ويعد هدهود الذي اغتالته عصابة الانقلاب عن عمر 42 سنة أحد أبرز المحللين الاقتصاديين البارزين في مصر تخرج في كلية إدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية، ثم حصل على ماجستير إدارة الأعمال، وعمل مراقبا ماليا في الجامعة نفسها.

كما عمل هدهود أيضا ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لمساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة لمحاربة الفساد والرشوة، وانضم لحزب الإصلاح والتنمية برئاسة البرلماني السابق وعضو المجلس القومي لمجلس حقوق الإنسان محمد أنور السادات، ليكون واحدا من مؤسسي الحزب.

أما الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الخالق فاروق، مدير مركز النيل للدراسات الاقتصادية؛ فكتب مؤلفه "هل مصر بلد فقير حقا؟ ودفع به إلى المطبعة ليرى النور، لكن المفاجأة أن عصابة الانقلاب صادرت الكتاب، بل واعتقلت إبراهيم الخطيب صاحب مطبعة دار السلام التي تتولى الطبع.

وأوضح فاروق أن كتابه يتضمن العديد من المقترحات والحلول التي تقدم وصفة لإصلاح الاقتصاد المصري، عبر استغلال الموارد غير المستغلة والمهدورة أيضا، مبديا انزعاجه من تضييق الحريات في مصر بصورة تجعل كتابه لا يرى النور بعد الوقت والجهد الذي بذله في كتابته، مؤكدا أنه سيلجأ إلى طباعة الكتاب في بيروت حال تعذر طباعته في مصر بأي طريقة.

ويتضمن الكتاب 28 فصلا، من أبرزها من يمول العاصمة الإدارية الجديدة؟، وهكذا كانت تدار ثرواتنا البترولية والغازية، وكم خسرنا من تعاقدات الغاز مع إسرائيل والأردن؟، ومنجم السكري ونموذج حالة للفساد ونهب الثروة الوطنية، وأجور وحوافز الوزير، نموذج حالة لوزير.

ويبدو الكتاب نوعا من التعليق والرد من المؤلف على أكاذيب أدلى بها السفاح السيسي في أحد مؤتمرات الشباب العام 2018، وزعم فيها أن مصر دولة فقيرة ومواردها شحيحة.

 

القصة المخفية..!

لا يوجد شيء اسمه بلد فقير، يوجد فقط نظام فاشل في إدارة موارد البلد، هكذا رأى نعوم تشومسكي، وهو الرد المثالي على من يدعون فقر بلادهم مبررين فشلهم، والذين كان آخرهم السفاح السيسي الذي انتقل بالمصريين من مصر أم الدنيا إلى  إحنا فقراء أوي وأهل الشر مش عايزينكو تعيشوا.

مصر التي تمتلك ثلثي آثار العالم ونهر النيل وقناة السويس وموارد بشرية هائلة ما الذي جعلها فقيرة لهذا الحد؟ ولماذا يصر السفاح السيسي على تذكير المصريين بهذا الفقر؟ وإن كان هذا واقعا فمن السبب في هذا الفقر أو الإفقار؟

في مطلع العام 2017م أطل السفاح السيسي على الشعب مرددا "أيوا إحنا بلد فقير، وفقير أوي كمان" وللوهلة الأولى، تأتي في مخيلة المستمع صور من البؤس الذي تعيش فيه الطبقة الدنيا في مصر، الأكواخ البالية، المساكن المتهاوية والمتداخلة، الوجوه التي تنطق بالجوع والعوز والمرض، والشوارع المكتظة بأكوام القمامة المتراكمة، وغير هذه الصور من المعاناة الإنسانية التي تعيشها الطبقة الفقيرة في مصر.

لكن ثمة جانب آخر من القصة لا يرويه السفاح السيسي في تصريحاته، وهو الذي ارتكز عليه الفنان والمقاول محمد علي في فيديوهاته الشهيرة التي استعرض عبرها أرقاما هائلة من الأموال المُهدرة، وهي الأرقام التي بقيت محل شك حتى خرج السفاح السيسي نفسه ليؤكد، ربما دون وعي منه، تلك المزاعم، لكنه برر صرف تلك الأموال بأنها لمصر.

تداعيات صفقات الفساد، انعكست في حراك قطاعات واسعة من الجماهير، والتي استعادت مطالبها بإسقاط الانقلاب بعد أعوام من القمع.

وفي حقيقة الأمر، فإن شريحة واسعة من ذات الشعب، يعلم أنه وعلى الرغم أن هذه الجهة حالكة السواد، والتي تُظهر مصر كدولة شديدة الفقر بالفعل ولا يكاد مواطنوها يجدون ما يسدون به رمقهم أو يحققون به الحد الأدنى من حاجياتهم الأساسية، ولا يطالبهم السفاح السيسي دائما إلا بالصبر والتحمل من أجل الوطن ومواجهة تحديات الإرهاب، رافعا شعار "تحيا مصر".

رغم كل ذلك، فإن الشعب المُعدم يرى تلك الطبقات الثرية التي تمتلئ موائدها بأصناف الطعام وتتقلب أرصدتهم في البنوك بين ستة وتسعة أصفار وربما وصل رصيد أحدهم إلى 12 صفرا، ورغم ذلك فإن السفاح السيسي لا يذكر هذه الطبقة التي ينتمي هو إليها شخصيا على الإطلاق، ولا يتعرض لها ولثرواتها، ولا يسيطر على خطابه سوى الإشارة إلى فقر مصر وجوعها وكثافتها وعشوائياتها.