اقتصاد مصر للمجهول بعد 8 سنوات من الانقلاب.. هذه مؤشرات الخراب والإفلاس

- ‎فيتقارير

صدق السيسي حينما وعد المصرين بأنهم "بكرا تشوفوا مصر" وهو ما يجنيه المصريون حاليا من فقر وبطالة وغلاء أسعار غير مسبوقة، بجانب الأزمات المعيشية الطاحنة التي باتت غير محتملة، فإن المستقبل الاقتصادي والأمان المجتمعي ، إثر تقلص قيمة الجنيه الذي فقد نحو 20% من قيمته إثر التعويم الجزئي الذي قرره السيسي في 21 مارس الماضي، حيث باتت أموال المصريين بلا قيمة، كما قال السيسي في أحد مؤتمراته الفنكوشية بحضرة القيادات العسكرية "المليارات عادت ورق، الفلوس ملهاش قيمة".

ورغم إعلان البنك المركزي ضمان أموال مودعيها، إلا أن المواطنين يعانون الارتباك الحكومي والقلق، وخاصة عقب إعلان الحكومة اللبنانية إفلاسها وتوقفها عن سداد أقساط الديون المستحقة عليها، وخسارة المودعين جزءا ليس باليسير من أموالهم، بل بدأ القلق يسيطر على الأوساط الاقتصادية في مصر، وخاصة عقب تخفيض قيمة الجنيه بشكل حاد مقابل الدولار بنحو20% ، بخلاف الإعلانات الرسمية عن بيع بعض الأصول المصرية لجهات أجنبية وعربية، خلال الأيام القليلة الماضية، بالإضافة للدخول في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد.

وحول تلك الأوضاع المأزومة، يقول الخبير الاقتصادي أحمد ذكر الله إن "الأزمة التي يعاني منها مؤخرا الجهاز المصرفي في مصر، نتيجة لنقص العملة الأجنبية بسبب سحب الأموال الساخنة والتي قدرت قيمتها في بعض الأوقات بـ33 مليار دولار، وذلك عقب الغزو الروسي لأوكرانيا ورفع سعر الفائدة على الدولار، هو ما حدث أيضا في لبنان".

وأضاف ، في تصريحات إعلامية،  أن الفرق أن حكومة الانقلاب سارعت ببيع بعض الأصول لجهات أجنبية، بالإضافة إلى السحب من احتياطيات البنوك التجارية، حتى أصبحت هذه الاحتياطيات بالسالب خلال الفترة الماضية، وذلك حتى تستطيع الوفاء بالتزاماتها تجاه سداد ما عليها من ديون وفوائد.

وأمام الأزمة الاقتصادية التي تضرب الجهاز المصرفي المصري،  لم يجد السيسي ونظامه بدا أو طريقا لزيادة قيمة الغطاء الأجنبي بالبنك المركزي، سوى الدخول في دوامة القروض والاستدانة من جديد، عبر حلفائه من دول الإمارات والسعودية والكويت،  ثم قطر،  للحصول على ودائع واستثمارات جديدة.

حيث حصل من قطر على نحو 5 مليارات دولار، بخلاف وديعة سعودية بـ5 مليارات أخرى، كما بيعت بعض الأصول للإمارات بحوالي ملياري دولار، بخلاف المفاوضات الجارية بين الصندوق السيادي السعودي لشراء بعض الأصول المملوكة للدولة وضخ 10 مليارات دولار، وبحسب خبراء اقتصاديين ، فإن ما يجري ليس بناء استثمارات جديدة وإنما استبدال المالك فقط.

إذ تستحوذ الدول المانحة لمصر على أصول مصرية قائمة وتحقق أرباحا ومكاسب، فلا تخلق وظائف جديدة أو تزيد الإنتاج ، وهو ما يفاقم خسارة المصريين لأصولهم ومقدراتهم القومية فقط.

 

دائرة الإفلاس

ومع تفاقم الأزمة ودخول مصر دائرة الإفلاس المالي بعد وصول الديون لأكثر من 350 مليار دولار كديون داخلية وخارجية ، واستمرار السيسي ووزير ماليته محدود التفكير في الاقتراض والاستدانة فقط، بدلا من توجيه القروض لرفع إنتاجية قطاعي الصناعة والزراعة، تم تبديد هذا الموارد، في توسعة قناة السويس، بلا ضرورة، وكذلك الخروج لمشروعات الكباري والأنفاق والطرق، دون حاجة تنموية مُلحة.

فالبنية الأساسية يتم إنشاؤها أو التوسع فيها، في ضوء التخطيط العمراني، وإلا تحولت مشروعات البنية الأساسية إلى عبء على كاهل الاقتصاد.

وكمثال وحيد فقط على سوء إدارة الموارد، معاناة الحكومة الآن، من التزاماتها تجاه شركة سيمنس الألمانية، التي نفذت محطات للكهرباء، من خلال قروض بنحو 10 مليارات دولار، حيث أدى وجود هذه المحطات وتشغيلها بالكامل، إلى تحقيق فائض من إنتاج الكهرباء، تعجز مصر عن تسويقه بسعر اقتصادي، ولذلك تضطر لبيع الفائض لدول أخرى، بسعر أقل من التكلفة، أو على الأقل أدنى من السعر الذي تباع به الكهرباء محليا.

ومع استمرار الفشل الاقتصادي للسيسي، ارتفعت حصيلة الضرائب من 305 مليارات جنيه في عام 2014/2015، إلى مستهدف في 2021/2022 بنحو 983 مليار جنيه، وكذلك ارتفعت الديون المحلية من 1.8 تريليون جنيه عام 2014/2015 إلى 4.7 تريليونات في 2021، وأيضا الدين الخارجي ارتفع من 48 مليار دولار في 2014 إلى 137 مليار دولار في 2021.

ومع ذلك زاد الفقر، ليصل إلى 29.8% من السكان، ويذهب البنك الدولي إلى أن 60% من المجتمع المصري إما فقراء، أو معرضون للفقر، بسبب تقليص الدعم بصورة كبيرة، ورفع أسعار السلع والخدمات الحكومية، كما تغيب الخدمات الضرورية للسكان، فهناك 64% من سكان الريف بمصر لا يحصلون على خدمات الصرف الصحي الآمن.

أما عن التعليم، فهو لا يحظى باهتمام السلطة في مصر، والتي عبر عنها السيسي بمقولته "يعمل إيه التعليم في وطن ضايع" كما صرح نائب وزير التعليم في مجلس النواب، بأن مصر لديها عجز في المعلمين يبلغ 320 ألف معلم، وعجز بالفصول الدراسية يصل إلى 250 ألف فصل، ومع ذلك نرى الإنفاق غير الرشيد للحكومة من مواكب الموميات أو طريق الكباش، أو مؤتمرات الشباب.

كما تأتي الأزمة التمويلية لمصر من مصدرين أساسيين، الأول عجز الموازنة العامة للدولة، والبالغ 475.5 مليار جنيه بموازنة 2021/2022 (ما يعادل 30.1 مليار دولار)، ولذلك تضطر الحكومة لتدبير هذا العجز من الاقتراض المحلي بنحو 18 مليار دولار، وكذلك اللجوء للاقتراض الخارجي بنحو 12 مليار دولار.

 

عجز الميزان التجاري

والمصدر الثاني للأزمة التمويلية، هو عجز ميزان تجارة السلع والخدمات، حيث تشير بيانات عام 2020/2021 إلى وجود عجز بقيمة 582 مليار جنيه ما يعادل 36.9 مليار دولار، ولن يكون هناك علاج لهذا العجز إلا بزيادة مصر لإنتاجها من كافة السلع والخدمات، وبما يؤدي إلى زيادة نسبة الاكتفاء الذاتي، فضلا عن التوجه للتصدير.

ومعالجة الحكومة للأزمة التمويلية تأتي في إطار شديد التقليدية،  لتدوير القروض أو استهلاك القروض الجديدة بالقروض القديمة، ولذلك تبعاته، من حرمان الأجيال الحالية من توفير الخدمات بشكل جيد، وتحميل الأجيال القادمة أعباء الديون الحالية.

وعلاوة على كل ما سبق، يأتي زيادة معدلات الفساد ليفاقم الأزمة الاقتصادية.

حيث يأتي ترتيب مصر في المرتبة 117 من بين 180 دولة، وذلك وفق بيانات مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية، لعام 2020، وكانت مصر تحتل المرتبة 106 عام 2019.

ورصد تقرير لمنظمة الشفافية، عدة ممارسات تتسم بالفساد من قبل مصر في القروض التي حصلت عليها، من صندوق النقد الدولي، لمواجهة جائحة كورونا، منها أن النظام المصري تعمد إضعاف القضاء، ودللوا على ذلك بقيام نظام السيسي بتعديل قانوني يسمح له بعزل رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، وذلك من أجل الإطاحة بالمستشار هشام جنينة.

والمخالفة الثانية، أن حكومة الانقلاب طلبت من صندوق النقد تأجيل نشر بيانات القرض والتقرير الخاص بها لعدة أشهر، بينما المتعارف عليه أن يتم النشر خلال أيام بعد تقديم القرض، ولم تقم الحكومة المصرية بنشر البيانات الكافية لبيان كيف تصرفت في الأموال التي حصلت عليها من صندوق النقد.

والمخالفة الثالثة التي رصدها تقرير منظمة الشفافية، أن ما يقوم به النظام المصري من قمع وانتقام، يحول دون مشاركة الصحفيين والسياسيين من أن يقوموا بنشر ممارسات الفساد أو الحديث عنها، وأخيرا وليس آخرا، فممارسات السيسي في كثير من إدارة وإسناد المشروعات العامة، ذات التكلفة الكبيرة يتم التصرف فيها بطريقة تخالف القانون، وتفتقر للشفافية، ومنها على سبيل المثال، ما تم من إسناد طريق "دشنا" في محافظة قنا، تصل تكلفته لحوالي 2.5 مليار جنيه إلى الحاج سعيد (مقاول) بتعليمات شفهية، دون اعتبار لأنظمة المراجعة والمراقبة.

وعلى صعيد التراكم الرأسمالي، نجد أن حكومة الانقلاب تُسرع في تصفية الشركات الصناعية العامة، أو خصخصتها بالبيع، وهو ما يتنافى مع قواعد تحقيق التنمية، التي تتطلب زيادة الأصول الرأسمالية، وفي الوقت الذي تصفي فيه الحكومة الأصول الرأسمالية العامة، نجد أن القطاع الخاص عاجز عن أن يقوم بدور إضافات موازية لما يتم بيعه.

أما ممارسات الصندوق السيادي لمصر، ومشروعاته، فهي تنذر بكارثة تتمثل في قيامه بدور التاجر، وليس صانع التنمية، ويتم تكوين معظم أصوله من أموال عامة، ولم يظهر من خلال مشروعاته المعلنة، توجه تنموي، يمكن أن يؤدي لامتلاك مصر لناتج محلي إجمالي قوي، يغنيها عن التبعية للخارج.