«انتحار صحفي الأهرام».. عدوى اليأس والإحباط تتسرب إلى مؤسسات العسكر

- ‎فيتقارير

شهدت الساحة الصحفية مأساة جديدة بطلها الفقر واليأس والإحباط الذي نشره الانقلاب الغادر في مصر، وبشكل درامي صادم أنهى صحفي في مؤسسة الأهرام، التي تديرها وتشرف عليها المخابرات الحربية، حياته بالانتحار بعدما شنق نفسه من مكتبه بالدور الرابع بالمؤسسة.

الضحية هو الصحفي عماد الفقي، الذي يبلغ من العمر 54 عاما، وهو صحفي بقسم الأخبار، متزوج من سيدتين وله ابن في إحدى الجامعات الخاصة، انتحر بشنق نفسه من الدور الرابع فجرا، وانفصل رأسه عن جسده بسبب الثقل.

تم اكتشاف الحادث بالعثور على رأس الصحفي أولا، من قبل عامل في مبنى مجاور للمؤسسة، وتم إبلاغ الشرطة وتولت النيابة التحقيق، ولم يتضح أسباب إقدام الصحفي على الانتحار، ويتردد أنه تعرض لضغوط نفسية، اتهم محمود كامل عضو مجلس نقابة الصحفيين علاء ثابت رئيس تحرير الأهرام بأنه السبب في انتحار "حجاب" بسبب التعنت الذي عامله به خلال السنوات الأخيرة ومنعه من الترقية لرئيس قسم الأخبار بالإضافة إلى وقف الحوافز التي يستحقها.

 

بطالة وديون

بات المصريون يتحسرون على الصحافة والإعلام في عهد المخلوع مبارك، وعلى ذلك الهامش الضيق الذي انتهى تماما، في ظل قبضة أمنية عسكرية حديدية تساندها السلطة التشريعية بسلسلة من القوانين والتشريعات المكبلة للحريات، التي تحولت معها مصر في عهد السفاح السيسي إلى سجن مظلم مخيف لا يسمح فيه حتى بالضجر أو الشكوى.

فيما تعددت أساليب الموت انتحارا في مصر، بين عجلات القطارات وفوق قضبان مترو الأنفاق ومن شرفات المنازل والمولات ومناطق العمل وغيرها، إلا أن الغرق في قاع النيل ربما يكون الأسرع والطريق المختصر للنهاية.

وخلص تقرير "مؤشر السعادة العالمي" لعام 2022، الصادر عن شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، والمدعوم ببيانات "جالوب" للإحصاءات، إلى أن مصر تأتي بالمركز 129 عالميا في مستوى سعادة الشعوب، ضمن قائمة احتوت على 148 دولة.

واعتمد تقرير السعادة العالمي في تصنيفه، على مجموعة عوامل منها "نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ومتوسط الدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر المتوقع الصحي، وحرية اتخاذ خيارات الحياة الخاصة به، وكرم عامة السكان، وتصورات لمستويات الفساد الداخلي والخارجي".

وقبل "ربيع" ألقى "عاصم عفيفي" العامل في شركة يونيفرسال نفسه أمام سيارة مسرعة على الطريق الإقليمي في المنوفية على مرأى من زملائه الذين كانوا ينتظرون ركوب سيارة الشركة، عمل عفيفي نحو 15 عاما في شركة يونيفرسال، وهي شركة متخصصة بتصنيع الأجهزة المنزلية وبيعها.

ولد في محافظة المنوفية، وله ثلاثة أطفال أعمارهم بين سنتين وست سنوات، وهو أكبر أشقائه ومسؤول عن رعاية عائلته، اضطر إلى إنهاء حياته بعد عجزه عن سداد ديونه جراء توقف الشركة عن صرف مستحقاته ومستحقات زملائه منذ أكتوبر الماضي.

"ديون متراكمة، وقروض لم تسدد، وضغوط الحياة العادية، وعمل بلا راتب، وانتظار يليه انتظار، ووعود زائفة من مدير الشركة بحصولنا على راوتبنا، كل هذا أدى إلى يأسه وانتحاره " يقول زميل لعفيفي في العمل "مطلبش حاجة صعبة، يعني إيه نشتغل من غير مقابل؟ كلنا ماخدناش مرتباتنا". ويتساءل بعدما رفض ذكر اسمه "ليه لازم نموت أو ندخل السجن عشان بنطالب بمرتباتنا؟

إشارة العامل إلى السجن أو الموت تأتي بعد اعتداء قوات الأمن على العمال الغاضبين واعتقال أربعة منهم بعد ضرب العمال وتفرقتهم بالغاز المسيل للدموع، رغم وجودهم داخل مقر الشركة، وهذا ما ينفي عنهم تهمة التظاهر من دون ترخيص.

انتحار عاصم عفيفي يأتي وسط موجة ملحوظة من تكرار انتحار أرباب أسر بسبب عجزهم عن الوفاء بالحد الأدنى من متطلبات الحياة، وهي ظاهرة متكررة في مصر على الرغم من نفي عصابة الانقلاب.

 

الأولى في الانتحار..!

القيود المفروضة على المصريين عبر سلسلة القوانين والتشريعات المكبلة للحريات سواء في ساحة الصحافة والإعلام أم عبر السوشيال ميديا، ورأس الذئب الطائر، الماثل في آلاف السجناء والمعتقلين في قضايا الرأي، دفع الكثيرين إلى التفاعل مع الأجندة الانقلابية المفروضة عليهم، بل والاستغراق فيها بعيدا عن كلمة حق ورائها أغلال وقضبان.

المفارقة أن السفاح السيسي الذي كان يثني على ثورة يناير ابتلع كلمة “حرية” حين كاد ينطق بها عفويا، فهو قال خلال المداخلة “هي الناس طالبت بإيه، عيش وح….”، وصمت، وطبعا لم يأت على ذكر عبارة العدالة الاجتماعية.

قد يفسر الخطأ غير المقصود للسفاح السيسي الخصومة الكبرى التي تظهرها عصابة الانقلاب تجاه الصحافة والإعلام وكل ما له علاقة بحرية التعبير والفن والنقد.

وبات مألوفا تكرار أنباء القبض على صحفي أو صحفية سواء كان يمارس عملا أو لا، وقد ألقت قوات الأمن القبض على عدد كبير من الصحفيين أثناء ممارستهم عملهم، أو أثناء مشاركتهم في وقفات احتجاجا على بعض الأوضاع الداخلية أو الإقليمية.

فيما صُنّفت مصر الأولى عربيا في معدلات الانتحار، متفوقة في ذلك على دول تشهد نزاعات مسلحة وحروبا أهلية، فعام 2019، انتحر 3022 شخصا، بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية التي رصدت انتشار الانتحار بين سكان الريف وليس بين سكان المدن المكتظة فحسب.