ماذا يعني انتحار صحفي شهير بجريدة الأهرام الحكومية؟

- ‎فيتقارير

انتحار الصحفي عماد الفقي، المسئول عن ملف القضاء بصحيفة الأهرام الحكومية فجر الخميس 28 إبريل 2022م، داخل مكتبه في الطابق الرابع بمبنى الصحيفة المطل على شارع الجلاء بالقرب من ميدان رمسيس وسط القاهرة، يحمل كثيرا من الدلالات والرسائل؛ لكنها في ذات الوقت تمثل رسالة تحذير بالغة العمق لسلطات الانقلاب أن مصر وصلت إلى القاع في كل شيء في ظل الغلاء الفاحش وارتفاع مستويات التضخم إلى مستويات كشفت الستر عن ملايين الأسر المصرية التي كانت في عافية وستر لعقود طويلة لكنها اليوم في عصر الجنرال عبدالفتاح السيسي باتت تعاني بشدة بعدما سقطت في براثن الفقر والعوز وعدم القدرة على تحمل نفقات الحياة.
الأخبار المتداولة عن المقربين منه تؤكد أنه كان بشوشا ودودا مع زملائه وأصدقائه لكنه كان يعاني من ضائفة مالية بسبب تراكم المسئوليات المالي على كاهله بفعل الغلاء والتضخم ومسئوليته عن أسرتين وزوجتين. كما يؤكد المقربون منه من زملائه أن علاء ثابت رئيس تحرير صحيفة الأهرام المعين من جانب أجهزة الأمن منذ سنة 2017م، كان يترصد بالزميل الصحفي، وحرمه من كثير من حقوقه وحال دون ترقيته على النحو الذي دفعه إلى عدم تحمل الحياة بهذه القسوة وذلك العنف المفرط في ظل نظام تقوم شرعيته بل وجوده على العنف والبطش الأمني منذ انقلاب 3 يوليو 2013م الذي يمثل مرحلة فاصلة في تاريخ مصر دفعها نحو الدمار والخراب والغرق في دوامات الديون التي لا تنتهي والإنفاق ببذخ وسفه على مشروعات معمارية بلا أي جدوى اقتصادية حقيقية.
وتساءل الصحفي عادل خشبة عبر حسابه في موقع فيسبوك: "ماذا رأى الزميل في الأهرام من ضغوط لكي يصل به الأمر إلى شنق نفسه بحبل أعمال الصيانة لزجاج المبنى، ويختار الانتحار من مكان عمله ومكتبه، حتى سقط بقوة لينفصل الرأس عن الجسد؟ معلوماتي أنه صحافي شاطر، وراتبه بسيط، وتعرض لاضطهاد في عمله، وتأخرت ترقيته". وأضاف خشبة: "على مجلس النقابة مناقشة أحوال الصحافيين، وحال المهنة، ومعاناة الزملاء في ظل الظروف المادية التي تنال منهم. أرجو من النقيب ومجلس النقابة النظر إلى حال المهنة، وما يُهدد صاحبة الجلالة من ضغوط. الدماء التي تناثرت تستحق وقفة ودراسة، أو إقالة لمن لا يهتم بالمهنة".
وقال عضو مجلس نقابة الصحافيين محمود كامل: "كل الزملاء في الأهرام الذين عاشروا الزميل الراحل عماد الفقي يعرفون جيداً أنه تعرّض لاضطهاد واضح وصريح وممنهج من رئيس تحرير الأهرام في آخر 4 سنوات. اضطهاد وصل إلى حسم كل الحوافز والأرباح على مدى هذه السنوات، ومنعه من ممارسة عمله الصحافي بشكل غير رسمي، ومن دون أسباب أو تعليمات، بالإضافة إلى تجاوزه عدة مرات في ترقيته لرئاسة قسم الأخبار في الصحيفة". وأضاف كامل: "الراحل اختار أن يوجه رسالة من مكان رحيله لكل رئيس تحرير ظالم، ولرئيس الهيئة الوطنية للصحافة، وأعضاء الهيئة، ولنقيب الصحافيين، وأعضاء مجلس النقابة، ولكل قيادة صحافية تمارس الاضطهاد، وتقهر الرجال".
ثابت من جانبه نفي هذه التهم وتطاول على الزميل محمود كامل، وهدد كل منهما الآخر برفع الأمر إلى جهات التحقيق. وأمام هذه الاتهامات المتبادلة، أعلنت نقابة الصحافيين المصريين، صباح الجمعة، "متابعتها عن كثب مع مؤسسة الأهرام ما ستنتهي إليه نتائج التحقيقات" في موت الفقي. ودعت النقابة الجميع "لاحترام حرمة الموت، وحق الراحل وأسرته في تجنب طرح تأويلات للحادثة وأسبابها من دون تحقق وثبوت بالأدلة، وانتظار نتيجة تحقيقات النيابة العامة التي تباشر مهامها، صاحبة الحق دون غيرها في توصيف الواقعة، وكشف ملابساتها وأسبابها".

انتحار الفقي فتح من جهة أخرى النقاش حول أسباب تزايد معدلات الانتحار في مصر خلال السنوات الماضية؛ ففي دراسة بعنوان «مشكلة الانتحار في المجتمع المصري»، نشر المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية رسوم بيانية أوضح من خلالها زيادة أعداد المنتحرين لتصل لأعلى معدلاتها في عام 2018، بواقع 1,31 شخص لكل 100 ألف من السكان. لكن هناك جهات متعددة تشكك في هذه الأرقام الحكومية وأن معدلات الانتحار في مصر أكبر من ذلك بكثير وسط تعتيم حكومي متعمد وعدم ذكر الأرقام الحقيقية. فمنظمة الصحة العالمية مثلا تؤكد أن معدلات الانتحار في مصر هي 4 إلى كل مائة ألف شخص. وهو رقم أعلى بكثير من الأرقام الحكومية. لكنه أيضا أقل من المعدلات الحقيقية التي تفوق كل هذه التقديرات بكثير. وبحسب دراسة منشورة على موقع المعهد المصري للدراسات، يقول مختصون إن الحكومة المصرية لا تتعامل بشفافية مع هذه الظاهرة، فلا تصدر وزارة الصحة أو الداخلية (الجهتان المنوطتان بتسجيل حالات الوفاة) إحصاءات واضحة بعدد حالات الانتحار، وأنها عادة ما تقصر دورها على نفي صحة الأرقام المتداولة عن معدلات الانتحار أو مقارنتها بمعدلات الانتحار عالميًا، لتؤكد انخفاض تلك المعدلات في مصر، مشيرين إلى أن هذا يدل على عدم الجدية في معالجة الظاهرة من ناحية، ويفتح الباب من ناحية أخرى أمام اجتهادات المنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني في تقدير حالات الانتحار.
واحتلت مصر المرتبة الأولى عربيا بعدد حالات الانتحار في سنة 2021م، وفق تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي، حتى أنها فاقت الدول التي تشهد نزاعات مسلحة وحروبا أهلية فتلتها السودان ثم اليمن ثم الجزائر، ورغم تعدد الأرقام في هذا الصدد، إلا أن الأخبار المستمرة عن حالات الانتحار بمصر كانت الأكثر كثافة هذا العام لتكشف جزءا كبيرا من معاناة المصريين، يدعمهم تذيل مصر قائمة الدول العربية وحتى العالم بمؤشرات مثل مؤشر الرفاهية والسعادة العالمي، ومؤشر الحريات.