مأساة غرق أطفال “نكلا العنب”.. الفقر يهزم تشريعات السيسي الدعائية

- ‎فيتقارير

بات المصريون على موعد مستمر من النكد والألم والمآسي التي باتت ملبس ومأكل ومشرب كل المصريين في ظل حكم العسكر السوداوي، فما بين غرق 8 أطفال من قرية نكلا العنب بالبحيرة كانوا في طريق عودتهم من عملهم فجرا، إلى مسلسل قتل بالإهمال الطبي لسجناء مصريين ومعتقلين ظلما ، إلى كساد بالأسواق لغياب الأموال وغلاء السلع ، وبات الجميع يشكو المشتري والبائع ، إلى استمرار مسلسل الديون الكارثي، وعجز نظام السيسي عن توفير السلع الأساسية بأسعار معقولة وتتناسب مع دخل الشعب الفقير، وبات الجميع يقف تحوطه الأزمات والمشكلات من كل جانب، بين أزمات اقتصادية وكوارث اجتماعية واستبداد وانغلاق سياسي يدمر الجميع، فيما عصابة من العسكر يمتصون دماء المصريين بهدوء وبلا توقف عبر قرارات ومناقصات بالأمر المباشر من قبل المقاول الكبير عبد الفتاح السيسي الذي أغرق مصر بدوامة الديون ومستنقع كبير من فوائدها ، تتحملها أجيال عديدة قادمة بلا ذنب، بسبب غشم عسكري لا يفقه في إدارة شئون الدولة شيئا.

وسط هذا الخضم من الكوارث، جاءت حادثة غرق الأطفال مؤخرا، بقرية نكلا العنب بالبحيرة، لتؤكد أن قوانين وتشريعات السيسي التي يتباهى بها إعلام العسكر ليل نهار، وتخرج في مقاطع وفواصل إعلامية  بأكثر من 50 قناة تلفزيونية ، تمجد السيسي المنحاز للأطفال والمرأة والغلابة ، مجرد محاولات لتبييض الوجه القبيح للسيسي ونظامه الذي ألجأ الأسر للدفع بأطفالها للعمل في المزارع والمصانع دون السن القانونية، وهو ما يعرضهم لانتهاكات جسيمة قد تنهي حياتهم ، وهو ما حصل بالفعل في ظل فقر مدقع لأكثر من 80 مليون مصري.

حيث لقي ثمانية أطفال تراوح أعمارهم بين 12 و15 عاما مصرعهم غرقا، وأصيب ستة آخرون، في أثناء عودتهم من العمل فجر السبت 30 أبريل،  في حادث انقلاب تروسيكل كان يقلهم، في ترعة ساحل مرقص على طريق شبراخيت – إيتاي البارود بمحافظة البحيرة.

و كان الأطفال يتجمعون عقب الإفطار مباشرة منذ أول يوم في شهر رمضان، للذهاب إلى عملهم في مصنع لفرز وتعبئة البطاطس بقرية التوفيقية، التي تبعد نحو 5 كيلومترات عن قريتهم نكلا العنب التابعة لمركز إيتاي البارود.

وتضمنت أسماء الضحايا، سالم محمد علي 12 عاما، ومحمد عبد المنعم شعبان 12 عاما، ومحمد أمين السيد 13 عاما، وعبد الرحمن رضا خليفة 14 عاما، وهادي هشام بدران 14 عاما، ومحمد سيد أحمد 14 عاما، وأحمد السيد طه 15 عاما، وأحمد عز الدين الأسيوطي 15 عاما.

ووفقا لشهود عيان، كان الأطفال عائدين من عملهم في الساعات الأولى من الصباح، بعد أن يتقاضوا جنيهات معدودة نظير عملهم اليومي، رغبة منهم في مساعدة أهاليهم البسطاء على الإنفاق، في ظل غلاء المعيشة، واستئجارهم عربة "تروسيكل" لتوصيلهم إلى المصنع، وإعادتهم إلى قريتهم عقب انتهاء عملهم.

وشيع الآلاف من أهالي قرية نكلا العنب جثامين الضحايا، حيث اتشحت القرية بالسواد حزنا على أطفالها، وتحولت شوارعها إلى سرادق عزاء مفتوح، بعدما خرج الأهالي جميعا على المقابر لتشييع جثامين الضحايا إلى مثواهم الأخير، وسط صرخات وبكاء أسرهم.

 

ليس الأول

وتكررت مآسي حوادث قتل الأطفال العائدين أو الذاهبين للعمل في المزارع والمصانع عدة مرات، وسط تسيب حكومي وفقر مدقع يدفع الأهالي للسماح بعمل أطفالهم، لإنقاذ الأسر من الجوع والفقر والتسول في ظل ارتفاع أسعار كل شيء ، ففي 10 يناير الماضي، لقي ثمانية أطفال مصرعهم غرقا، ونجا خمسة عشر طفلا آخرين، إثر سقوط سيارة نقل كانوا يستقلونها في نهر النيل، في نطاق قرية "القطا" التابعة لمركز منشأة القناطر في محافظة الجيزة، في أثناء عودتهم من مزرعة يعملون فيها إلى منازلهم في إحدى قرى محافظة المنوفية.

كما لقيت طفلة مصرعها أخيرا وأُصيب 18 آخرون، في انقلاب سيارة نقل كانت تنقل أطفالا إلى أعمالهم في مدينة الصالحية بمحافظة الشرقية.

ويرجع خبراء تكرار تلك الحوادث المبكية إلى استهتار سلطات الانقلاب بحياة الأطفال وتعاميها عن ظروف المصريين الفقراء، الذين تجري محاربتهم  في لقمة العيش أو السلع التموينية أو غيرها من وسائل المعيشة بمزاعم عجز الموازنة وغيرها من الحجج.

 وتشهد عمالة الأطفال في مصر ارتفاعا ملحوظا في السنوات الأخيرة، ولا سيما في القرى والأرياف، نتيجة غلاء الأسعار وتراجع دخل العائلات، بما يشكل خطورة داهمة عليهم.

 

تشريعات السيسي الواهية

ويزعم السيسي ونظامه إصدار تشريعات عدة وقوانين تتضمن رعاية الأطفال والمرأة والفئات الضعيفة إلا أن تلك التشريعات أمام وحش الفقر والغلاء تبدو بلا قيمة ولا تأثير.

حيث يقضي مشروع قانون العمل الجديد الذي أعدته حكومة الانقلاب، ووافق عليه مجلس شيوخ العسكر في 2 يناير الماضي، تمهيدا لإقراره في جلسات مجلس نواب الانقلاب، بتشغيل الأطفال في مصر من 15 سنة، وجواز تدريبهم من سن 14، وذلك بالمخالفة لاتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن عمل الأطفال، التي صدقت عليها مصر.

 

واقع مزري

ووفق إحصاءات سابقة للخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمالة الأطفال في مصر أفادت بأن 1.6 مليون طفل بين 12 و17 عاما يعملون في البلاد، وتحدثت الخطة أيضا عن مواجهة نسبة 82.2% منهم ظروف عمل سيئة وغير آمنة، وأشارت إلى أن نسبة الأطفال العمال الذكور تبلغ 83.5% والإناث 77.6%.

أما نسبة الأطفال الذين يعملون عدد ساعات أكثر من المسموح فبلغ 16.9% من مجموع الأطفال العاملين، وكانت النسبة أكبر بين الأطفال الإناث بـ 22.2% في مقابل 15.4 للذكور.

وفيما يبلغ عدد الأطفال في مصر 40.9 مليونا، بحسب أرقام أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، لا توجد أرقام رسمية عن عمالة الأطفال، لأن أصحاب الأعمال مثل المزارع والمنشآت الصناعية والورش لا يكشفون هويات الأطفال الذين يعملون لديهم، ويترافق ذلك مع تقصير الجهات المعنية في مراقبة هذه المنشآت، لكن تقارير تشير إلى أن نسبة 63% منهم يعملون في الزراعة، والباقي في الصناعة والبناء والبيع في الشوارع والمطاعم وغيرها.

وتعترف وزيرة التضامن الاجتماعي بحكومة الانقلاب نيفين القباج بأن عمالة الأطفال مرتبطة بقضايا الفقر والتسرب من التعليم والتفكك الأسري والزيادة السكانية.

وبحسب تقرير أصدره الجهاز المركزي للمحاسبات الصادر العام الماضي، بلغت نسبة التسرب من التعليم في المرحلة الابتدائية 0.2 % من إجمالي المقيدين (0.3 % من الذكور و0.2 % من الإناث) ونسبة 1.7% في المرحلة الإعدادية من إجمالي المقيدين بهذه المرحلة (1.4% من الذكور و2.1 % من الإناث).

أما تقرير "فقر الأطفال متعدد الأبعاد في مصر" الذي أصدرته وزارة التضامن الاجتماعي بحكومة الانقلاب بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف في ديسمبر2017، فتحدث عن معاناة 10 ملايين طفل مصري من الفقر، وقد قيم التقرير حينها الحرمان استنادا إلى 8 معايير تحدد رفاهية الطفل، هي الحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي والمعلومات وظروف السكن والصحة والتغذية والتعليم والحماية.

وتؤكد كل المؤشرات تفاقم أزمة عمالة الأطفال في مصر، رغم أنها كانت من أوائل الدول العربية والشرق أوسطية التي أدرجت حقوق الطفل في قانون خاص أدرجته ضمن الدستور عام 2008، بما يتوافق مع الاتفاقات الدولية، وتعتبر مصر أيضا في مقدمة الدول التي وقعت على الاتفاق الدولي لحقوق الطفل، واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138 لتحديد الحد الأدنى لسن الالتحاق بالعمل، وحظر أسوأ أشكال عمالة الأطفال.

ويحظر قانون حقوق الطفل في مصر عمل من هم دون 18 عاما، ويلزم أصحاب المصالح إجراء كشف طبي للأطفال قبل إلحاقهم بالعمل ، للتأكد من أن لياقتهم البدنية والصحية تتلاءم مع متطلبات الأشغال التي يلتحقون بها، كما يمنع عملهم أكثر من 6 ساعات تتخللها فترة أو فترات راحة لا تقل كل منها عن ساعة.

ومع استمرار ارتفاع معدلات الفقر في مصر وتراجع حصص ملايين المصريين في الغذاء والدواء والمسكن يتزايد أعداد الضحايا من الأطفال ، سواء في حوادث الطرق والإهمال وظروف العمل القاسية، وهو ما يؤكد أن الفقر يهزم كل التشريعات وكل الدعايات الواهية للسيسي ونظامه، الذي أفقر وشرد ملايين المصريين بالقهر الاقتصادي والإفقار، فيما مليارات المصريين تحت أقدام العسكر في طرق وكباري ومساكن وسط الصحاري، لا تفيد الاقتصاد المصري الحقيقي ولا تزيد الإنتاج وتدعم الاقتصاد سواء بالتصدير أو جذب الاستثمارات.