صفقة السيسي و”جبهة الإنقاذ”.. لماذا يقبل من دعموا الانقلاب أن يُلدغوا من الجحر مرتين؟

- ‎فيتقارير

رغم أن مطاريد "جبهة الإنقاذ" من التيار الناصري واليساري، ممن دعموا انقلاب الجيش علي أول رئيس مدني منتخب أملا في جزء من الكعكة ، سبق أن لدغهم السيسي واعتقلهم وسجنهم ، إلا أنهم يكررون الآن نفس الخطأ ويعودون للتحالف مع المنقلب ، بعدما لوّح لهم بجزرة وهو يخفي العصا.

حين دعاهم الرئيس الراحل محمد مرسي للحوار وعرض عليهم المناصب لدخول الحكومة رفضوا وانحازوا للعسكر ، أملا في كرسي الحكم وكراهية لتولي التيار الإسلامي الحكم ، لكن حين لوح لهم السيسي بقشة ووعود زائفة هرعوا إلى حفل إفطاره ورضوا بالفتات بإطلاق سراح معتقلين تابعين لهم ، وباعوا 60 ألف معتقل آخر من الأبرياء.

في إفطار الأسرة المصرية 27 إبريل 2022، ذهب قبل مغادرة الاحتفال، إلى المائدة التي يجلس عليها السياسي الناصري والمرشح الرئاسي الأسبق حمدين صباحي، السيسي سلم عليه، ودار بينهما حوار استمر دقيقتين، وصافح أيضا الصحفي خالد داود رئيس حزب الدستور السابق، الذي كان محبوسا حتى شهور قليلة، وعدد من المعارضين اليساريين والناصريين ، ما طرح تساؤلات حول تفسير ما جرى.

كان من الواضح أن مخابرات السيسي أعدت العدة لإغرائهم بالدعوة ورتبت لهم للجلوس قرب طاولة السيسي وخاصة حمدين صباحي الذي كان يجلس على مائدة قريبة جدا من مائدة السيسي وبجواره ضابط بالجيش، وقريب من مائدة اللواء محمود توفيق وزير الداخلية، بحسب تأكيد عماد الدين حسين في مقاله بجريدة الشروق 28 إبريل 2022.

لم تكن دعوة القيادات الناصرية واليسارية فقط للحفل مصادفة ، إذ حضر منهم عمرو حلمي وزير الصحة الأسبق في حكومة المهندس عصام شرف ، ووزير القوى العاملة الأسبق كمال أبو عيطة، ونقيب المهندسين طارق النبراوي ورؤساء أحزاب مثل فريد زهران وسيد عبد العال رئيس التجمع اليساري ومحمد سامي.

جمعهم السيسي مجددا ليطلب منهم تفويضا جديدا ، ففي المرة السابقة طلب منهم تفويضا بالقتل وفض رابعة وقتل واعتقال وسجن الإخوان فأعطوه، وحين طالبوا بالثمن باعهم، والآن يطلب منهم تفويضا ليس لمحاربة الإرهاب ، ولكن لمواجهة التعويم والإفلاس المحتمل لمصر.

عقد رئيس المخابرات عباس كامل لقاء مع هذه القيادات الناصرية واليسارية، لترتيب المرحلة المقبلة ودورهم فيها وكانت المفاجأة التي كشفها مصدر حضر اللقاء لصحيفة العربي الجديد 28 أبريل 2022 هي أنهم أبلغوه أنهم ليسوا في خصومة مع النظام على الإطلاق، وأن معارضتهم ليست من أجل استبدال النظام.

ثلاثة مصادر سياسية أكدت لموقع «مدى مصر» 27 أبريل 2022 أن خطوة السلطة للتقارب مع التيار الناصري واليساري مجددا، جاء لهدفين.

الأول ، تهدئة الوضع والرأي العام لأننا داخلين على أزمة اقتصادية وزيادة كبيرة في الأسعار.

والثاني ، للاعتماد على قيادات وكوادر سياسية جديدة لإدارة المرحلة القادمة السابقة على الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2024.

وأكد الكاتب الصحفي أنور الهواري رئيس تحرير الأهرام العربي والمصري اليوم السابق ، أن الحوار الوطني الذي طلبه السيسي له هدفان.

الأول إعفاء النظام الحاكم من المساءلة والمحاسبة عن حصاد السنوات الثمانية التي تنتهي منتصف العام الجاري.

والهدف الثاني منح النظام شهادة مرور أو تفويض ثان ، ليكمل في السلطة ثماني سنوات مقبلة تنتهي حسب المخطط في 2030 بتفويض جديد لكن في شكل وإخراج مختلف.

 

إعادة بناء تحالف هش

كان من الواضح أن السيسي يسعى لاستعادة لحظة 30 يونيو لكي يحمس التيارات الناصرية واليسارية التي لبت دعوته ونسيت لدغته لها من قبل وخيانته لوقوفهم بجواره ، وأن هدف إعادة تحالفه مع جبهة الإنقاذ هو تخفيف الهجوم على نظامه ، بعدما كان قاصرا عقب الانقلاب على الإسلاميين ثم امتد لبقية التيارات بعدما قمع السيسي الجميع، ثم امتد للشعب كله بعد انهيار الاقتصاد وفشل الأوضاع الاقتصادية.

الوضع الاقتصادي المتدهور ونهب جنرالات الجيش لاقتصاد البلاد وارتفاع الديون والتضخم وتراجع موارد الدولة بعد انهيار السياحة وأزمة القمح وإفلاس الخزينة وغيرها ، كانت الأسباب وراء لجوء السيسي لحوار على الضيق مع جبهة الإنقاذ لاستعادة تحالفهما ودعمها له في المرحلة الصعبة المقبلة.

بيانات البنك المركزي كشفت عن انخفاض الاحتياطي النقدي الأجنبي بمصر بمقدار 4 مليارات دولار في شهر مارس لتسجل 37.1 مليارا رغم دخول 22 مليار دولار من السعودية والإمارات وقطر.

ووصل حجم الدين الخارجي المصري بنهاية عام 2021 إلى رقم قياسي بلغ 145.5 مليار دولار، بزيادة 16 مليار دولار عن العام السابق، والحساب الختامي للموازنة السنوية كشف أن العديد من القروض الأجنبية لم تُستخدم في المشاريع المخصصة لها، إنما صُرف منها فقط على شراء سيارات فارهة للمسؤولين.

وبسبب الإفلاس المالي عادت الحكومة للتفاوض مجددا مع صندوق النقد الدولي على تلقي قرض جديد، فيما تصاعد الهجوم الحقوقي على السيسي في الداخل والخارج وضغوط أمريكية تطالب بتحسين الوضع الحقوقي.

تجمع هذه العوامل الاقتصادية مع السياسية وضع عبئا كبيرا أمام السيسي وهو يسير إلى الهاوية، لذا أطلق دعوة الحوار السياسي، واستدعى حلفاءه القدامى بجبهة الإنقاذ.

 

خطاب تنصل

الغريب أنهم لم يفهموا خطاب السيسي جيدا الذي دعاهم للاستماع له خلال إفطار الأسرة المصرية، ففي خطابه تنصل من مسئوليته عن انهيار الاقتصاد وتدهور الأوضاع وألقى بالمسؤولية على ثورة يناير ، زاعما أنها سبب استنزاف احتياطي النقد الأجنبي لا مشاريعه الفاشلة وعاصمته الإدارية التي يستعد للاختباء فيها.

كانت دلالات حديث السيسي في إفطار الأسرة المصرية ، تشير أنه مأزوم ويحاول البحث عن مخرج وإعفاء نفسه من المساءلة عن جرائمه في ظل مؤشرات قوية على غضب شعبي وبدء تعالي الأصوات بالمعاناة الاقتصادية.

فلجأ إلي المعارضة اليسارية والناصرية التي سبق أن دعمت انقلابه على التجربة الديمقراطية الوحيدة في تاريخ مصر منذ تسلم العسكر حكم البلاد عام 1952، وشربت من كأس الانقلاب بالاعتقال والسجن لأعضائها، لتكرر الخطأ مرة ثانية.