رغم تلاعب «المركزي للإحصاء» .. التضخم (14.9%) .. قراءة في المآلات

- ‎فيتقارير

واصلت أسعار السلع الغذائية ارتفاعها المجنون دون توقف؛ الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم بنسبة 14.9% خلل شهر إبريل 2022م وفقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بينما كانت نسبة التضخم في إبريل 2021م نحو 4.4% وفق ارقام الجهاز. كانت معدلات التضخم ارتفعت في مارس الماضي إلى 12.1% و10% خلال فبراير وفقا لأرقام الجهاز المركزي.

ويرجع الجهاز في بيان له الثلاثاء 10 مايو 2022م ارتفاع معدلات التضخم إلى الزيادة التي شهدتها أسعار الخضروات بنسبة 32% والأسماك 12% والفاكهة 11.9% والدواجن 5.4% والحبوب والخبز 3.6%. وكان محللون قد توقعوا، في تصريحات سابقة لوكالة "رويترز"، مواصلة معدل التضخم الارتفاع خلال الأشهر المقبلة. وقالت سارة سعادة من "سي.آي كابيتال" إنّ التضخم الشهري سيسجل في إبريل بين 12.5-13%". وتوقعت وسائل إعلام محلية وأجنبية أن يرفع البنك المركزي المصري، خلال اجتماعه المقبل والمقرر في 19 مايو/أيار الحالي، بنسبة 1 إلى 2% عقب قرار مجلس الاحتياطي الفدرالي (المركزي الأميركي)، الأسبوع الماضي، رفع سعر الفائدة 0.5%، وفي ظل ارتفاع معدلات التضخم محلياً.

وقال محمد أبو باشا من المجموعة المالية هيرميس لـ"رويترز" إن "التضخم فاق التوقعات بسبب الارتفاع الكبير لأسعار المواد الغذائية في ظل انخفاض قيمة الجنيه وحرب أوكرانيا". ووأضاف ان " البنك المركزي سيرفع على الأرجح أسعار الفائدة بين 50 و100 نقطة أساس في اجتماعه المقبل بالنظر إلى زيادة التضخم وميل مجلس الاحتياطي الاتحادي للتشديد". ويتوقع البعض أن يشهد سعر صرف الجنيه المصري انخفاضاً جديداً عقب الانخفاض الذي شهده في شهر مارس الماضي.

وقرر البنك المركزي المصري رفع سعر الفائدة بنسبة 1% في 21 مارس الماضي، ليسجل 9.25% على الإيداع، و10.25% على الإقراض. وتزامن ذلك مع طرح شهادة ادخار مرتفعة العائد بنسبة 18% في بنكي الأهلي المصري ومصر الحكوميين، وخفض قيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية بنحو 18%، ليرتفع سعر الدولار من 15.70 جنيهاً إلى 18.53 جنيهاً حالياً.

ويشكك خبراء ومحللون في ما يصدر عن الحكومة وأجهزتها والمؤسسات المصرية بشكل عام من أرقام وإحصائيات؛ لأن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء وهو الجهة الرسمية الوحيدة المسموح لها بقياس التضخم، يستخدم منهجية مضللة في حساب نسب التضخم؛ حيث يستبعد من مجموعات السلع التي يتم قياس التضخم على أساسها  السلع الأكثر تقلبا وهي السلع الأساسية والتموينية التي يستكهلكها عموم المصريين وبكميات كبيرة. فالجهاز يقيس التغير في أسعار سلع وخدمات مثل المشروبات الكحولية والثقافة والترفيه والمطاعم والفنادق وإيجارات المساكن وأكثر من 1000 سلعة وخدمة يظل التغير في سعرها قريبا من الصفر، لينخفض، تبعا لهذه المنهجية، رقم التضخم العام، بالرغم من تضاعف أسعار السلع الأساسية في الواقع، وهي المنهجية التي ينتقدها خبراء الاقتصاد في مصر والعالم ويعتبرونها منهجية مضللة.

وفي أعقاب التعويم في نوفمبر 2016م، وبسبب فساد منهجية جهاز الإحصاء المصري كما جرى سنة 2017م، اتهم خبير الاقتصاد الأميركي ستيف هانك، أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة "جونز هوبكينز" ومدير مشروع العملات المضطربة بمعهد كاتو الأميركي، الأجهزة الرسمية بالكذب بشأن معدلات التضخم في مصر، مؤكدا أن معدل التضخم الحقيقي في مصر في منتصف 2017م يساوي 146.6%  وليس 32% كما أعلنت الحكومة؛ مشككا في صحة الإحصائيات الحكومية الرسمية، علما أن المعهد الذي يعمل به هانك يحتل الترتيب 16 بين أفضل معاهد دراسات السياسات في العالم.

ويحدث التضخم عندما ترتفع الأسعار على نطاق واسع. وتُعتبر عبارة «على نطاق واسع» هي المفتاح لفهم معنى التضخم على نحو صحيح، وحتى نفهم  المسالة بشكل أكثر وضوحا، فعندما يتزايد الطلب على سلعة معينة نتيجة حملة دعاية أو ما شابه يزداد عليها الطلب؛  وبالتالي يرتفع سعرها وينخفض ثمن سلعة أخرى تراجع الطلب عليها؛ هذه التقلبات ثابتة وطبيعية وتحدث بشكل تلقائي في الأسواق. لكن «التضخم» يحدث عندما يرتفع متوسط سعر كل شيء يشتريه المستهلكون تقريبًا في توقيت واحد؛ (الغذاء ــ المنازل ــ الملابس ــ الأجهزة المنزلية ــ الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر ـ السيارات ــ خدمات الصحة والتعليم ــ الخدمات الإلكترونية كالإنترنت ــ الوقود والإيجارات وفواتير الكهرباء والمياه وتعريفة ركوب المواصلات وغيرها وما إلى ذلك)، كما يحدث حاليا في مصر والعالم، ولتوفير هذه الضروريات، يجب أن ترتفع الأجور والمرتبات بما يكافئ الزيادة في الأسعار (نسبة التضخم). فإذا ارتفع أسعار كل شيء بنسبة 10% يتعين زيادة الأجور والمرتبات بذات القيمة حتى تبقى القوة الشرائية للمستهكلين عند المعدل الطبيعي ويحدث التوازن في الأسواق، لكن إذا ارتفعت الأسعار مع ثبات الأجور والمرتبات، فإن القدرة الشرائية للمواطنين تتراجع، وبالتالي يزداد عدد الفقراء، ويصاب الاقتصاد بالحمى، ويطلق عليه الخبراء  في هذه الحالة «الاقتصاد المحموم».

مع تزايد الأسعار وثبات الأجور ترتفع معدلات التضخم؛ ونسب الفقر والجوع بين المواطنين، فيرتفع أيضا  مستوى الغضب بمقدار حدة التضخم وسوء مستوى المعيشة؛ وبالتالي ينظر المواطنون إلى الحكومة التي لم تنقذه من هذه المشكلة (مشكلة الفقر الناتج عن التضخم) بوصفها فاشلة ويجب أن ترحل؛ لأنها لم تضع في اعتبارها حمايته وحماية مستوى معيشته؛ وهو ما ينعكس على مستوى تماسك المجتمع فترتفع الجريمة ويزداد منسوب الضغائن والكراهية، ويشتعل الغضب الشعبي ويهدد بزعزعة استقرار النظام القائم على نحو يهدد تماسك البلاد وسلامتها؛ فهذه الحكومة فشلت في أداء وظيفتها ويتعين عليها الرحيل حتى تأتي حكومة أخرى ونظام جديد يكون أكثر كفاءة في مواجهة هذه المشكلات ومعالجة الاقتصاد المحموم حتى يتعافى، وأكثر نزاهة واستقامة وعدالة في توزيع الثروات؛ لذلك فإن نظم الحكم الرشيدة عادة ما تضع على رأس أولوياتها رفع مستوى معيشة المواطنين وتحقيق الرفاهية لهم، على عكس نظم الحكم المستبدة التي تجعل أهم أولوياتها حماية نظام الحكم القائم وضمان بقائه حتى لو كان فاشلا في أداء وظائفه الأساسية.