الزيارة التي  قام به مستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان إلى مصر الأربعاء 11 مايو 2022م، والتقى خلالها  بزعيم الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، حملت تطمينات أمريكية للقاهرة في عدة ملفات تشكّل أزمات بالنسبة لنظام الانقلاب، على رأسها أزمة الطاقة والغذاء إلى جانب أزمة سد النهضة الإثيوبي؛ في المقابل، حصلت واشنطن على تعهدات من السيسي بالتزام الموقف الأمريكية في قضايا دولية حساسة على رأسها الأزمة مع روسيا والوضع في الأراضي المحتلة، وملف حقوق الإنسان. ويدرك السيسي أنه يمتلك عدة أوراق يستطيع اللعب بها مع واشنطن أبرزها جهوده في حماية أمن الكيان الصهيوني، ولجم فصائل المقاومة وتشجيع أبو مازن على استنئاف المفاوضات، كذلك يلعب بورقة الحرب على الإرهاب حيث يقدم نفسه كرأس حربة ضد الإرهاب.

تستهدف الولايات المتحدة بهذه الزيارة تعزيز تحالفها ضد روسيا بشأن الحرب على أوكرانيا، لا سيما في الملف الاقتصادي؛ الأمر الذي دفع واشنطن إلى تقديم تنازلات في قضايا أكدت في السابق على أنها تشكل ثوابت بالنسبة لها، وعلى رأسها قضية حقوق الإنسان، ولذلك فهي الآن تدفع باتجاه استعادة العلاقات مع أنظمة وسَمتها سابقاً بأنها أنظمة ديكتاتورية، مثل النظامين المصري والسعودي، لكنها الآن تسعى لكسب ولائهما من جديد".

تنازلات واشنطن للطغاة العرب في ملف حقوق الإنسان، يأتي ترجمة لمطالب إسرائيلية بتخفيف الضغوط على نظام السيسي بشأن انتهاكات حقوق الإنسان؛ حيث قال مستشار الأمن القومي الإسرائيلي إيال حولتا،  إنّ إسرائيل تتفهم السياسات التي يتبناها نظام السيسي على الصعيد الداخلي تحديداً بعد "محاولة جماعة الإخوان المسلمين السيطرة على مصر". ونقل موقع "واللاه" عن حولتا قوله، في أثناء إلقائه محاضرة في جامعة تل أبيب  الخميس 12 مايو 2022م: "نحن في إسرائيل نتفهم ذلك (سياسات السيسي الداخلية)، لكن من الصعب تفسير ذلك في الغرب"، مشيرا إلى أنّ الغرب يهاجم نظام السيسي "بزعم أنه يعذب شعبه، على الرغم من أنّ عدد النساء الأعضاء في حكومته أكبر من عدد النساء في بعض الحكومات الغربية".

وتسعى الإدارة الأمريكية إلى الحد من الاعتماد على النفط الروسي في سياق حربها الاقتصادية على موسكو؛ مدعومة من حلفائها الأوروبيين من خلال البحث عن بدائل للنفط والغاز الروسي في الخليج لعربي وليبيا ومصر؛  ولذلك تقوم بجهود دبلوماسية مع الدول الفاعلة في المنطقة مثل مصر والسعودية والإمارات، والذي من المنتظر أن يحضر زعماؤها القمة المرتقبة في الأراضي المحتلة برئاسة بايدن الشهر المقبل"

زيارة سوليفان إلى مصر، يمكن اعتبارها ـ من جانب آخر ــ  مقدمة أو ترتيبا للزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي جو بايدن إلى المنطقة، والتي من المتوقع أن تكون إلى إسرائيل، والتي بدورها سوف تدعو زعماء دول عربية إلى حضور قمة على غرار قمة النقب، برئاسة بايدن، يكون من بينهم السيسي. وبذلك فإن مباحثات سوليفان والسيسي، قد تكون للاتفاق على تفاصيل معينة في القضايا ذات الاهتمام المشترك، قبل لقاء السيسي وبايدن في إسرائيل، ومنها موضوعات: الحرب الروسية الأوكرانية، والأزمة مع إيران، بالإضافة إلى التطورات الجارية في الأراضي المحتلة، والصراع العربي الإسرائيلي، والأزمة التي تعيشها ليبيا".

بعض الدوائر المقربة من السيسي تعتبر نتائج المباحثات خلال الزيارة "صفحة جديدة" في العلاقات بين البلدين بعد مرحلة من التوتر بشأن انتهاكات نظام السيسي لحقوق الإنسان، وكذلك الانحياز المصري لروسيا في ملف الحرب مع أوكرانيا.

تعهدت واشنطن بدعم نظام السيسي فيما يتعلق بنقص الإمدادات من القمح والمواد البترولية، بسبب استمرار الحرب الروسية الأوكرانية التي أدت إلى ارتفاع أسعارها بشكل يفوق قدرات موازنة الدولة المصرية، وهي المواد الأساسية التي تحتاجها البلاد وتستورد كميات كبيرة منها بالعملة الصعبة.  كما تعهدت واشنطن بدعم نظام السيسي فيما يتعلق بملف أزمة سد النهضة رغم إدراك الجميع أن توقيع السيسي على اتفاق المبادئ بالخرطوم في مارس 2015م يكبل القاهرة ويضعف موقفه في المفاوضات؛ وأقصى ما يطمح إليه السيسي هو اتفاق قانوني ملزم لعملية ملء وتشغيل السد". وأشاد الجانب الأمريكي بموقف القاهرة فيما يتعلق بالتهدئة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ومبادرات إعادة إعمار غزة".

في المقابل طلب سوليفان من السيسي تعهدا بالابتعاد عن روسيا في ظل الأزمة المشتعلة بين واشنطن وموسكو بسبب الحرب الأوكرانية، إذ ترى أميركا أن حلفاءها الاستراتيجيين ومن بينهم مصر، يجب أن يصطفّوا في معسكرها بشكل لا لبس فيه".  وفي ملف حقوق الإنسان استعرض السيسي جهوده من خلال دعوته لحوار سياسي ، وقرارات الإفراج الأخيرة عن بعض المعتقلين السياسيين، وإعادة تفعيل لجنة العفو السياسي، بالإضافة إلى وعود بإعادة النظر في بعض التشريعات المرتبطة بحقوق الإنسان".  وبحسب بيان المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، أدريان واتسون، حول زيارة سوليفان إلى مصر، فقد ناقش سوليفان مع السيسي وكبار المسؤولين المصريين "العواقب العالمية للحرب الروسية غير المبررة ضد أوكرانيا، ودعم واشنطن لاحتياجات القاهرة من الأمن والغذاء والوقود". كما ناقشت الوفود "التنسيق في القضايا الإقليمية، فضلاً عن أهمية التقدم الملموس والدائم في مجال حقوق الإنسان في مصر"، حسبما جاء في البيان الأميركي. في المقابل، تجاهل البيان المصري حول اللقاء التطرق إلى الحديث في ملف حقوق الإنسان، واكتفى بالقول إن المباحثات اشتملت على "تطورات القضية الفلسطينية وأزمة سد النهضة الإثيوبي".

 

 

Facebook Comments