فجأة ودون مقدمات اصطر وزير الأوقاف مختار جمعة مساء الخميس 19 مايو 2022م، إلى حذف البيان الذي نشرته الوزارة عبر موقعها الرسمي وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي  قبل أيام حول الحوار الوطني؛ ذلك أن البيان احتوى على فقرة اعتبرت مسيئة بشدة للدكتاتور عبدالفتاح السيسي، ووضعته في مكانة الطاغية فرعون.

ورغم أن البيان استهدف به دعم دعوة السيسي للحوار وانتقاد مواقف قوى المعارضة التي اعتبرت الحوار شكليا وبلا جدوى حقيقية ووضعت حزمة شروط من أجل الاستجابة للحوار إلا أن البيان الذي نشرته وزارة  الأوقاف احتوى على استدلال مثير للجدل اعتبرته الأجهزة الأمنية مسيئا لرأس النظام وأجهزته الأمنية، ووضعت السيسي في مكانة فرعون بطغيانه وظلمه والمعارضة في كفة موسى وهارون عليهما السلام.

البيان بالطبع هو شكل من أشكال التوظيف السياسي للمؤسسة الدينية لدعم أجندة النظام ومآربه السياسية؛ إذ ما دخل وزارة الأوقاف بالحوار السياسي بين النظام والأحزاب المعارضة؟ ولماذا يتدخل الوزير ببيان في هذا الشأن رغم أن الوزير لا علم له بالسياسة وليس له تاريخ يذكر في هذا المجال؟

وقد أوتي النظام من حيث توقع الدعم والمساندة؛ إذ احتوى البيان على استشهاد الوزير بآية من القرآن الكريم، قائلا: "ألم يقل الحق سبحانه وتعالى لسيدنا موسى وهارون (عليهما السلام): "اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى"، فأمرهما الحق سبحانه وتعالى أن يقابلا طغيان فرعون بالحكمة والموعظة الحسنة، والقول اللين الحسن، وألا يقابلا طغيان جبروته بمثل فعله أو لغته". هذا الاستشهاد بالآية أثار موجات متلاحقة من السخرية؛ لأن الوزير أصاب السيسي ونظامه وحكومته من حيث أراد تعزيز موقفه ومساندته؛ فقد وضع السسيسي في موضع فرعون  وطغيانه ؛ واعتبر نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي أنه "بمثابة اعتراف من قبل وزير الأوقاف بأن السيسي، طغى كفرعون"، وهو ما دفع وزارة الأوقاف إلى حذف البيان، ثم بعدها قامت الصفحة الرسمية لرئاسة مجلس الوزراء بحذفه بعد ذلك بساعات، دون أي توضيح، وكأن شيئاً لم يكن.

في سياق مقارب، تسود حالة من الارتباك داخل أجهزة السيسي الأمنية حول آلية إدارة حوار مرتقب بين الأطراف السياسية. في المقابل، تستعد "الحركة المدنية العلمانية" لعقد لقاء ثالث في مقر حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، للتباحث حول دعوة السيسي لـ"حوار وطني".

كما أكدت مصادر مصرية معارضة ـ وفقا لصحيفة العربي الجديد اللندنية ــ  أن استجابة مجموعة من المعارضين بالخارج لدعوة النظام المصري للحوار، "شرط اتخاذ عدة إجراءات وتدابير من أجل بناء الثقة"، قد يتم سحبها في الأيام القليلة المقبلة، وعدم الاعتراف بالحوار.

وأصبحت الدعوة التي أطلقها السيسي، في أواخر شهر رمضان الماضي، خلال إفطار الأسرة المصرية في 26 إبريل 2022، ساحة لتنافس خفي بين الأجهزة الأمنية "السيادية" داخل النظام، مع العلم أن السيسي أطلق دعوته بحضور شخصيات محسوبة على المعارضة، مثل المرشح السابق لرئاسة الجمهورية حمدين صباحي، ثم تطورت الدعوة إلى مناقشات وإجراءات فعلية لترتيب الحوار.

وبينما تحاول الدائرة المقربة من السيسي، وعلى رأسها مدير المخابرات العامة اللواء عباس كامل، فرض رؤيتها وشروطها وآلياتها للحوار "المفترض"، يشعر المسؤولون بجهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية بأن إدارة أي نشاط سياسي داخل البلاد مسألة تخصّ الجهاز دون غيره من أجهزة وفقا لمصدر مطلع بالحكومة. وقال المصدر إنه "من الطبيعي والمتعارف عليه منذ زمن طويل أن جهاز أمن الدولة (الأمن الوطني حالياً) هو المسؤول الأول عن أي نشاط سياسي داخل البلاد، بينما تقع المسؤولية على عاتق المخابرات العامة في الشؤون الخارجية والدولية".

وأضاف أنه بسبب ذلك، يشعر المسؤولون بجهاز الأمن الوطني بأن تنفيذ وإدارة الحوار الذي دعا إليه السيسي كان يجب أن يتم من خلالهم، لأنهم أصحاب خبرة طويلة في التعامل مع الأنشطة السياسية الداخلية تمتد إلى عقود طويلة. وتطرق المصدر إلى شمول صلاحيات جهاز أمن الدولة ملفات كانت تخص بالأساس جهاز المخابرات العامة، مثل ملف الإسلاميين بالخارج وتمركزاتهم في دول مثل ألمانيا وبريطانيا وغيرهما، منذ تسعينيات القرن الماضي، وأصبح التعامل مع أمثال هؤلاء يتم عبر "أمن الدولة" وليس المخابرات العامة. وتابع المصدر: "أيضاً في الفترة الأخيرة، عادت الكثير من الملفات التي استحوذ عليها جهاز المخابرات العامة لفترة (مثل الأحزاب والنقابات والصحافة والإعلام ومجلس النواب) إلى جهاز الأمن الوطني ليشرف عليها، وذلك بعد أزمة أحداث سبتمبر2019 الشهيرة، والتي كان محرّكها الفنان والمقاول الهارب محمد علي".

وقال إن "التنافس الخفي ما بين الجهازين (المخابرات العامة والأمن الوطني) يمكن ملاحظته في تفاصيل، مثل محاولات الأخير الواضحة لإثبات أنه صاحب القرار الأول والأخير في قرارات العفو والإفراج عن المعتقلين السياسيين، حتى أنه بعد قرار السيسي بالإفراج الفوري عن الصحافي حسام مؤنس، المقرّب من حمدين صباحي، تم الإفراج فوراً عن 3 صحافيين محسوبين على جماعة الإخوان المسلمين، وهم: عامر عبد المنعم، وهاني جريشة، وعصام عابدين".

وأكد أن "قرارات الإفراج عن الصحافيين الثلاثة، تمّت بواسطة الأمن الوطني، عبر النيابة العامة". وأضاف المصدر أنه "من خلال تفاصيل مثل هذه، يمكن رصد التباين بين الجهازين لإثبات الوجود وفرض السيطرة"، مشيراً إلى أنه "من الطبيعي أن يقلق المسؤولون بجهاز الأمن الوطني من حقيقة إشراف المخابرات العامة على الحوار الوطني المفترض، ولذلك فهم يحاربون الفكرة من أساسها". وبدأت حالة الرفض من جانب بعض مكونات المعارضة لإشراف جهاز المخابرات العامة على الحوار الوطني الذي دعا إليه السيسي أخيراً تظهر إلى العلن، وسط تأكيدات على أن الدعوة يتم في الوقت الراهن تفريغها من مضمونها، في إطار مناورة من جانب النظام المصري لتفويت الفرصة لإحداث أي تغييرات من شأنها السماح بمشاركة سياسية حقيقية، ورفع القيود عن أدوات تداول السلطة بشكل سياسي وسلمي.

Facebook Comments