ضربات تلو ضربات تتلقاها مصر بصمت  من جميع الأطراف الإقليمية، دون أي حراك أو رد سوى انتظار مساعدة الخارج، ودون أن يخدم النظام نفسه ويستعمل قواه وآلياته في الدفاع عن نفسه وعن مصالح مصر الاستراتيجية.

وهو ما يضع مصر على حافة الجوع والعطش والجفاف ، بعد رفض إثيوبيا أي حلحلة أو تجاوب مع المطالب المصرية بشأن التوصل لاتفاق أو معلومات دقيقة عن مراحل البناء في سد النهضة، قبل الملء الثالث للسد في يوليو المقبل.

ففي سرية تامة، استضافت الإمارات جولتين غير معلنتين لمفاوضات فنية بين مصر والسودان وأثيوبيا في أبوظبي دون أي نتيجة، وبتصميم غريب من قبل الإثيوبيين ورفض أي استجابة ولو شكلية لمصر.

وتواصل إثيوبيا عمليات البناء في سد النهضة، في الوقت الذي اقترب فيه موعد الملء الثالث للسد المقرر مطلع يوليو المقبل، وذلك من دون الالتفات للمطالب المصرية السودانية، بشأن التوصل لاتفاق قانوني شامل وملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل ،  يأتي ذلك فيما فشلت كل محاولات القاهرة أخيرا للضغط على أديس أبابا، لوقف عمليات البناء وتعلية الممر الأوسط في جسم السد، لحين التوصل لاتفاق نهائي أو الذهاب إلى جولة مفاوضات جديدة.

 

وكشفت تقارير إعلامية عن  تفاصيل جولتين من المفاوضات بوساطة من جانب دولة الإمارات خلال الشهرين الماضيين.

وجرت المشاورات الأخيرة على المستوى الفني من جانب وفود متخصصة من البلدان الثلاثة؛ مصر والسودان وإثيوبيا، وجرت في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وذلك بعدما أقنع الإماراتيون الإثيوبيين بالمشاركة بضمانات من جانب أبوظبي، حيث حضر ممثلون عن دولة الإمارات للاجتماعات غير المعلنة كمراقبين.

 

وبدأت إثيوبيا في فبراير الماضي، تشغيلا محدودا لتوربين بالسد كمرحلة أولى لإنتاج الكهرباء ،  ووفق وسائل إعلام رسمية، فإن السد الواقع غربي إثيوبيا والقريب من الحدود مع السودان، يمكنه توليد 375 ميغاواط فقط من الكهرباء من التوربين الذي تم تشغيله.

 

المشاورات التي جرت على مدار جولتين، لم تحقق اختراقا في أي من القضايا العالقة، فيما انحصر التعاون الإثيوبي في إمكانية تنسيق الجهود بين البلدان الثلاثة قبل عملية الملء الثالث فقط، مع التأكيد على الرفض التام لإطلاع المصريين والسودانيين على أي معلومات دقيقة تخص عملية تشغيل السد في الوقت الراهن، وكذلك خطط الاستعداد للملء الثالث.

 

فيما أبدى الإثيوبيون استعدادا لإخطار مصر والسودان قبل الشروع في عملية الملء الثالث، حتى يتسنى للدولتين الاستعداد وتجنب أي آثار سلبية.

وفي إذلال منقطع النظير للجانب المصري، تمسك الوفد الإثيوبي أيضا خلال المشاورات، برفض الملاحظات الفنية المتعلقة بأمان مشروع السد والتي تطرحها مصر من دون أن يقدم أي تصميمات هندسية، حيث طُرحت التقارير الفنية السابقة لمكاتب فرنسية.

 

 

ووفق مصادر سياسية، تحدثت لـ"العربي الجديد" من المقرر عقد جلسة مشاورات جديدة في أبوظبي بين الوفود الثلاثة قبل منتصف يونيو المقبل.

 

 

ومع الفشل الذريع لنظام السيسي الذي ورط مصر بتوقيعه اتفاق المبادئ لسد النهضة في 2015، وحرم مصر من حقوقها أو حتى حق إبداء الملاحظات الفنية، لم يجد السيسي بدا أو وسيلة سوى الاستنجاد بواشنطن التي لا تتحرك مجانا، إذ تريد من مصر مطالب عديدة ، إزاء الحرب الروسية الأوكرانية لدرجة أنها طلبت من مصر منح الطائرات الميج الروسية التي اشترتها  من موسكو إلى أوكرانيا ، كي تشارك في القتال ضد روسيا وهو ما يضع مصر في مواجهة مباشرة مع روسيا،  بما يهدد الأمن القومي المصري في مقتل، في حرب لا ناقة لمصر فيها ولا جمل.

وقامت مصر بإطلاع مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان على تفاصيل الجلستين الماضيتين خلال زيارته الأخيرة للقاهرة، حيث طالب المسؤولون في مصر بدور أميركي أكثر فاعلية لزحزحة إثيوبيا عن موقفها الرافض لإبداء أي مرونة، سواء بشأن المفاوضات الفنية الجارية في أبوظبي، أو التعاطي مع المطالب المصرية السودانية لإطلاق جولة مفاوضات سياسية جديدة بشأن الأزمة.

 

 

وكشفت تقارير إعلامية ، عن سعي السيسي  لإحداث أي ثغرة في ملف سد النهضة المتعثر، كي يستغلها في الداخل لزيادة شعبيته، وإلهاء المصريين عن مطالبته بحل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تضرب المصريين، وهو نهج معروف في النظم الاستبدادية التي تسعى لتحقيق أي نصر شعبي ولو كان غير ذي جدوى أو يحمل مشاكل أكبر مما يخفيها.

وأكدت مصادر سياسية، أن القيادة المصرية ترغب بالوصول إلى اتفاق بشأن سد النهضة يمكن تسويقه شعبيا، ويخفف من حدة الاحتقان في الشارع المصري، بعدما فشلت كافة المحاولات بهذا الإطار أخيرا.

 

وكان السيسي، أكد خلال لقائه سوليفان ووفد أميركي رفيع المستوى زار القاهرة في 11 مايو الحالي، على التمسك بضرورة التوصل لاتفاق ملزم بين الأطراف الثلاثة.

فيما استخدم سوليفان خلال مباحثاته مع السيسي ورقة سد النهضة ولوّح بإمكانية تقديم مساعدة أميركية في هذا الشأن من أجل الحصول على تعهدات مصرية في مسألة العلاقات مع روسيا، وضرورة دعم الموقف الأميركي في أزمة الحرب الروسية الأوكرانية.

ووفق تقديرات استراتيجية، تدرك مصر جيدا أن أزمة السد صعبة ومعقدة، وأن موقفها ضعيف، في ظل عدم وجود نص قانوني في اتفاقية إعلان المبادئ التي تم توقيعها بين الدول الثلاث في الخرطوم عام 2015، يلزم إثيوبيا بالموافقة على الطلبات المصرية بخصوص السد، والمتمثلة خصوصا في التوقيع على اتفاق قانوني شامل وملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد.

 

وهو نفس الكلام والمنطق الذي كانت "الحرية والعدالة" وكثير من المراقبين والمعارضون ورافضو الانقلاب العسكري، يحذرون منه، في الوقت الذي خرحت فيه صحف المخابرات والأجهزة الأمنية بعنوان أهوج وكاذب يقول "خلاص..السيسي حلها".

وهو ما تبكي منه مصر اليوم دما، وسط تناقص حصتها المائية بأكثر من 30 مترا مكعبا سنويا، ستؤثر سلبا على الأراضي الزراعية وتتسبب في هجرة أكثر من 40 مليون مصري يعيشون على الزراعة في مناطق الدلتا التي ستجف بحسب مذكرة وشكوى الخارجية المصرية إلى مجلس الأمن، ولكن الانقلابيين لا يسمعون ولا يفقهون إلا صوت المستبد الذي يستجدي أي موقف إيجابي اليوم من أثيوبيا بعد أن ورط مصر في أدغال الجفاف والتصحر، لمجرد أن يرضى عن انقلابه الاتحاد الأفريقي بعدما علق عضوية مصر فيه إثر الانقلاب العسكري في يوليو 2013.

Facebook Comments