في إطار الجهود التي تبذلها سلطات الانقلاب لتوجيه الرأي العام السوداني نحو القبول بالانقلاب العسكري، توجه وفد من المجتمع المدني المصري – يتألف من شخصيات سياسية واقتصادية وأكاديمية ودبلوماسية – إلى الخرطوم في 10 مايو ، بزعم بدء حوار مدني مصري سوداني هو الأول من نوعه منذ اندلاع الثورة السودانية في ديسمبر 2019 والإطاحة بنظام عمر البشير.

وقال وفد المجتمع المدني المصري في تصريح صحفي إن "التطورات العالمية تدفع باتجاه بناء تحالفات إقليمية وتكتلات عابرة للحدود تحقق المصالح المشتركة للشعوب، لقد حان الوقت لإعطاء الأولوية للنظرة العقلانية للمستقبل بدلا من استعادة الماضي، من خلال وضع أجندة متقدمة لحوار أكثر نضجا، خاصة وأن الشعبين المصري والسوداني يمران بفترة استثنائية يكافحان فيها من أجل بناء دولة جديدة تقوم على قيم الديمقراطية والعدالة والمواطنة والمساواة".

وتابع البيان "الحوار لا يمكن أن يكون فقط بين السياسيين في البلدين، حيث يجب أن يتوسع ليشمل جميع مكونات المجتمع المدني والمجتمع المالي ومجتمع الأعمال والصناعيين والاقتصاديين والمثقفين والأكاديميين ووسائل الإعلام".

وقال على الشريف، الدبلوماسي السوداني السابق ورئيس ما يسمى بالمبادرة الشعبية لدعم العلاقات المصرية السودانية، التي تأسست في يناير 2021، لـلمونيتور إن "زيارة الوفد المصري إلى السودان هي الأولى التي تفتح حوارا مدنيا مع الأحزاب السياسية والشخصيات البارزة في السودان، بهدف تعزيز العلاقات بين البلدين وسد الطريق أمام المشككين والرافضين للعلاقات والتنسيق المصري السوداني".

وأضاف "بدأنا منذ فترة، من خلال المبادرة الشعبية للعلاقات المصرية السودانية، حراكا مدنيا من أجل مساعدة الجهات الرسمية على تطوير العلاقات وتعزيز التنسيق المشترك في كافة القضايا، خاصة وأن البلدين لديهما مصالح واهتمامات مشتركة".

ويأتي الحوار المدني الأول بين القاهرة والخرطوم وسط توترات مستمرة في السودان، حيث لا تزال العلاقات بين القوى المدنية والسلطة العسكرية تشوبها خلافات حادة منذ إقالة المكون المدني من الحكومة الانتقالية على يد رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في 25 أكتوبر الماضي.  2021.

وأضاف الشريف "لا أعتقد أن المجتمع المدني المصري سيلعب دورا مباشرا في طرح مبادرات لحل الأزمة بين الأطراف السودانية، حيث يركز الحوار المدني المصري السوداني بشكل أساسي على القضايا المشتركة بين البلدين، بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن حل الوضع في السودان إلا من خلال السودانيين أنفسهم، والعديد من الأطراف ترفض أي تدخل خارجي، ولكن بمجرد تنظيم وتوسيع زيارات المجتمع المدني المصري إلى السودان، فإنها يمكن أن تعالج جميع القضايا، خاصة وأن الاستقرار في السودان يخدم كلا الطرفين".

وشدد على أن "الحوار المدني المصري السوداني يجب أن يتعامل مع كل الشائعات التي تهدد العلاقة بين البلدين ومحاولة تصحيح كل الحقائق".

وقد اندلعت التوترات من حين لآخر بين مصر والسودان منذ الإطاحة بنظام البشير في عام 2019 على الرغم من الانسجام والتنسيق على المستوى الرسمي بين سلطات الانقلاب في مصر وقادة الانقلاب العسكري الذين يديرون المرحلة الانتقالية في السودان، إلا أن عدة قوى مدنية سودانية تتهم عبدالفتاح السيسي بدعم القوات العسكرية ضد المكون المدني.

وهناك أيضا شائعات حول استفادة حكومة السيسي من المواد الخام السودانية وإعادة تصديرها إلى الخارج، ولم تعلق سلطات الانقلاب رسميا على مثل هذه الاتهامات رغم الحملات والمزاعم العديدة ضد حكومة السيسي من داخل السودان.

والتقى الوفد المصري خلال زيارته للخرطوم بأحزاب وكيانات أهلية من خلفيات سياسية مختلفة، وفي 12 مايو استقبل البرهان أعضاء الوفد المصري، في حين التقى الوفد أيضا بالقوى السياسية المدنية، مثل الجبهة الثورية السودانية وقوى الحرية والتغيير.

وقالت الصحفية المتخصصة في الشؤون السودانية صباح موسى لـلمونيتور إن "طبيعة العلاقات المصرية السودانية تتغير تبعا لاختلاف الجهات الفاعلة والأحزاب الحاكمة في السودان، وعلى الرغم من المصالح الاستراتيجية بين البلدين، لا تزال هناك مجموعات داخل السودان وخارجه تعارض العلاقات المستقرة مع مصر، وهذا واضح في الحملات الممنهجة التي تهاجم القاهرة على وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية".

وأضافت "على المستوى الرسمي، تتعامل القاهرة بحذر شديد مع الملف السوداني المتشابك، وعلى الرغم من المبادرات الإقليمية والدولية والتدخلات الخارجية المباشرة للتوسط  بين الأطراف السودانية المتصارعة وإيجاد الحلول، فإن مصر التي تعد أقرب دولة مجاورة تقف على مسافة متساوية من جميع الأطراف السودانية على أمل الحفاظ على الاستقرار في السودان".

وأوضحت موسى "أن طبيعة العلاقة بين مصر والسودان تستدعي إعطاء أولوية خاصة لدور المجتمع المدني المصري لبناء حوار مستمر من أجل المساهمة في استقرار السودان ، ومساعدة الأطراف المختلفة على الجلوس حول طاولة واحدة وتقريب وجهات نظرهم، وذلك لأن المجتمع المدني المصري لديه خبرات يمكنه من خلالها المساهمة في إنجاح الحوار السوداني السوداني، فضلا عن إزالة أي شكوك بين السودانيين حول دور مصري خفي في دعم المكون العسكري ضد المكون المدني".

وتعليقا على نتائج زيارة الوفد المصري، قال محمد زايد، الكاتب ومساعد وزير الخارجية السابق لشؤون دول الجوار، في مقال نشر في 16 مارس على موقع المصري اليوم "لاقت اجتماعات الوفد في الخرطوم استحسانا كبيرا من جميع القوى السياسية السودانية، الجميع في السودان يريد أن تعود العلاقات المصرية السودانية قوية وتؤسس لشراكة جادة".

وأشار إلى أن السودان يحتاج الآن إلى عمل مصري مستمر وعاجل، وأشار إلى أنه على الرغم من أن الظروف السياسية قد تعقد أو تعرقل الجهود المصرية، إلا أن هذا لا ينبغي أن يمنع القاهرة من مواصلة خططها.

ويؤكد الوفد المصري والمهتمين بالملف السوداني في مصر على أهمية بدء حوار مدني شامل مع كافة الجهات الفاعلة السودانية، فإن استمرار هذا العمل يظل المحدد الرئيسي لنجاح التقارب الشعبي بين البلدين في وقت لا يزال السودان يشهد الكثير من اللقاءات السياسية،  التحديات الأمنية والاقتصادية التي تهدد المرحلة الانتقالية والتي سيكون لها انعكاسات على المصالح المصرية.

 

https://www.al-monitor.com/originals/2022/05/can-egyptian-civil-society-contribute-solving-sudanese-crisis

Facebook Comments