المستشار أحمد مكي يكشف  الجهة التي ترعى الفساد وتحميه بمصر

- ‎فيتقارير

تصريحات وزير العدل  بحكومة الدكتور هشان قنديل المستشار أحمد مكي، حول الأموال المهربة من جانب الرئيس المخلوع حسني مبارك وأسرته وحيتان نظامه تكشف كثيرا من الخبايا داخل الدولة، وتؤكد أن مافيا الفساد أكبر مما نتصور، وأن الفساد يعشش في كل ركن بمصر تحت رعاية النظام العسكري وحمايته.

ويبرهن مكي على ذلك  بكثيرمن الحقائق أبرزها ما جرى مع المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، الذي تم تفصيل قانون خصيصا لعزله ثم التنكيل به والزج به في السجن بتهم كيدية. كما يبرهن على ذلك بأنه واجه سابقا "حربا شرسة، حينما دعا وسعى إلى تطبيق (قانون تداول المعلومات) الذي جرى إجهاضه ومنعه بشكل متعمد، حتى يتم التستر على الكثير من وقائع الفساد والانتهاكات، في حين أن هذا القانون مهم للغاية لمعرفة الكثير من الأمور الغائبة عن الجميع، وكيف يمكن مناقشة السياسات الراهنة للحكومة، بينما نحن لا نعلم التفاصيل والمعلومات في ضوء انعدام الشفافية المطلوبة".

 يقول مكي في الحوار الذي أجراه معه موقع "عربي 21" والمنشور الإثنين 30 مايو 2022م، إن أهم الملفات التي عمل عليها خلال فترة وجوده بوزارة العدل، كان ملف استرداد الأموال المهرّبة إلى الخارج من قِبل رموز نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك؛ فقد كان "همّي الأول هو استرداد تلك الأموال، وطلبت الاطلاع على تفاصيل هذا الملف في أول يوم عمل لي داخل ديوان الوزارة". ويضيف: «حينما دخلت وزارة العدل، سعيت جاهدا لمعرفة مصدر تلك المعلومات المتعلقة بالأموال المنهوبة، وحاولت الاستعانة بشخصين من أصدقائي هما: رئيس جهاز الكسب غير المشروع آنذاك، المستشار المرحوم يحيى جلال، ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، المستشار هشام جنينة، لمحاولة تقصي الحقيقة والوقوف على حجم الأموال المنهوبة". ويوضح مكي أنهم اكتشفوا لاحقا أنه "تكاد تكون كل الأجهزة في الدولة مُلوثة وكلها مستفيدة من الفساد، وأكاد أشك أنه لا يوجد أحد تولى موقع مسؤولية في الدولة المصرية، إلا وقد حصل على أموال لنفسه"، منوها إلى أنه "لا أحد يمكنه التصدي لملف الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، لأنه كان بتواطؤ ورعاية رسمية بصورة أو بأخرى".

ينتهي مكي في حواره إلى التأكيد على أن هناك "لوبي فساد متوحش داخل الدولة العميقة، يحول دون استرداد الأموال المنهوبة، وربما يكون هذا اللوبي أقوى من الدولة نفسها.. والسلطة المصرية نهيبة (حرامية) بالمعنى الحرفي للكلمة"، متابعا: "لو بحثنا في بنوك سويسرا أو بريطانيا، وغيرهما، فسنجد أسماء لم نكن نتخيل مطلقا أن يكون لها أموال في هذه البنوك، سواء منذ أيام مبارك أو بعده".

ويكشف مكي أن "المستشار جنينة طلب الاطلاع على حسابات الشرطة، واتضح له حصول الكثير من المخالفات الخطيرة، التي من بينها حصول ضباط الشرطة على أموال بملايين الجنيهات، دون أن تكون هناك أي إيصالات أو مستندات رسمية بذلك، بالإضافة إلى حصول بعضهم على آلاف الأفدنة في أراضي الحزام الأخضر حول مدينة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، بينما لم تحدث أي تحقيقات جادة فيها حتى ماتت هذه القضية وغيرها". مضيفا أن "المستشار جنينة كان قد بدأ يدقق في حسابات الوزارات المختلفة، وتحديدا في تصرفات جهاز بيع الأراضي، وبدأ يشير إلى أن هناك ملايين كثيرة تم إهدارها، وحديثه عن حجم الفساد هو الذي أدى في النهاية إلى عزله من منصبه ثم سجنه لاحقا".

وأشار مكي إلى أنه "لا أحد يعرف كم تبلغ قيمة هذه الأموال المنهوبة سواء في الخارج أو الداخل، ولا نعلم كيفية استردادها؛ فلا توجد لدينا جهة أو أجهزة يمكنها تحديد حجم تلك الأموال المنهوبة، بل إنه لم تكن هناك أي جهة أو مؤسسة في الدولة تقدم لنا أي مساعدات من أي نوع في هذا الصدد على الإطلاق، بل كانت تعيقنا عن العمل".

ليست مؤسسات الدولة العمقة وحدها التي كانت تعيق عمل الحكومة الشرعية لاسترداد الأموال المنهوبة، بل القضاء كان له دور بالغ الأسف فقد تمت تبرئة كل رموز الفساد؛ وهو ما يعني حرمان مصر من حقها في استرداد الأموال المنهوبة.

هناك أيضا الدول المستقبلة لهذه الأموال؛ يقول مكي: "كل الطبقة الحاكمة بكل أسف كانت تنهب أموال الدولة، وخاصة ممن هم في الأجهزة الرقابية، بل إن معظم أجهزة الرقابة هي المستفيد الأول من الفساد المستشري في جسد الدولة". وأشار إلى أنه "خلال مؤتمر وزراء العدل العرب، الذي انعقد في القاهرة خلال شهر نوفمبر 2012، طرحت ملف الأموال المنهوبة وتحدثت عن اتفاقية مكافحة الفساد، إلا أنني فوجئت باعتراض ممثلي دولتي الإمارات والسعودية، وذلك على اعتبار أنهما من مستقبلي تلك الأموال".

وحتى بريطانيا وسويسرا كإحدى الدول التي تستقبل المليارات المنهوبة لم تتعاون مع حكومة الرئيس مرسي في هذا الصدد، قول مكي: "في أثناء عملي على هذا الملف، اكتشفت أن الدول التي بها أموال الرموز السياسيين أصحاب النفوذ – كسويسرا وبريطانيا وغيرهما-، مستفيدة وداعمة بقوة للفساد، ولا يستطيع حاكم فاسد الاستيلاء على السلطة أو الأموال في أي دولة من دول العالم الثالث، إلا إذا كان يتلقى دعما واضحا من هذه الدول الخارجية". وأضاف: "حينما تباحثنا سابقا مع هذه الدول خلال فترة وجودي بالوزارة، انتهينا إلى أن تقوم تلك الدول بالتحري عن سلامة الأموال الموجودة لديها، فإن تبين لها أنه لا يوجد لها مسار مشروع تقوم بردها بنفسها، وكنّا بصدد تعديل اتفاقية الفساد في هذا الشأن، وتنظيم إجراءات رد الأموال على هذا النحو، لكن تلك الجهود والمحاولات فشلت للأسف". وتابع: "طالبنا هذه الدول بأن تعلن عن حجم أموال المسؤولين السابقين الموجودة لديها، وحاولت تعديل اتفاقية منع الفساد على هذا النحو، وتناقشت مع وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطاني، ووافقني الرأي في ذلك، حيث أخبرته بأننا لا يمكننا استصدار أحكام بخصوص الأموال المنهوبة، إلا بعدما نعرف بداية كم تبلغ قيمة هذه الأموال، وطالبته بمساعدتنا عبر توجيههم أسئلة لأصحاب هذه الأموال حول مصادر حصولهم عليها، كنوع من تنفيذ قانون (من أين لك هذا؟)، على أن تتبناه الدول التي تلقت هذه الأموال". ورغم إقرار الوزير البريطاني بصحة هذا المسار إلا أنه الأمور كلها تعطلت لاحقا بسبب 03 يوليو 2013م.

واستشهد مكي على دعم المؤسسات الدولية للحكام اللصوص في بلادنا  بالاستقالة التي تقدمت بها كبيرة اقتصاديي البنك الدولي ونائبة رئيسه لاقتصاديات التنمية، بيني غولدبيرغ، في فبراير 2020، من منصبها الرفيع على خلفية رفض إدارة البنك الدولي نشر ورقة بحثية تدقّق العلاقة بين القروض والمساعدات الممنوحة منه إلى بعض الدول وما يتدفق من هذه البلدان من أموال إلى ملاذات ضريبية في الخارج. وكانت الورقة البحثية، التي رُفض نشرها آنذاك، تؤكد أن مسؤولين متنفذين في 22 دولة تقريبا، كانوا يسرقون المساعدات المقبلة من البنك الدولي، ويتزامن توزيع تلك المساعدات من زيادة أرصدة هؤلاء في عدد من البنوك الخارجية.