«خسارة الأهلي أمام الوداد».. هكذا تستخدم عصابة الانقلاب كرة القدم للسيطرة على المصريين

- ‎فيتقارير

أجواء مشحونة بالغضب والشعور بالحزن عمت الكافيهات الراقية والمقاهي الشعبية في مصر، والتي عجت بملايين المشجعين لكرة القدم، بعدما جرد الوداد البيضاوي نظيره الأهلي المصري من لقب دوري أبطال أفريقيا، بعد الفوز عليه بهدفين مساء الاثنين في المباراة النهائية ، وربما جاءت كرة القدم في مصر قبل الطعام والشراب والتعليم والعلاج بل والمستقبل عموما.

ويستغل السفاح السيسي قضايا الرأي العام ومنها كرة القدم والتي تثير الجدل في الشارع المصري، لاختطاف الأضواء من نقاشات جوهرية، عادة عن الممارسات غير الديمقراطية، وتستحوذ قضايا الرأي العام مثل الملاسنات الرياضية والسياسية، والتسريبات الجنسية وموجة من التفجيرات الإرهابية، على مناقشات مواقع التواصل الاجتماعي والشارع المصري، لاسيما لدى المعارضين، الذين ربطوا بين تصعيد الحديث عن تلك القضايا ومحاولة عصابة الانقلاب لإبعادهم عن القضايا الحقيقية التي تنضح بكوارث العسكر.

 

أفيون الشعوب

"القيامة قامت لأن الأهلي خسر مباراة أمس والناس نازلة شتائم وشماتة في بعضها والدنيا والعة على التايم بسبب مباراة تافهة، اللهم لا تجعل كرة القدم مبلغ علم ولا كل هم شعب مصر، الذي ينتفض من أجل مباراة ولا ينتفض من أجل دينه أو كرامته التي ضاعت مع عسكري انقلابي أفقر البلاد وأذل العباد" يقول شلبي محمود أحد النشطاء على موقع تويتر.

عمد الانقلاب في مصر منذ 30 يونيو 2013 إلى تزايد المساحة في التفاوت الطبقي الصارخ في مصر المأزومة، وتلعب كرة القدم دورا متزايدا كوسيلة للصعود الطبقي بشكل فردي للرياضيين والممارسين للصعود إلى قمة الهرم الطبقي وتجاوز الفقر، وبالرغم من أن ذلك لا يتم إلا لحفنة معدودة من اللاعبين المميزين، إلا أن حلم الشهرة والثراء يلعب دوره في جذب مئات الآلاف وربما الملايين من الشباب الطامح إلى الترقي الطبقي.

ولا شك أن وسائل الإعلام وأبواق العسكر تلعب دورا كبيرا في تنمية وزيادة هذا الدور بالتركيز على لاعبي الكرة وإفساح صفحات الجرائد لأخبار اللاعبين وفضائحهم والعمل على استضافتهم في البرامج التليفزيونية والتركيز على جعلهم المثل والقدوة والحل الأمثل للثراء السهل والسريع لملايين الشباب،  مثلهم كالفنانين والمطربين.

يقول الناشط الدكتور خالد عمارة  "مصر طوال عمرها مستواها متواضع بين فرق العالم لكرة القدم في مصر ففي الخمسينيات  لم يكن يتابع أخبار كرة القدم غير بعض البسطاء وبعض العمال في المدن ثم جاءت الثورة المجيدة  في ١٩٥٢ لتتبع نفس أسلوب حكم العسكر، إلهاء الشعوب بعيدا عن السياسة  فأصبح هناك تركيز على أخبار كرة القدم في الإعلام و زيادة تمويل أندية كرة القدم ، و بالتدريج تزايد عدد المتابعين و المهتمين ، و في السبعينيات تحول لقاء الدوري و الكأس بين الأهلي والزمالك إلى حدث هام جدا تتابعه وسائل الإعلام، و بالتالي ظهر لدينا متعلمون يتابعون كرة القدم باهتمام و شغف".

مضيفا "وتظهر التحليلات و المقالات و البرامج ، وطبعا متابعة هذه الأخبار الرياضية و الحماس و التعصب لا يصاحبه ممارسة رياضة ، لأن الهدف هو إلهاء العقول وليس تقوية الأبدان وتستعمل الرياضة اليوم في كل العالم ، يستعملها الأغنياء المسيطرون ، لإلهاء ضحاياهم من الشعوب عن حقوقهم وللتنفيس عن الكبت الذي تعيشه هذه الشعوب في حياتها الكئيبة التي لا تتضمن غير السعي على الرزق لتسديد ديون و متطلبات الحياة اليومية".

وتابع "لذلك تجد حماس الغوغاء في مصر لأخبار كرة القدم و ليس للسباحة أو الكرة الطائرة أو كرة السلة أو أي لعبة ، لأنها هي الرياضة التي قررت الحكومة أن تلهيهم بها فيتم التركيز الإعلامي عليها كرة القدم في الدول المتخلفة هي بديل الغوغاء و الدهماء عن التفكير في السياسة و الحقوق والحريات الأساسية كرة القدم هي أفيون الشعوب في الدول المتخلفة".

 

إلهاء  المصريين

إن جميع البشر متساوون، وتأتي الفروق من مقدار تحصيل العلوم وفهمها وخدمة مجتمعهم بها، لذلك فإن إنسان العصر الحديث هو ابن العلم الذي يحقق التقدم الاقتصادي والعلمي والعسكري، وهذا ما يرفع من شأن الدول ويجعلها جديرة بأن يكون لها موضع قدم مؤثر في حركة الحياة.

فلم نر دولة تقدمت بالأهداف الكروية أوالميداليات الأولمبية عن غيرها من الأهداف السياسية والاقتصادية والثقافية، ومع أهمية الأنشطة في حياة الإنسان إلا أن قائمة الأولويات لا بد أن يتقدمها الأهم من الأنشطة التي تؤثر عمليا في حياة المواطنين وتساهم في حل مشكلاتهم وترفع من مستوى معيشتهم، فهل كرة القدم لها دور في نهضة الدول وتحسين أحوال الناس، أم هي أداة تحويل تستثمرها الأنظمة الاستبدادية لخدمة مصالحها وإلهاء الشعوب؟

العلاقة بين الرياضة، وخاصة كرة القدم، وعصابة الانقلاب بمصر ليست جديدة، حيث يتم توظيفها، بتفاوت من طرف حكومات الانقلاب المتعاقبة منذ عهد الديكتاتور جمال عبد الناصر، وتتخذ هذه الظاهرة في عهد السفاح السيسي أبعادا قصوى، وأصبح منتخب مصر الوطني في كرة القدم، أداة لإلهاء المصريين عن مشاكلهم والصعوبات الاقتصادية اليومية، التي يعيشون في ظلها.

فبالإضافة إلى استقبال اللاعب محمد صلاح من طرف السفاح السيسي، يواصل السفاح السيسي كتابة تدوينات حول منتخب مصر، تارة للتشجيع والتحريض، وأخرى لتضميد الجراح بعد الفشل، وكأن كرة القدم ليست لعبة، بل معركة سياسية وعسكرية.

كما تتخصص وسائل إعلام العسكر في شحن المصريين، وصل إلى حد ترويج أن منتخب مصر ضحية التحكيم، عندما أقصي من كأس إفريقيا أمام الوداد في المغرب.

وإذا كان هذا طبيعي من طرف طغمة عسكرية تحكم مصر بالحديد والنار، فإن المؤسف هو أن تجر وراءها في هذه السياسة، صحفيين وصحافة ووسائل إعلام، تحول كرة القدم من لعبة هدفها الرئيسي التنافس الرياضي الشريف، إلى أداة لزرع الأحقاد بين الشعوب وتنمية مشاعر الشوفينية والكراهية.

في الوقت الذي من المفترض فيه أن تكون الصحافة وسيلة للتصدي لمثل هذه الممارسات المقيتة، بل عليها أن تقوم بدورها ومسؤوليتها الاجتماعية، في فضح التوظيف السياسي للرياضة، ضد الشعوب.

فإذا كانت كرة القدم لها دور كبير في نهضة الشعوب فلماذا لا نرى دول العالم المتقدم الذي صعد القمر واخترع التكنولوجيا وامتد نفوذه في الشرق والغرب لا يبالغ في الاهتمام بها مثلما تفعل الدول العربية، ومنها مصر، بل ينظرون إليها كنشاط محدود في الفاعلية والتأثير ولا يستحق أن يُنفق عليه ملايين الدولارات كما تفعل البلاد النامية التي تستنشق الجوع والفقر كل يوم؟

ولماذا لا نرى إسرائيل وهي لها اليد الطولى في كل شيء بالمنطقة سياسيا وعسكريا، لماذا لا تهتم بهذه اللعبة لا سيما أنها تمتلك كل الإمكانيات المتاحة لجعل منتخبها منافسا قويا في المسابقات الدولية؟

الإجابة بكل بساطة، لأنهم يعلمون أنه ليس باللعب وحده تتقدم الشعوب، وأن الدول التي تستمتع بقدر كبير من العدالة وينصرف جهدها لخدمة المواطن لا تحتاج لوسيلة تغطي بها على فشلها أو بطلان شرعية حكمها، فتلك الأدوات لا تجدها إلى في دول الانقلابات والشعوب المغيّبة.