لم تكد تمر أيام بعد هجرة بطل لعبة الإسكواش محمد الشوربجي، مصر وإعلانه اللعب باسم بريطانيا ، ومن قبله الآلاف من الأبطال والمبدعين المصريين في شتى المجالات، حتى جاءت نتائج دراسة أجرتها شركة  لينكد إن، والتي أكدت أن مصر تتصدر قائمة الدول الأكثر طردا للعقول والمبدعين بمجال تكنولوجيا المعلومات، على مستوى العالم.

وأعلنت شركة لينكد إن للتوظيف عن نتائج دراسة شاملة وموسعة، بالتعاون مع البنك الدولي، أظهرت تبوأ مصر رأس قائمة الدول الأكثر طردا للعقول المبدعة في مجال تكنولوجيا المعلومات، وجاء على رأس المجالات التي تخسر فيها مصر كوادرها المبدعة البحوث، تلتها البرمجيات والذكاء الاصطناعي وأفادت الدراسة نفسها بأن أكثر الدول المستفيدة من المواهب المصرية هي الإمارات العربية المتحدة، ثم ألمانيا، وكندا والكويت والولايات المتحدة الأميركية.

هجرة المهارات 

هذه ظاهرة قديمة، وما استجد عليها ويعد أخطر منها هجرة المهارات المتخصصة في الشؤون الصحية، مثل الأطباء والممرضين، كما يقول "نادر" وهو اسم مستعار لواحد من أساتذة تكنولوجيا الفضاء الذين يعملون في الخارج.

 

وهجرة العقول المبدعة من أجل فرص أفضل ليست مشكلة في حد ذاتها، وهي ظاهرة عالمية، إذ ينتقل صاحب التخصص الدقيق إلى بلد تتوافر فيه قاعدة علمية ومنظومة تستفيد من تخصصه وتفيده، لكن الخطر الذي تظهره دراسة "لينكد إن" يتمثل في "نزيف الكوادر التي تعتمد عليها صناعات مهمة وأنشطة حيوية، فمثلا هجرة الأطباء المتزايدة بالفترة الأخيرة، يهدد المنظومة الصحية في مصر.

 

كما أن هجرة الكوادر والمهارات التقنية للخارج خطرا سينتج عنه تأخر في هذه الصناعات.

ووفق شهادات عديدة، فإن الآلاف من الشباب المبدعين في مجالات تكنولوجيا المعلومات وأصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة ، يفرون من مصر للعمل في دول الخليج كفنيين ، بدلا من البقاء في مصر التي يواجهون فيها المثير من مصاعب العمل، كالضرائب والرسوم والملاحقات الأمنية واحتكار الكبار وتضييق الحكومة على عملهم بشتى الذرائع.

سوق التكنولوجيا 

ولعل من أخطر ما يهدد سوق التكنولوجيا بمصر، على جانب هجرة العقول، هو تدني مستوى البرامج التعليمية في معاهد التكنولوجيا وكلياتها بمصر، حيث باتت تلك الكليات والمعاهد، وفق شهود عيان، باتت وظيفتها أن تعطي للطالب شهادات للتأجيل من التجنيد، في حين أن المواد التي تدرس انتهت صلاحيتها، وباتت غير مطلوبة للسوق مع تسارع التقدم، ولا ينجو إلا من تدرب.

لدرجة شكوى كثيرين من مديري شركات تكنولوجيا المعلومات، حينما يطلبون فنيين، لتوظيفهم في شركاتهم، كان يتقدم إليهم خريجون لنظم المعلومات لا يستطيع الواحد منهم تنزيل نسخة ويندوز أو تنفيذ مهمات بدائية على الإنترنت أو في البرمجة ، وباتت الكثير من الشركات تعاني من إيجاد مبرمجين أكفاء بعد استقطاب دول الخليج وأوروبا المبرمجين لهم، فيما تستمر المعاهد التعليمية التقنية والمتخصصة في نظم المعلومات في ضخ المزيد من حملة الشهادات، من بين ألف منهم، يُعدون على أصابع اليد الواحدة من يمتلكون مهارات فنية وتقنية، وهم سرعان ما يلتحقون بأول فرصة للسفر والهجرة.

 

معدلات الهجرة 

كما يرجع  تزايد معدلات هجرة العقول التقنية أخيرا لانتشار فيروس كورونا، بشكل "دفع الشركات لإتاحة العمل من المنزل لموظفيها، ما أحدث ضغطا هائلا على طلب منظومات تقنية تتيح العمل من المنزل، ومع قلة الكوادر الفنية هناك، استعانت بعمالة من دول أخرى، وكانت مصر أقرب جغرافيا من الهند، المنافس الأكبر والأقوى عالميا في هذا المجال، والتي صادفت رغبة المصريين في الهجرة إلى الخارج.

وعلى الرغم من أنه من الأفضل للمرء ماديا أن يجلس في بلاده، ويحصل على الأجر نفسه، فإن المعيشة في الخارج باتت أقل وطأة على النفس من العمل في الداخل حيث التهديدات كثيرة، بجانب عدم التقدير او الاحترم المهني في مصر، ما جعل الخروج هو الاختيار الأول، كي يستطيع الشباب التنقل بحرية، وأيضا العمل بحرية، وبحسب شباب مصريون بالخارج، فإن ظاهرة الهجرة والتجنس بغير الجنسية المصرية تتخطى مجرد رغبة لاعب في الاحتراف أو فني في التكسب، بل تعد احتجاجا على تردي الأحوال عموما.

 

 

وبحسب  العالم المصري عصام حجي "قبل أن نغضب من لاعب فاضل بين إمكانات ورعاية كبيرة كانت أو صغيرة سخرت له في مصر على مدار السنين لظروف أكثر سخاء في إنجلترا، أحزن على آلاف الباحثين والطلبة الذين هاجروا وشتتوا بحثا عن الحد الأدنى من الإمكانات لإكمال رسالتهم في خدمة أمة اقرأ التي لا تقرأ غير أخبار اللعب والترفيه".

 

في المقابل، تقدم عضو مجلس الشيوخ ومساعد رئيس حزب الوفد للتخطيط الاستراتيجي، المهندس حازم الجندي، بطلب مناقشة عامة لرئيس مجلس الشيوخ، بشأن استيضاح سياسات الحكومة حول ظاهرة هجرة الكوادر والمهارات للعمل في دول الخارج، وجّه الجندي طلب المناقشة إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزيري التعليم العالي، والقائم بأعمال وزير الصحة والسكان، وكشف الجندي، في طلب المناقشة العامة، أن هناك ما يقرب من 110 ألف طبيب ـ على سبيل المثال ـ هاجروا من مصر خلال الثلاث سنوات الماضية، ما يمثل نصف عدد الأطباء المقدرة أعدادهم بحوالي 215 ألف طبيب، موضحا أن تلك الأرقام تشير إلى أن متوسط عدد الأطباء لكل مواطن في تناقص، حيث أصبح 10 أطباء لكل 10 آلاف مواطن في مصر، بينما يبلغ المعدل العالمي 32 طبيبا لكل 10 آلاف مواطن.

ولعل ما ينطبق على الأطباء  ينطبق على أساتذة الجامعات والمهندسين والمعلمين والمهنيين والفنيين والخبراء بشتى المجالات.

وهو ما يعني خراب مصر إنسانيا وحضاريا واجتماعيا وعلميا واقتصاديا.

كما يضاعف الماساة هو سيطرة العسكر على كافة فرص العمل والتوظيف والمشاريع ما يحول أمهر الفنيين والعلماء لمجرد أنفار او مقاولين يعملون من الباطن في مصر.

وهو ما تزايد خلال سنوات الحكم العسكري، حيث بات العسكر يسيطرون بالأمر المباشر على نحو 60% من المشاريع واقتصاد مصر، على الرغم من تواجد الآلاف من  الشركات وبيوت الخبرة التي تقدم عروضا ودراسات جدوى فائقة الجودة ، إلا أن السيسي ونظامه الذي لا يعترف بدراسات الجدوى، حيث خرج مرارا على شاشات التلفزيون وأمام جنوده وسمسارة مشاريعه، متفاخرا بأنه لو اتبع دراسات الجدوى، لم يكن تم من إنجازات في مصر ، وهو ما انكشفت خطورته بأن مصر باتت أكبر مدينة في العالم بعد الأرجنتين وباتت عرضة للإفلاس، بل باتت كل أموالها ودخلها القومي لا يكفي لسداد فوائد الديون فقط، بينما تزايدت الديون لأكثر من 300% عما كانت عليه قبل الانقلاب العسكري في 2013، بل باتت المشاريع تسند على الهواء مباشرة، على الحاج سعيد، بل وتخفض تكلفتها بنحو مليار جنيه على الهواء وهو ما يمثل قمة الاستخفاف بمقدرات مصر، وغالبا ما سيتم على حساب الجودة والدراسات العلمية، وهو ما ينجم عنه مصائب وكوارث يومية من حوادث طرق مثلا وانهيارات للكباري قبل تشغيلها، دون محاسبة أو مراقبة من أحد ، وهكذا يضيع العلم والعلماء بمصر ويتقدم الجهال والعسكر ليقودوا مصر إلى خراب وشر مستطير.

Facebook Comments