في يوليو 2018 أصدر معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط بواشنطن تقريرا بعنوان: "خمس سنوات من حرب مصر على الإرهاب"، كشف فيه بالأرقام أن قوات الأمن المصرية أعلنت رسميا (خلال الفترة من 2014 حتى منتصف 2018م) شن حوالي 3500 عملية أمنية، 40% منها في شمال سيناء. هذا في مقابل وقوع حوالي 2500 هجوم مسلح في السنوات الخمس التالية للانقلاب. وقد أدت تلك العمليات إلى مقتل سبعة آلاف شخص 95% منهم في شمال سيناء.
المعهد الذي يصدر تقارير دورية عن الأوضاع الأمنية في مصر، أشار إلى أن القوات المصرية تواجه جماعة (تنظيم ولاية سيناء التابع لتنظيم داعش) قد لا يتعدّى عدد أفرادها الألف. ومع ذلك، قتل سبعة أضعاف إجمالي المسلحين. كما قتل سبعمائة فرد من أفراد قوات الأمن المصرية في السنوات الثلاث التالية للانقلاب العسكري، وهو ضعف قتلى قوات الأمن المصرية خلال عقد الثمانينات، والذي شهد صراعا مسلحة بين النظام المصري والجماعات المسلحة. وقد وصل عدد قتلى قوات الأمن المصرية في شمال سيناء من يناير 2014 وحتى يونيو 2018 إلى 1226 فردا. ولا يعرف بالضبط عدد الضحايا المدنيين الذين سقطوا بسبب تلك المواجهات. وتقدر تقارير إعلامية عددهم بأكثر من ستمائة شخص في شمال سيناء وحدها من يوليو 2013 وحتى منتصف 2018. هذا بالإضافة إلى القبض على عشرات آلاف من المعارضين السياسيين والمشتبه فيهم ووضعهم في المعتقلات والسجون، وإزالة حوالي 6850 مبنى في رفح وترحيل عشرات آلاف من المواطنين.
وفي نوفمبر 2017، تعهد السيسي بالقضاء على «الإرهاب» في سيناء في غضون ثلاثة اشهر فقط، وكلف اللواء محمود فريد، رئيس أركان الجيش وقتها، وزير الداخلية وقتها اللواء مجدي عبدالغفار، باستخدام "القوة الغاشمة" في مواجهة المسلحين بعد جريمة مسجد الروضة التي راح ضحيتها أكثر من 300 مصل خلال صلاة الجمعة، وهي الجريمة التي تدور حولها شبهات كبرى حول تورط الكيان الصهيوني وأجنحة داخل نظام العسكر في ارتكابها فلم تعلن حتى اليوم أي جهة عن تبنيها لهذه الجريمة المروعة؛ وبعد انتهاء المدة المحددة؛ لم يعلن السيسي القضاء على الإرهاب كما تعهد بل أطلق في 9 فبراير2018م «العملية الشاملة» التي توصف بكبرى العمليات المسلحة ضد المسلحين في سيناء كلها؛ والتي امتدت حتى اليوم دون أن تحرز أي تقدم ملموس فضلا عن النصر الحاسم الذي وعد به السيسي، وكما روجت وسائل إعلام النظام مرارا وتكرارا منذ انطلاقها.
اليوم (يونيو 2022) يشن النظام حملة جديدة على أوكار تنظيم "ولاية سيناء" بمساعدة مليشيات القبائل، في ظل تصاعد المواجهات الأمنية في مدينة رفح بمحافظة شمال سيناء. وتشهد قرى بلعا والمطلة والحسينيات اشتباكات ضارية بين "ولاية سيناء" وقوات الجيش والقبائل التي خسرت نحو 5 عناصر من الجيش ومثلها من القبائل بسبب العبوات الناسفة ورصاص القناصلة وغيرها من أساليب وتكتيكات حرب العصابات التي يمارسها التنظيم ببراعة. لذلك لجأ الجيش إلى الطيران الحربي كما تم الدفع بقوات خاصة ومشاة لدعم تقدم عناصر المليشيات القبلية المساندة للجيش التي تتقدم الصفوف ويقع بها أكثر القتلى والمصابين.
ويتجه النظام نحو الإفراج عن مئات المحتجزين على ذمة قضايا تهريب لزيادة عدد عناصر القبائل في المواجهات؛ بيما يستمر اعتقال الآلاف من أبناء سيناء بلا تهم، أو تم تلفيق تهم لهم بالانتماء إلى تنظيمات إرهابية، ودعم المقاومة الفلسطينية في غزة، أو السعي للإضرار بالأمن القومي.
الحملة الجارية توصف بأنها الأكبر منذ سنة 2013م، بمشاركة حاشدة من قبائل الترابين والسواركة والارميلات، وبعد المعارك المتعددة التي اندلعت على مدار الشهرين الماضيين، تمكنت القوة العسكرية المشتركة من إنهاء وجود "ولاية سيناء" بمناطق واسعة في نطاق قرى جنوب مدينتي رفح والشيخ زويد، وسط خسائر فادحة في صفوف الطرفين. وكان للمجموعات القبلية النصيب الأكبر من الخسائر، إذ فقدت العشرات من عناصرها، فيما أصيب أغلبية المسؤولين عنها في هجمات متنوعة لتنظيم "ولاية سيناء"، الذي لم يستسلم بسهولة، وهو ما كان متوقعاً من قبل الجهات الأمنية والعسكرية في سيناء.
وبحسب صحيفة "العربي الجديد"، أضحت الخريطة الجديدة في سيناء تشير إلى أن المناطق المسترجعة من "ولاية سيناء" تبدأ من الحدود المصرية مع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، حيث قرى جنوب رفح، بدءاً من البرث والصبات باتجاه نجع شيبانة والطايرة وجوز أبو رعد والكيلو 21 والخرافين، وصولاً إلى قرى الشيخ زويد، حيث المهدية والجورة والمقاطعة وأبو العراج واللفيتات والزوارعة والظهير والتومة. في المقابل، لا تزال كامل مناطق ساحلي مدينتي رفح والشيخ زويد تحت سيطرة التنظيم، بدءاً من بُعد كيلومتر عن الحدود البحرية الفاصلة بين قطاع غزة وسيناء، وصولاً إلى بحر الشيخ زويد، بمسافة تصل إلى 12 كيلومتراً، وعرض 3 كيلومترات.
وفقا لمحلليين فصعوبة جبهة غرب رفح تعود لعدة أسباب أهمها، الطبيعة الجغرافية لمناطق بلعا والمطلة والحسينيات والذيبة وغيرها من مناطق غرب رفح والساحل. كما يعتبر "داعش" هذه المناطق بمثابة قلعة خاصة به، لا يمكن السماح بسقوطها، نظراً إلى تواجد قوة عسكرية وعملياتية ولوجستية كبيرة تابعة للتنظيم في تلك المناطق، وبالتالي فإن فقدانها سيؤثر على قوة التنظيم في شرق محافظة شمال سيناء بالكامل، ويعني أن الأمن سيطر على مدن رفح والشيخ زويد بشكل تام وكامل، ولا يمكن للتنظيم الحياة فيها مجدداً، في ظل تحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة، يحظر التحرك فيها. لكن التركيبة العسكرية للتنظيم التي تعتمد على الخلايا المنفردة، والتي لا علاقة لها بغيرها من المجموعات، تعنيان أننا أمام تنظيم معقد، قد لا يؤثر عليه كثيراً فقدان الأرض، وإنما يتأثر بالضرر الذي يلحق بقوته البشرية بشكل ملموس، إلا أن ذلك لا يبدو واضحاً، في ظل أن غالبية الخسائر البشرية تقع في صفوف القوات الأمنية، واتحاد القبائل العامل معه.
وفقا لمراقبين فإن الوضع في رفح سيحدد وضع سيناء بأكملها، فسيطرة قوات الجيش والقبائل على هذه المناطق تعني أن الجزء الأكبر من سيناء بات خاليا من "داعش"، هذا في حال لم يتمكن أفراد التنظيم من الهرب في اتجاه الجبهات الأخرى، كبئر العبد والمغارة وسط سيناء، التي بدأ التنظيم في تفعيلها خلال الساعات الماضية، لتخفيف الضغط عن جبهة غرب رفح، موقعاً خسائر بشرية في صفوف الجيش والقبائل.
واتفقت كثير من مراكز البحث وتقديرات المشهد على أن الدولة بنزاعها مع تمرد مسلح صغير يصل عدده بين 1000 أو 2000 شخص خلقت أفضل بيئة يمكن أن تتمناها أي جماعة مسلحة، إذا فقدت عائلة مصدر رزقها وعيشها، لا يصعب تجنيدها في سياق متطرف، القوات المسلحة بهذا الأسلوب خسرت معركة كسب العقول والقلوب، وبالطبع معركتها العسكرية. ولهذه الأسباب اعتبرت صحيفة The Washington Post الأمريكية، ما يحدث في سيناء هو شكل من أشكال التمرد على ظلم الدولة المصرية، وأن سيناء تشهد حرباً أكثر ضراوة منذ سنوات، لكن لا أحد يعرف عنها سوى القليل. وقالت الصحيفة الأمريكية ــ في تقرير لها في يونيو 2019 ـ إن قوات الجيش والشرطة المصرية فشلت مراراً في إخماد تمرُّد استمدَّ جذوره من الحرمان وغيره من أشكال الظلم داخل الدولة.