كيف حرم السيسي فقراء مصر من 17 مليار جنيه كانت تنفقها الجمعيات الخيرية عليهم؟

- ‎فيتقارير

 

 

في ظل فشل حكومة المنقلب السيسي في توفير  الحياة الكريمة لملايين المصريين من الفقراء والمعوزين، إثر غلاء فاحش وفقر مدقع يتوسع ، وانهيار قيمة الجنيه وندرة في السلع، وجشع الحكومة غير المسبوق في زيادة أسعار الخدمات والكهرباء والمياه والاتصالات ورسوم استخراج كل الوثائق والمعاملات الحكومية ، تتزايد معاناة الغلابة ومحدودي الدخل، الذين كانت تغطي جزءا من نفقاتهم وحاجياتهم الجمعيات الخيرية  وخاصة الإسلامية، والتي سيطر عليها السيسي عقب الانقلاب ، بل وقضى على نشاطها تماما، سواء بالمصادرة والإغلاق أو تعديلات قانون الجمعيات الأهلية ، الذي بات سيفا مسلطا على المجتمع المدني ككل، واستخدم السيسي القوة الغاشمة إزاء المجتمع المدني، الذي كان يسعه أن يسيطر عليه ويشغله ويديره تحت إشرافه ووفق توجها ته، لكن لا يوقف خدماته، التي كانت كفيلة بمعالجة نحو 40% من معاناة المجتمع المصري ، ولكن الوحشية العسكرية والقمع والاستبداد لم يأبه بمعاناة المصريين وجوعهم، وفضل الإغلاق ، ما ضيع على فقراء مصر نحو 17 مليار جنيه كانت تنفق على الغلابة من قبل الجمعيات الخيرية وخاصة الإسلامية  سنويا، وفق دراسات علمية.

 

 

وقد حرص نظام السيسي، بوصفه من النظم التسلطية على منع قيام مؤسسات مجتمع مدني "مستقل" وفي حالة السماح بها فهي تُخضعها للرقابة والسيطرة، المعرقلة لها والتي تفرغها من مضمونها.

 

واستخدم السيسي قانون "الجمعيات الأهلية" الذي أقره البرلمان ، في 24 مايو 2017 وسيلة قانونية للسيطرة على الجمعيات.

وقد  فرض  القانون قيودا هائلة على تأسيس المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية، وأهدر عملها وجفف منابعها، بل ذهب لمعاقبة من يخالف القانون بالسجن لمدة تصل إلى 5 سنوات، وبغرامة تصل إلى مليون جنيه، ما أبعد الكثير من نشطاء العمل الاجتماعي والمدني عن العمل الخيري والأهلي من أساسه.

 

حيث تم التضييق على عمل نحو 47 ألف جمعية محلية، خصوصا منها ذات الطابع الإسلامي، بالإضافة إلى 100 جمعية أجنبية، وغيرها من الجمعيات التي كانت تقدم خدمات تطوعية للمواطنين الفقراء.

 

وقد سبقه حكم المحكمة الصادر بحظر أي جمعية تتلقى التبرعات إذا كان بين أعضائها أحد المنتمين إلى الإخوان المسلمين، وأتبعه قرار تجميد أموال الجمعيات الخيرية كوسيلة لتجفيف منابع التمويل، حسب تفسير الحكم.

 

هذه الإجراءات ساهمت بزيادة الضغط على الطبقات الكادحة التي تعاني الفاقة نتيجة الإجراءات الاقتصادية الصعبة التي تفرضها الحكومة، ومع التغول العسكري في مفاصل الدولة وجميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية، انحسر العمل الأهلي في مصر، الذي كان يقوم على تعويض عجز النظام، وحماية ملايين المواطنين من أزمات كبرى.

 

القرار أدى إلى تفجير الأوضاع الاجتماعية، وزيادة غضب المستفيدين من أنشطة هذه الجمعيات نحو الدولة أكثر منه نحو الإخوان.

 

وعبر سنوات وعقود لعبت الجمعيات الخيرية الإسلامية في مصر حالة خاصة من حالات المجتمع المدني، حالة أكثر فعالية وحضورا، لتغلبها على معوقات العمل الأهلي، ورغم ما تعرضت له هذه الجمعيات من حين إلى آخر من إجراءات أمنية وبيروقراطية، تصل إلى الحل وتطبيق عقوبة الحبس للقائمين عليها، فإن ارتفاع نسبة هذه الجمعيات، الذي وصل إلى 35% من مجموع الجمعيات في مصر سنة 2002، يؤكد أنها ظاهرة وحركة اجتماعية مرنة، قادرة بمكوناتها الدينية المختلفة على الاستمرار والتغلب على مختلف مشاكلها.

 

ويرى الباحث أحمد زغلول شلاطة في كتابه "الإسلاميون في السلطة، تجربة الإخوان المسلمين في مصر" أن العاملين في المجال الخيري بجميع توجهاتهم ينطلقون من قاعدة "التكافل الاجتماعي" بين المسلمين كواجب شرعي على القادر ماديا، وذلك من خلال فريضة الزكاة التي تُفرض على كل مسلم قادر.

 

لذا وُجدت جمعيات خيرية تقوم على كفالة قطاعات من المجتمع ممن لا يصل إليهم دعم الدولة، حيث ساعدتها الأوضاع الاقتصادية المتردية على لعبها دورا مهما في الحياة المصرية، سواء من النواحي الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، فعلى المستوى الاجتماعي تتمحور أنشطتها ما بين كفالة أيتام ورعاية مرضى ومساعدات فقراء وإغاثات في الكوارث الإنسانية في مصر وغيرها من الدول الإسلامية.

 

وعلى المستوى الاقتصادي فإسهاماتها الاقتصادية عن طريق المشروعات التنموية التي تقدمها بعض هذه الجمعيات تؤثر في الاقتصاد القومي بضخ رأسمالها في شرايينها، وما يترتب عليه من خلق فرص عمل للشباب، مما يسهم في التقليل من نسب البطالة، بالإضافة إلى التخفيف عن كاهل ميزانية الدولة برعايتها قطاعات خارج إطار الدعم.

 

أما تمويل هذه الأنشطة فتكون من التبرعات التي يقدمها القادرون ماديا كمساعدات منهم، سواء من مصر أو من الخارج، وينظم القانون قبول هذه التبرعات، وأيضا الزكاة.

 

وتعتبر جماعة الإخوان المسلمين أول من ابتكر فكرة الأسواق الخيرية في مصر؛ لتقليل العبء المادي على المواطنين جراء ما يحدث من ارتفاع للأسعار بشكل كبير.

شبكة ضمان اجتماعي تقطعت

 

وتمثل الجمعيات الخيرية، التي أغلقها السيسي بإقراره لقانون "الجمعيات الأهلية" شبكة ضمان اجتماعي واسعة للفقراء، تقوم بدور كبير في سد حاجة الفقراء، ذلك أن قيمة العمل الخيري حسب تقديرات الحكومة المصرية في 2008/2007 بلغت 17 مليار جنيه، وقد تجاوز هذا الرقم بكثير في السنوات التي تلتها.              

 

وحسب الدكتور عبد الحافظ الصاوي فإن "إغلاق الجمعيات الخيرية، ساهم بشكل كبير في تعرية دور الدولة بشأن حماية الفقراء، وحتى الجمعيات الخيرية القائمة حاليا لا تعمل بالكفاءة التي كانت عليها، لأنها تحت رقابة أمنية مشددة، ويُحجم الكثير من المتبرعين عن دعم تلك الجمعيات، خشية الملاحقة الأمنية أو الاتهام بتمويل الإرهاب".

 

ويعتبر التصديق الرسمي على هذا القانون يضع نهاية شبه حتمية للعمل الخيري في دولة كان يتحمل هذا القطاع الأهلي فيها الجزء الأكبر من التزامات الدولة تجاه مواطنيها الفقراء، فطيلة العقود الماضية حلت الجمعيات الأهلية كـ"حكومة موازية" تسعى إلى علاج جوانب القصور في الدور المجتمعي للحكومة، لا سيما أنها كانت تغطي المناطق البعيدة داخل الأقاليم والنجوع التي تسقط في كثير من الأحيان من حسابات الأنظمة الحاكمة.

 

فقد عوضت تلك الجمعيات غياب دور النظام في تقديم الخدمات المجتمعية للفقراء، من علاج وتعليم وتنمية مجتمعية ودعم مادي، إلى غير ذلك من تلك الخدمات التي تفوقت فيها تلك الجمعيات ونجحت من خلالها في تحمل الجزء الأكبر من أعباء الحكومة.

فشل مشروع تكافل وكرامة

 

وعبثا حاولت حكومة السيسي استعاضة دور الجمعيات الخيرية الإسلامية بمشروع حكومي، تكافل وكرامة، إلا أنه فشل في تغطية ومعالجة أوجاع الفقراء الذين بات عددهم يقترب من 80 مليون مصري،  معظمهم يعانون الفقر المدقع.

وبالنسبة لبرنامج تكافل وكرامة، فهوبرنامج يعطي الحد الأقصى للمعاش 450 جنيها للأسرة وليس الفرد، وهذا يعني أن الأسر المكونة من فردين، ترزح تحت خط الفقر المدقع ، ولم ينجح البرنامج في أن يتحول إلى  سياجا حقيقيا للمستفيدين منها، يحميهم من حياة غير كريمة ويحميهم من الأمراض ويدفعهم للتعليم الصحيح ويؤهلهم لسوق العمل، لكن الواقع غير ذلك.

 

ولعل غياب العمل الخيري وخاصة الإسلامي وما يحمل من رؤى إغاثية وتنموية، يدفع ثمنه ملايين الفقراء من المصريين، فيما باتت الحكومة تتاجر بأوجاعهم عبر برامج لا تسمن ولا تغني من جوع، كما أن معارضها للسلع باتت أضحوكة الفقراء أنفسهم، الذين  يشترون السلع من المحال العادية بأسعار أرخص مما تباع في المعارض الحكومية، وسط سيطرة عسكرية تامة على الاقتصاد المصري، تفاقم أزمات ملايين المصريين الذين باتوا عاطلين عن العمل، حيث استبدلهم النظام بجنود السخرة من المجندين، الذي يؤدون الخدمة العسكرية في المزارع والمصانع والمتاجر العسكرية، يبيعون الخيار بالشوارع ويربون المواشي ويزرعون الأرض ويصنعون الجبن وغيرها من المنتجات بمصانع العسكر.