تصريحات وزير المالية بحكومة الانقلاب محمد معيط، بشأن مخاوف الحكومة من استمرار أزمة ارتفاع أسعار السلع الغذائية والأساسية من أن تتطور إلى "مجاعات"، ألقت بظلال سوداء على مدى قدرة نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي على توفير احتياجات مصر من الغذاء في ظل أزمة  تراجع إيرادات الدولة وتزايد الاحتياجات إلى الدولار.

وحذر معيط الأربعاء 22 يونيو 2022م في تصريحات تلفزيونية على هامش منتدى قطر الاقتصادي من حدوث مجاعات قد تنتج عنها أعداد كبيرة من الضحايا؛ نتيجة لعدم القدرة على توفير الطعام والشراب، مطالبا الدول "بصرخة" من أجل العمل على حل الأوضاع الحالية قبل فوات الأوان.وأضاف معيط،  أن أكثر من 90% من استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية خرجت بالفعل، بعد الأزمة الروسية الأوكرانية”. وكشف معيط أن استثمارات الأجانب بأدوات الدين المصرية 34.1 مليار دولار في سبتمبر الماضي، ثم انخفضت إلى 28.8 مليار دولار في ديسمبر الماضي، وفقاً لأحدث أرقام رسمية متاحة. وأعرب وزير المالية لوكالة بلومبرغ عن قلقه بشأن المزيد من الرفع لأسعار الفائدة من قِبل البنك المصري المركزي، وأضاف: “آمل أن ندع الاقتصاد المصري ينمو، فتكلفة التمويل المرتفعة ستمثل مشكلة”. إلى ذلك، أعلن معيط خلال المقابلة  أن بلاده تفاوض صندوق النقد الدولي على 3 برامج،والأرجح أن نتجه لبرنامج تمديد التسهيلات التمويلية لمدّة 4 سنوات.

https://www.youtube.com/watch?v=1-Gz15fMumc

في أعقاب البلبلة  الي تسببت فيها تصريحات الوزير،  أصدر المرصد الإعلامي بالوزارة بيانا يقول فيه إن تصريحات معيط حول الأزمة العالمية للغذاء أخرجت من سياقها. وأضاف المرصد، في بيان توضيحي، أن محمد معيط وزير المالية، دعا على هامش منتدى قطر الاقتصادى، إلى ضرورة تكاتف الجهود الدولية للتغلب على أزمة الغذاء العالمية، ولم يتطرق من قريب أو بعيد إلى وجود أزمة غذائية في مصر. وأوضح أن الأمن الغذائي المصري في وضع مستقر، وأن الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الغذائية يكفي 6 أشهر، وأن السلع متوفرة بالأسواق، متابعا: «تجاوزنا من قبل جائحة كورونا بتداعياتها الصعبة على كل دول العالم، دون أن تختفي سلعة واحدة من الأسواق، سنتجاوز أيضًا الآثار السلبية للأزمة العالمية الراهنة دون أن تختفي سلعة واحدة من الأسواق».

ويتجاهل بيان الوزارة أن المشكلة ليست في اختفاء السلع الغذائية بل في عدم قدرة المواطنين على شرائها بسبب الغلاء الفاحش الذي لم يسبق له مثيل. من جانب آخر فإن معيط اعترف بهروب 90%  الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومي حيث كانت 34.1 مليار دولار، في سبتمبر 2021م، ، ثم انخفضت إلى 28.8 مليار دولار في ديسمبر الماضي، وفقاً لأحدث أرقام رسمية متاحة. معنى كلام الوزير أن نحو 30 مليار دولار من الأموال الساخنة هربت من السوق المصري خلال الشهور الست الأولى من 2022م. الأمر الذي ينعكس على قدرة الحكومة في توفير فاتورة الاستيراد الضخمة حيث تصل إلى نحو 80 مليار دولار سنويا، بينما لا تزيد فاتورة التصدير عن 40 مليارا فقط، ما يعني أن الفجوة تصل إلى نحو 40 مليار دولار سنويا.  في ظل تراجع إيرادت الدولة على نحو كبير بما يهدد قدرتها على استيراد السلع الغذائية وأبرزها القمح حيث تعتبر مصر أكبر مستورد للقمح في العالم. وتستورد مصر نحو 65% من غذائها، حيث عجزت حكومات العسكر منذ انقلاب 23يوليو 1952م عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء؛ حيث كانت مصر قبل هذا التاريخ لا تعاني من أي مشاكل في أمنها الغذائي. وتقول الحكومة إن ارتفاع أسعار القمح لأعلى مستوياتها على الإطلاق، مع الضغط الحالي على العملة المحلية، سيكلّف الدولة 3 مليارات دولار أعباءً إضافية، لافتا إلى أن بقاء سعر برميل النفط عند 122 دولار سيكلّف الموازنة 7.2 مليار دولار، ما يعني أكثر من 10 مليارات دولار زيادة في بندين اثنين.

 وتعد مصر في قلب الأزمة الغذائية، إذ حذرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "فاو" من أن مصر تواجه تحديات فيما يتعلق بالأمن الغذائي، خاصة أن أكثر من نصف المصريين (54.4%) لا يستطيعون تحمل تكلفة نظام غذائي كاف، وغالبيتهم (84.8%) لا يستطيعون تحمل تكلفة نظام غذائي صحي.

وتقول المنظمة الدولية إن مصر لا تمتلك سجلا جيدا عندما يتعلق الأمر باستدامة النظام الغذائي بشكل عام، إذ تسجل دراسة الفاو البلدان على أساس استدامة الغذاء من الصفر إلى 1، ويشير الصفر إلى التصنيف الأدنى والـ 1 هو الأعلى، وحصلت مصر على 0.32 مقارنة بـ0.38 لتونس والمملكة العربية السعودية و0.52 للإمارات و0.70 للولايات المتحدة. تشير أحدث بيانات لجهاز الإحصاء بمصر إلى تدني نسب الاكتفاء الذاتي للعديد من أنواع الغذاء خلال عام 2020، لتصل النسبة إلى أقل من 1% للعدس وفول الصويا، و17% للفول الجاف و23% لبذور عباد الشمس و26% للبقوليات، و41% للقمح و42% للحوم البقر و45% للذرة الشامية و50% لمجموع الحبوب و78% للأسماك.

ويؤكد أستاذ العلوم الزراعية، الدكتور عبد التواب بركات، أن "الأزمة الغذائية في مصر حقيقية وعميقة، بدليل ارتفاع أسعار الغذاء لأكثر من 15 بالمئة الشهر الماضي، وفق جهاز الإحصاء، وهي نسبة قريبة جداً من معدل ارتفاع أسعار الغذاء في أوكرانيا في نفس الشهر، وكأن رحى الحرب تدور في مصر وليس في أوكرانيا". ويضيف في تصريحات صحفية: «في تقديري أن نسبة المصريين الذين لا يستطيعون تحمل تكلفة الغذاء والذين لا يستطيعون الوصول إلى نظام غذائي كاف حاليا أكبر من النسبة التي أعلنتها منظمة الفاو نهاية السنة الماضية؛ بسبب تداعيات الحرب في أوكرانيا على ارتفاع أسعار الخبز وزيت الطعام والأعلاف، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الدواجن والبيض ومعظم الأغذية».

 

من المسئول؟

السبب الرئيس والأول في أزمة القمح في مصر هو السياسات الزراعية العليا التي ترسمها ما تسمى بالأجهزة السيادية وعلى رأسها مؤسسة الرئاسة وجهاز المخابرات العامة. فعلى مدار العقود الماضية ومنذ انقلاب 23 يوليو 1952م، تحولت مصر من بلد زراعي يحقق الاكتفاء الذاتي من الغذاء لمواطنينه إلى بلد مستهلك يستورد أكثر من 65% من غذائه من الخارج. ولا سيما المحاصيل الإستراتيجية كالقمح والفول والعدس واللحوم والزيوت.

وحتى ندرك أزمة التوجهات العليا  في القطاع الزراعي الحاكمة للدولة المصرية تحت حكم الجيش في مصر ؛ فإن هناك معادلة غير مكتوبة بين النظام والقوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية تقتضي بأن تبقى مصر دائما في حاجة إلى استيراد الغذاء والسلاح، وفي حاجة مستمرة للعالم الخارجي.

  • أولا، يبرهن على ذلك تصريح سابق للرئيس السوداني السابق عمر البشير الذي كشف فيه أنه «كان قد عرض على الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك منحه مليون فدان في السودان لزراعتها قمحا، ورد الرئيس مبارك عليه بأن ذلك يغضب الأمريكان، مما دفعه لعدم قبول العرض السوداني!».
  • ثانيا، بعد ثورة 25 يناير، تم نشر روايات عن إصرار مبارك على عدم التوسع في زراعة القمح لحل مشكلة القمح في مصرحتى تظل مصر تحت وطأة التبعية الاقتصادية والسياسية لأمريكا، فقد ذكر الدكتور محمد سليم العوا، المفكر الإسلامي والمرشح الرئاسي السابق في انتخابات 2012، أن «أحد أساتذة كلية الزراعة زرع 150 فداناً بنوعية عالية الجودة من القمح أعطت إنتاجاً رائعاً، فجاء وزير الزراعة يوسف والي ليرى التجربة ووعد بتقديم جائزة للأستاذ، وبعد أيام فوجئنا بالبلدوزرات تقتلع القمح وحولت المزرعة إلى خرابة وكان الذي أرسلها هو يوسف والي وزير الزراعة حينها». وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أنه كان هناك إمكانية لحل مشكلة الفجوة الغذائية من القمح في مصر، ولكن الإرادة السياسية للنظام لم تكن تريد لمصر أن تحقق الاكتفاء الغذائي، وفضلت استمرار التبعية الاقتصادية للدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وغيرها؛ معنى ذلك أن مبارك فضَّل أن تبقى مصر تحت رحمة الأجانب خوفا من أن تنقلب عليه أمريكا.
  • ثالثا، يبرهن على ذلك أيضا، أن الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي، عندما أعلن بوضوح كامل أن برنامجه يقوم على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء والدواء والسلاح، انقلبوا عليه بعد عام واحد فقط بالحكم رغم أنه الرئيس الوحيد في تاريخ مصر  الذي جرى انتخابه بإراردة الشعب الحرة النزيهة. ثم بعد ذلك ساموه سوء العذاب ولفقوا له التهم الكيدية حتى لقي ربه شهيدا بعد ست سنوات في سجون الجنرالات  في يونيو 2019م.
 

 

 

Facebook Comments