في إطار استراتيجية نظام السيسي المتوحشة رأسماليا، والهادفة لتحصيل  الأرباح والأموال الطائلة من وراء أي شيء في الوطن يمكن أن يباع، سواء من جيوب المواطنين الفقراء الذين باتوا يمولون أكثر من 77% من موازنة مصر عبر الضرائب، أو نزع ملكية الأراضي والمساكن والمناطق المتميزة اقتصاديا وجغرافيا، تحت غطاء التطوير.

وعلى عكس كل دول العالم التي تقوم بتطوير المناطق العشوائية أو الخطيرة عمرانيا ، بعد توفير البديل المؤقت المناسب للسكان بالتراضي، سواء بتوفير الإيجار المادي أو السكن الملائم لفترة مؤقتة لحين الانتهاء من عملية التطوير، ثم إعادة السكان إلى مناطقهم، مع بناء وحدات إضافية رأسيا في المساكن، كتعويض للدولة عما أنفقته تقوم ببيعه أو تأجيره لصالح حزينة الدولة، بما يضمن عدم تحميل السكان أي مصروفات أو أموال أو أعباء، وكذلك عدم خسارة الدولة، ويستفيد المواطن المحلي بسكن جديد ومتميز ومطور بجانب إدخال مساحات خضراء ومجمعات وخدمات متطورة، وهو ما يحمي المجتمعات المحلية ويرتقي بها، وهو ما تقوم به السلطات التركية بالفعل في تطوير مناطق إسطنبول والمناطق القديمة ، وفق مهندسين ورجال أعمال مصريين يشاركون في مقاولات البناء.

أما في مصر السيسي، فيتوالى الهدم ونقل السكان لمناطق بعيدة في مساكن إيواء، يفاجئون بأنها مخصصة لهم فقط دون أبنائهم وبالإيجار، كما اشتكى  الكثيرون من أهالي الأسمرات وغيط العنب وأهالي نزلة السمان المنقولين لحدائق أكتوبر.

ومؤخرا أعلن نظام السيسي عن تطوير مناطق مصر القديمة وسور مجرى العيون، ونقل السكان إلى مناطق في قلب صحراء السلام والنهضة ، أو بتعويضات مالية أقل من سعر أي مكان في عموم مصر ، وهو نفس السيناريو الذي تم مع سكان بولاق أبو العلا وماسبيرو، قبل البدء في إخلاء المنطقة المطلة على كورنيش النيل،  حيث طرحت الحكومة على السكان التعويض بواقع 140 ألف جنيه لشققهم أو نقلهم بمناطق مساكن في السادس من أكتوبر البعيدة عن وسط القاهرة، وهو ما جرى أيضا مع الكثير من سكان المناطق بوسط القاهرة ومصر القديمة، ليدرك السكان بأن مناطقهم جرى تحويلها لأبراج ومساكن فارهة ومولات اشتراها المستثمرين الإماراتيين والخليجيين،  ما عاد على الحكومة بمليارات الدولارات، فيما يعاني السكان الأصليين من السكن في شقق لا تتجاوز 60 مترا، وفي أطراف القاهرة، بل الطامة الكبرى أن يجري مطالبة السكان الذين وافقوا على التعويض بسكن بدييل بأن عليهم أن يدفعوا إيجارا لتلك الشقق الضيقة.

ومؤخرا ومع تسارع عملية إخلاء سكان مصر القديمة ومساكن سور مجرى العيون،   جرى الإعلان عن بيع وحدات سكنية في منطقة سور مجرى العيون بالدولار للمصريين المقيمين بالخارج، على أن يباع المتر بسعر نحو 850 دولار، ما يعادل نحو 17 ألف جنيه للمتر الواحد، فيما جرى تعويض السكان بنحو 40 ألفا للغرفة الواحدة أي ما يعادل نحو 120 ألف جنيه للشقة التي قد يصل سعرها لأكثر من 2 مليون جنيه ، وهو ما يمثل قمة التوحش الرأسمالي للسيسي وونظامه ، وهو ما دفع المحامي خالد علي لإقامة دعوى قضائية، لإلزام الحكومة بأن تساوي بين المصريين وتجعل الحجز بالجنيه المصري.

 

وخلال الأيام الماضية، بدأت محافظة القاهرة في أعمال إزالة 3 مناطق سكنية، هي "الجيارة" و"حوش الغجر" و"السكر والليمون" الواقعة في حي مصر القديمة، ضمن أعمال تطوير محيط "سور مجرى العيون" الأثري، مع حصر أعداد أهالي هذه المناطق لتوفير سكن بديل لهم، وذلك لتنفيذ مشروع سياحي وثقافي وترفيهي عقب إزالة مدابغ سور مجرى العيون، ونقلها إلى مدينة الروبيكي للجلود التي تبعد 56 كيلومترا عن وسط القاهرة.

 

وشهدت مناطق عديدة في القاهرة  تنفيذ حملات لإزالة العقارات، وتهجيرا قسريا للمواطنين تحت مزاعم التطوير.

 

وهو ما أغضب ملايين المصريين، الذين باتوا عرضة للتهجير القسري، بغرض إقامة المشروعات الاستثمارية في مكانها؛ ما يتعارض مع تعديلات قانون نزع الملكية للمنفعة العامة، لا سيما أن هذه العقارات ليست آيلة للسقوط.

ووفق  خبراء معماريين، تغيب عن مخططات التطوير الشفافية، وتتجاهل المشاركة المجتمعية، وتحاول فرض رؤية الدولة بالضغط على السكان، واستخدام القوة القاهرة على نحو واسع، الأمر الذي تسبب في رفض وغضب الأهالي في مواقع متعددة مثل جزيرة الوراق ونزلة السمان وشارع ترسا في محافظة الجيزة، ومنطقة المكس في الإسكندرية، وترعة المحمودية في البحيرة.

 

ويتهم باحثون وخبراء في علوم البناء والتخطيط العمراني السلطات المصرية بإحداث شروخ لا يمكن معالجتها في النسيج العمراني للقاهرة، وغالبا لا تستعين الحكومة بآراء الخبراء، كما لا تحترم وجهة نظر الأهالي والسكان واختياراتهم، أو تأخذ في الاعتبار البعد التاريخي والنسيج العمراني للمناطق قبل هدمها.

 

وتستند عمليات الهدم إلى قرار السيسي رقم 187 لعام 2020، والذي يتضمن تعديلا لبعض أحكام القانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، ونص القرار على "تقرير المنفعة العامة بقرار رئيس الجمهورية، أو من يفوضه، مرفقا به مذكرة ببيان المشروع المطلوب تنفيذه، وقيمة التعويض المبدئي للسكان بعد نزع عقاراتهم".

 

يشار إلى أن الدعوة التي أقامها الحقوقي خالد علي حملت الرقم 58014 أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، أمس السبت، اختصم فيها رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، ووزير الإسكان والمرافق، عاصم الجزار ورئيس هيئة المجتمعات العمرانية، ورئيس الهيئة القومية للإسكان الاجتماعي، بصفتهما، على خلفية قرار فتح باب حجز الوحدات السكنية في منطقة "سور مجرى العيون" بعد تطويرها، في قلب القاهرة التاريخية.

 

وانتقد علي، في دعواه، قصر الحجز في هذه الوحدات على المصريين المقيمين في الخارج دون غيرهم وسداد قيمتها بالدولار الأميركي، بما يمثل إخلالا جسيما في مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص الواردة في الدستور والقانون، مستطردا بأن "حرمان المصريين المقيمين من التنافس على هذه الوحدات لم يستند لأسس موضوعية يقتضيها الصالح العام".

 

 

وتابع "طرح الجهة الإدارية للوحدات السكنية في كافة أنحاء البلاد يجب أن يكون لجميع المصريين من دون تمييز، سواء كانوا مقيمين داخل البلاد أو خارجها؛ فلا يجوز قصرها على فئة معينة، خصوصا أن الوحدات المطروحة ليست ذات طابع اجتماعي لمتوسطي أو محدودي الدخل، لكنها بأسعار استثمارية سجل سعر المتر فيها 885 دولارا، وهو ما يناهز نحو 17 ألف جنيه مصري".

 

وأضاف علي "اشتراط حجز وسداد قيمة الوحدة بالدولار يخالف قانون العقوبات المصري، ويفتقد للسبب المشروع؛ ذلك أن تحويلات المصريين المقيمين بالخارج هي من أهم مصادر الدخل القومي والعملات الأجنبية، ومدخراتهم تحول إلى داخل البلاد بشكل طبيعي، وبالتالي فإن اشتراط السداد بالدولار لن يضيف جديدا على تحويلات المصريين بالخارج، لكنه يحرم المقيمين من المنافسة على الوحدات".

 

وختم علي دعواه بالمطالبة بوقف تنفيذ وإلغاء قرار الجهة الإدارية الإعلان عن فتح باب الحجز لوحدات سور مجرى العيون، في ما تضمنه من اشتراط أن يكون الحجز متاحا للمصريين المقيمين خارج البلاد فقط، وأن يكون الحجز والسداد بالدولار؛ بما ترتب على ذلك من آثار أخصها عدم حرمان جميع المواطنين من التقدم لحجز الوحدات، وقبول الحجز والسداد بالعملة الوطنية.

إلى ذلك، كانت عدة دراسات اجتماعية، ذهبت إلى أن السيسي يهدف إلى إخلاء قلب القاهرة والمدن الرئيسيية من السكان الفقراء والغلابة الذين يعدون وقود الثورات والانتفاضات الشعبية على مر تاريح مصر الحديث والقديم، ويسعى النظام لتأمين حكمه عبر تشديدات أمنية وأسوار عالية في كثير من المناطق التي يقطن بها، كما يجري في العاصمة الإدارية وغيرها، كما يؤمن السيسي جميع الميادين بالكاميرات والتواجد الأمني الكثيف ، بجانب طرد ملايين المصريين من المناطق القديمة بالقاهرة والجيزة وإبعادهم إلى صحاري أكتوبر والواحات والسلام والنهضة بهدف حماية نظامه من الهبات الشعبية في ضوء الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تضربهم.

Facebook Comments