باتت مدارس الراهبات ومدارس الإرساليات المسيحية بمصر، مقصدا  لغالبية أبناء الطبقات العليا بالمجتمع المصري، بجانب أبناء المسيحيين  والفئات العلمانية بالمجتمع ، الطامحة إلى تعليم راق ومناصب عليا بالدولة، لما تتمتع به تلك المدارس من خدمات تعليمية راقية ومتابعة كنسية ودعم دولي للمدارس والخريجيين، في ظل تردي العملية التعليمية بعموم المدارس المصرية الخاصة والعامة، بجانب ارتفاع مصاريف المدارس الدولية واللغات.

مصروفات باهظة 

ومع زيادة الإقبال عليها ، رفعت المدارس من مصروفاتها بشكل كبير بجانب التبرعات الإجبارية ومصاريف ورسوم لا ترد لمجرد سحب استمارة التقديم للمدارس، علاوة على  شروط أخرى وصفها أولياء أمور طلاب بالعنصرية، كرفض قبول أبناء القرى والضواحي ومؤهل الوالدين  وتحدث الإنجليزية بطلاقة وغيرها ، وكل ذلك تحت سمع وبصر وزارة التربية والتعليم ، التي غالبا ما تصمت عن تلك المدارس ومخالفاتها مقابل الحصول على 1% من مصروفات تلك المدارس ، إلى جانب خشية النفوذ الغربي  الداعم لتلك المدارس.

 

 

وتخرج في المدارس الكنسية أسماء شهيرة أمثال د. عصمت عبدالمجيد الأمين العام الأسبق للجامعة العربية، والفنان رشدي أباظة، ودودي الفايد نجل الملياردير محمد الفايد، ورشيد محمد رشيد، وزير الصناعة الأسبق، ورئيس وزراء مصر السابق المهندس إبراهيم محلب، ويوسف بطرس غالي، ومنير فخري عبد النور، ونيفين القباج، وزيرة التضامن الاجتماعي الحالية، ومن الفنانين هشام سليم وإلهام شاهين والمخرج رامي إمام والمخرجة ساندرا نشأت، والمطرب حكيم وغيرهم.

 

وتعود نشأة المدارس المسيحية بمصر، إلى القرن التاسع عشر الميلادي.

التنصير 

 

والهدف الأساسي من إنشاء المدارس هو التبشير "التنصير"  وتحويل الأقباط الأرثوذكس إلى المذهب البروتستانتي أو الكاثوليكي، بجانب تحويل المسلمين إلى مسيحيين.

 

ففي النصف الأول من القرن التاسع عشر، شهد المجتمع المصري تشييد مدارس من جانب إرساليات دينية مسيحية أوروبية وأمريكية، وزادت في عهد الخديوي سعيد (1854 – 1863) ومن بعده الخديوي إسماعيل (1863 – 1879) بسبب رغبتهم في الانفتاح على الغرب.

 

واستثمرت الإرساليات الفرنسية المنح والإعفاءات العقارية والجمركية التي تمنحها الحكومة المصرية للإرساليات في بناء مدارسها الكاثوليكية ويطلق عليها مدارس الراهبات أو الرهبان، وهما من يديرونها ويرجع تاريخها إلى أكثر من 175 عاما ولعبت دورا مهما في مجال التعليم، ويبلغ عددها 168 مدرسة، وتتنوع إدارة تلك المدارس بين عدد من الهيئات والجهات الكاثوليكية مثل رهبنة الآباء اليسوعيين الجزويت، وجمعية الصعيد للتنمية، وعدد من الرهبانيات الأخرى التابعة للكنيسة الكاثوليكية.

 

من بين الإرساليات الفرنسية التي أسست مدارس دينية إرساليات "راهبات الراعي الصالح" حيث افتتحت أول مدرسة كاثوليكية للبنات في القاهرة سنة 1845، وحملت اسم راهبات الراعي الصالح، وهناك مدارس الآباء الجزويت، مثل مدرسة العائلة المقدسة بالفجالة (1889) وهناك "راهبات سيدة الرسل" و"راهبات القلب المقدس"، و"راهبات قلب يسوع"، وفي عام 1905 أنشأت جماعة الفرير التبشيرية مدارس في مختلف المحافظات، مثل كلية "دي لاسال" في حي الظاهر بالعباسية  وكلية "سان مارك" بالإسكندرية التي أُنشئت (1928).

 

وقامت الإرسالية التابعة للكنيسة المشيخية بأمريكا، وهي جماعة اهتمت بالتعليم، بإنشاء أول مدارسها عام 1860 بالقاهرة، وسرعان ما نجحت نجاحا كبيرا ، دفع المسؤولين عنها إلى إنشاء غيرها من المدارس في أنحاء كثيرة في مصر.

ثم أقامت الكنيسة الإنجيلية أقدم مدرسة في صعيد مصر في مارس 1865، وهي كلية أسيوط الأمريكية، وفي السنوات الأخيرة للقرن التاسع عشر أُنشِئت كلية رمسيس للبنات تحت اسم كلية الإرسالية الأمريكية للبنات، ثم تحول اسمها إلى الكلية الأمريكية للبنات، وفي عام 1967 ولأسباب سياسية، تغير اسمها إلى كلية رمسيس للبنات، نسبة إلى الشارع الذي تقع فيه الكلية.

المدارس الإنجيلية

أما المدارس التابعة للكنيسة الإنجيلية، فعددها 60 مدرسة، للمدارس أمانة عامة مسؤولة عن إدارتها تابعة للمجمع الأعلى للكنيسة "سنودس النيل الإنجيلي".

 

 وفي حوار مع القس داوود نصر، عضو المجلس الملي العام للطائفة الإنجيلية، أكد أن الكنيسة الإنجيلية في مصر اهتمت منذ تأسيسها بالتعليم، خاصة تعليم البنات، وتوسعت في إنشاء مدارسها حتى وصل عدد المدارس في الدلتا سنة 1904 إلى 135 مدرسة، بالإضافة إلى 250 مدرسة تم إلحاقها بالكنائس المحلية، والكثير سُلم إلى وزارة التربية والتعليم سنة 1962، حين عجزت الكنيسة عن الإنفاق عليها.

 

بينما يشير الباحث القبطي كمال زاخر، مؤسس التيار العلماني في مصر، إلى أن مدارس الإرساليات كانت مكانا للأثرياء من الأقباط وكبار الدولة، لما تميزت به من علم وانفتاح على ثقافات عديدة.

 

فضلا عن أنها أتاحت الإنجيل مطبوعا ومترجما باللغة العربية في الوقت الذي قدمته الكنيسة الأرثوذكسية لرعاياها باللغة القبطية، باستثناء نسخ قليلة بالعربية بخط اليد، وكانت الكنيسة منغلقة وبسبب تراجع دورها وعدم توافق تعاليمها الدينية مع روح العصر، تحولت بعض العائلات الكبيرة من الأرثوذكسية إلى البروتستانتية.

 

 اتجهت الكنيسة الأرثوذكسية إلى التطوير، وقامت بإنشاء مدارس تابعة لها حملت اسم "الإيمان" وبعضها حمل اسم "التوفيق" ووصل عدد المدارس الأرثوذكسية الآن إلى 50 مدرسة تابعة لـ"الإيبارشيات" المختلفة، وهناك مباحثات لعمل قطاع للعمل التربوي للكنيسة الأرثوذكسية ككل.

وفي الفترة الأخيرة ومع ارتفاع الأسعار اتجهت تلك المدارس التي تتلقى دعما غربيا وكنسيا، خاصة من فرنسا إلى رفع مصروفاتها بصورة كبيرة.

ووفق شكاوى أولياء الأمور فإن الحكومة المصرية لا تتصدى للمدارس  ولا تراقبهم؛ خوفا من غضب من يدعمونها على كافة المستويات.

 

وبحسب جورج حنا، وكان مشرفا بإحدى المدارس المسيحية فإن المدارس تتلقى دعما خارجيا حتى تستطيع البقاء على مستوى الجودة والسمعة التي ميزتها من عقود، ويعد هذا الدعم حصان طروادة بالنسبة للداعمين لإبقاء نفوذهم في البلاد، وتحجيم المذاهب الأخرى (الأرثوذكس، البروتستانت، الكاثوليك) خوفا من التبشير وجذب أبناء طائفة لمذهب آخر.

 وقبل أسابيع قليلة من الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي انعقدت في العاشر من أبريل الماضي، قرر الرئيس إيمانويل ماكرون مضاعفة دعم فرنسا المرصود للمدارس المسيحية في المنطقة العربية والشرق الأوسط، معللا ذلك بكونه "التزاما علمانيا تاريخيا" للجمهورية ويشكل استجابة لضرورة عدم التخلي عن النضال من أجل الثقافة والتعليم والحوار في هذه المنطقة المضطربة.

نشطاء مسحيون 

وأعلن ماكرون في 2 فبراير  2022 أثناء لقائه مع نشطاء مسيحيين يتولون مهمة دعم المسيحية والمسيحيين في المنطقة العربية أن الدولة الفرنسية وجمعية "أوفر دوريان" ستضاعفان معا مساهماتهما في صندوق دعم مدارس الشرق، برفعها إلى 4 ملايين يورو، وأنه سيتم مضاعفة المبالغ المالية للصندوق الذي أنشئ في يناير 2020، ووفقا لما نشرته وكالة الأنباء الفرنسية فقد دعم عام 2021 قرابة 174 مدرسة مسيحية، بينها 129 في لبنان، و16 في مصر، و20 في الأراضي الفلسطينية، و3 في الأردن.

وفي تحقيق استقصائي لعربي بوست، كشف العديد من أولياء الأمور عن معاناتهم من رفض إدارات تلك المدارس لعدد من أبنائهم.

واتجهت المدارس المسيحية مؤخرا، إلى الربحية واتخذت إجراءات وصفها البعض بأنها "طبقية" فالمتقدم إليها لا بد أن يكون ابن "فلان" أو من الأثرياء ليدفع تبرعات نقدية كبيرة، ويحجز مكانا تحت سقفها.

وكشف أحد القساوسة   بمدرسة راهبات، أن الحصول على تأشيرة من وزير أو رجال أعمال أو نواب مجلس النواب، بات طريقا سالكا لضمان التحاق الطلاب بالمدارس.

وذلك نظرا لأن هناك مصالح مشتركة بينهم وبين تلك المدارس تجعل الأخيرة تتغاضى عن الشروط التعجيزية التي تضعها أمام أولياء الأمور والمتقدمين الجدد لتكون مبررا لعدم قبولهم.

وتضع تلك المدارس  شروطا صعبة للالتحاق بها ، ولا تشمل الطالب فقط، بل أسرته أو القائم على رعايته، ويتم عمل مقابلات وكشف هيئة واختبارات تعجيزية للأطفال بمفردهم، لكن تلك الاشتراطات لم تكن تطبق مسبقا، ولم يعد أمام الأسر إلا محاولة الحصول على تأشيرة من مسؤول كبير، أو رجل أعمال ذائع الصيت، أو رئيس تحرير مقرب من الأجهزة ويدعم تلك المدارس بنشر أخبارها.

ومنذ أيام تفاجأ أولياء الأمور بمدرسة السلام الإنجيلية الخاصة بمحافظة الإسماعيلية، بوضعها شروطا للالتحاق بمرحلة رياض الأطفال، إذ نص البند الثالث من الشروط على "استبعاد أبناء الضواحي بنطاق المحافظة وأن يكون الوالدان حاصلين على مؤهل عالٍ".

 

ونشر بعض أولياء الأمور استغاثات على مواقع التواصل الاجتماعي، استنكروا فيها استبعاد أبنائهم من الالتحاق بالمدارس قبل حتى إجراء المقابلات معهم، لمجرد أن أحد الوالدين حاصل على مؤهل متوسط أو أنهم من أبناء القرى.

 

مصاريف وبزنس

 

ووفق شهادات أولياء أمور، فقد توسعت إدارات تلك المدارس في تطبيق ما أطلقوا عليه المشاركة المجتمعية، وهي تبرعات باتت إجبارية بعد القبول كشرط لاستكمال إجراءات التسجيل.

وتحولت المبالغ الرمزية التي كانت تدفع في السنوات الماضية إلى آلاف الجنيهات، بل تفوق المصروفات الرسمية في بعض المدارس، وعلى سبيل المثال في مدرسة الأرمن الكاثوليك المصروفات الرسمية هي 13500، بينما التبرعات تصل إلى 15000 تحت بند مساعدة في الإنشاءات ويتضاعف المبلغ إلى أربعة أمثاله إذا تم استثناء الطالب من شروط التقديم.

 

 

 

وهناك مدارس يتفاوض المدير المالي -بشكل غير رسمي- على مبالغ مالية كبيرة جدا لدخول الطالب، لكن إن كان بوساطة قسيس يتم عمل تخفيض له، كما يقول أولياء أمور، مشيرين إلى أن بعض المدارس ذكرتهم بمستشفيات الجيش والشرطة، أبناؤهم لا يدفعون، بينما المدنيون يحتاجون لوساطة للدخول، وهكذا المدارس المسيحية يتعاطفون مع فقراء الأقباط، ويعفون بعضهم من التبرعات، بينما لا يتعاملون بالمثل مع المسلمين.

 

وبحسب شهادة ولي أمر، فقد دفع مبلغ 20 ألف جنيه، لكي يمر ابنه من "الإنترفيو" وينتظر النتيجة، وفي حالة القبول سيتبرع بثلاثة تكييفات للمدرسة، فضلا عن مبلغ مالي يتم التبرع به لصندوق تحيا مصر كما أبلغته الإدارة.

 

 

 

 

ومع استمرار الأزمة الاقتصادية للحكومة المصرية، فمن المرجح ، بحسب مراقبين، أن تتوسع المدارس المسيحية بمصر، مستغلة الدعم الغربي لها، لتوسيع دورها التربوي بما يتخلله من تنصير روادها أو غرس قيم غربية علمانية  بينهم، بجانب التوسع الاستثماري وحرية العمل بعيدا عن رقابة وزارة التربية والتعليم.

Facebook Comments