خلال حديثه في ذكرى الانقلاب مساء الأحد  03 يوليو 2022م، قال زعيم عصابة الانقلاب عبدالفتاح السيسي إن "الحوار الوطني" للجميع باستثناء "فصيل واحد"، في إشارة إلى الإخوان المسلمين وكل القوى الإسلامية التي رفضت الانقلاب على الرئيس الشهيد محمد مرسي. والمسار الديمقراطي، وأعلنت بكل وضوح رفضها السطو على الحكم بأدوات العنف والانقلابات العسكرية.

يقول السيسي: «أطلقنا الحوار الوطني لكل المفكرين والنقابات والمثقفين والقوى السياسية، مع استثناء فصيل واحد فقط»، مضيفا أن "الناس يمكن أن تسأل لماذا نعمل استثناء واحدا، ولماذا ليس كل الناس معنا (بالحوار)؟". وفي إشارة للإخوان، أجاب السيسي قائلا؛ "لأننا في 3 تموز/ يوليو (2013) آخر حاجة عملتها طرحت عليهم (أي الجماعة) تصور نتجاوز به أزمتنا، عبر انتخابات رئاسية مبكرة ونعطي للشعب فرصة يقول رأيه". وناقلا ما ذكره للجماعة آنذاك، أضاف السيسي: "أنتم (أي الإخوان) بتقولوا إنكم عندكم مؤيدين ودي (هذه) مؤامرة (الخروج ضد مرسي في تظاهرات) طيب خلونا (اجعلونا) نكتشف المؤامرة ونعمل انتخابات رئاسية مبكرة". وتابع: "لو الشعب اختاركم (أي الإخوان) يبقى خلاص (انتهى عدتم للحكم) ولو لا تبقون جزءا من العملية السياسية وده محصلش (لم يحدث)" في إشارة لعدم قبول الجماعة. وأكد أنه وفق هذا الرفض وما تبعه "من قتل (…) فالأرضية المشتركة التي تجمعنا في الحوار والنقاش ليست موجودة".!!

الإجابة على ذلك، وهل يقبل السيسي بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة يشارك فيها جميع المصريين على أن يخرج المعتقلون السياسيون في السجون وأن يكون لهم أيضا حق الترشح والانتخاب؟ بل هل يقبل السيسي بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة من الأساس ما دام يدعي أن له شعبية ويجري نفس المنطق على نفسه؟

الأمر الآخر، أنه لا يجب فعلا أن تكون هناك أرضية مشتركة بين القوى الوطنية الحقيقية والقتلة الذين سفكوا دماء المصريين بكل وحشية وإجرام؛ فمن قتل من؟ من قل المصريين أثناء ثورة 25يناير؟ ومن قتل المصريين في موقعة الجمل؟ ومن قتل المصريين في مجلس الوزراء ومحمد محمود وماسبيرو؟ ومن قتل المصريين في مذبحة استاد بورسعيد والدفاع الجوي؟ ومن قتل المصريين في العباسية؟  ثم من قتل المصريين في مذبحة الحرس الجمهوري والمنصة ورابعة والنهضة ورمسيس وعشرات المذابح الأخرى؟ يتعين  محاكمة القتلة المجرمين في كل هذه المذابح وغيرها، بشرط أن تكون محاكمة نزيهة تعتمد على الأدلة بعيدا عن تحريات أجهزتك الأمنية التي لا تحترف شيئا بقدر التلفيق والتهم الجزافية دون دليل واحد. كل هذه المذابح تؤكد أن القاتل هو جهة واحدة فقط  التي انقلبت على المسار الديمقراطي واغتصبت السلطة بالعنف والبطش والإرهاب. وهؤلاء المجرمون يجب محاكتهم محاكمة علنية وينالوا عقابهم الأليم جراء ما اقترفت أيديهم من جرائم وتعذيب وانتهاكات.

 

مآرب السيسي

الإخوان قد رصدوا وحللوا توجهات السيسي وأهدافه من الحوار المسرحي جيدا،  ويدركون أنه يريد توريط المزيد من القوى السياسية في سيناريو الانهيار والتفريط؛ فصندوق النقد الدولي اشترط عليه إجراء هذا الحوار من أجل تحقيق أكبر قدر من التوافق على برنامجه المالي والاقتصادي الذي لا يحظى بأي قدر من الشعبية بين المصريين. كما أن الخليج الذي يناصب الإخوان العداء يخشى أن يتوسع في عمليات شراء الأصول المصرية ثم يسقط النظام ويأتي نظام جديد يؤمم كل  هذه الأصول من جديد، لذلك قد يكون هذا هو سبب الحديث عن ضرورة مشاركة الإخوان في هذه المسرحية وقد يكون هذا هو سبب تصريحات حمدين صباحي بأن الدعوة للحوار لا تقصي أحدا بشرط الاعتراف بشرعية نظام 03 يوليو ودستور 2014م وتعديلاته طبعا. والخليج يريد أن يضمن أمواله قبل شراء هذه الأصول فالسيسي قد أعلن أنه بصدد بيع أصول مصرية بقيمة 40 مليار دولار على مدار 4 سنوات بقيمة 10 مليارات دولار سنويا.

نعلم يقينا أن السيسي نفسه خلال احتفال الأسرة المصرية في 26 إبريل 2022، حدد بكل وضوح الهدف من هذا الحوار حيث «دعا المثقفين والكتاب والمفكرين والإعلاميين إلى تشكيل جبهة صلبة لمواجهة حملات التشكيك من جانب فصيل بعينه(الإخوان) فيما يتحقق من إنجازات. فالأولوية عند السيسي ليست من أجل مواجهة المشاكل التي تحاصره وتحاصر الوطن، ولكن الأولوية هي التصدي لتشكيك الإخوان فيما يتحقق من إنجازات!  وحتى خلال اللقاءات التي جمعت عباس كامل بصباحي وزهران والآخرين "لم يحدث التطرق نهائياً إلى وضع جماعة الإخوان المسلمين، ومعتقليها داخل السجون، في إطار الحديث عن المصالحة السياسية والمجتمعية. كما لم يتم الإشارة نهائياً إلى أي شيء يخص الجماعة".

ببث «الاختيار3» في رمضان الماضي (1443هـ 2022م)، يصر النظام على شيطنة جماعة الإخوان المسلمين، من خلال تقديم وجبة درامية يومية مسمومة عن الجماعة، حيث جرى توظيف كل أشكال التزييف والافتراء والخداع البصري وأدوات الدراما من أجل تمجيد السيسي وشيطنة الجماعة التي فازت بثقة الشعب في أنزه انتخابات في تاريخ مصر في أعقاب ثورة يناير2011م. وراح يؤكد السيسي على ذات المعنى في حفل "أسر الشهداء" صبيحة يوم العيد بالأيمان المغلظة أن ما تم بثه في مسلسل «الاختيار 3» هو ما حدث بالفعل. مدعيا أن المهندس خيرت الشاطر هدد لمدة 45 دقيقة بحرق مصر. تفسير لجوء السيسي إلى الأيمان المغلظة للبرهنة على صحة ما ورد في مسلسل "الاختيار3" إنما يبرهن على فشل المسلسل جماهيريا، كما يعكس ذلك مرور السيسي بحالة نفسية سيئة للغاية وأن الرجل يعاني من مشكلة انعدام المصداقية النفسية؛ شيء من ضميره يؤنبه؛ فيتواري خلف الدراما المزيفة لعلها تنجده، لكن الخوف والقلق يستحوذان عليه؛ فيتواري خلف الأيمان المغلظة، ثم يتحصن بمؤيديه وسط الاحتفالات الصاخبة لعله يشعر بشيء من الدفء المفقود والسكينة النفسية التي ينشدها منذ خيانته وغدره وانقلابه المشئوم. فالسيسي ــ كما يبدو ــ مصدوم من حجم الرفض الشعبي الواسع لـ"الاختيار 3" رغم الإنفاق الباهظ وتسخير كل إمكانيات الدولة لإنجاحه.

ثالثا، في نفس اليوم (الثلاثاء 26 إبريل 2022م) الذي أطلق فيه السيسي الدعوة إلى  الحوار، أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكما جديدا بإدراج جماعة الإخوان على قائمة الكيانات الإرهابية لمدة 5سنوت،  وكذلك تم إدراج عشرين من قيادات الجماعة وشركتين على قائمة الإرهاب بناء على طلب من نيابة أمن الدولة العليا. في رسالة متزامنة واضحة لا تخفى دلالتها ومراميها.

بعد كل هذه الحقائق، لماذا يتم الزج باسم الإخوان في هذه المسرحية العبثية؟ أيضا لا ينبغي أن يتعلق أحد بأهداب هشة، قد لا نملك الأدوات التي تمكننا من مواجهة الظالمين،  عندئذ لا نملك إلا الصبر وألا نقع مطلقا في فخ الاعتراف بشرعية اغتصاب السلطة بأداة غير دستورية وغير قائمة على إرادة الأمة، فإن فعلنا أو فعل بعضنا ذلك؛ فهذا قد يكون مقدمة للاعتراف بحق الصهاينة باغتصاب فلسطين؛ فالاعتراف بشرعية السيسي صنوان الاعتراف بشرعية الاحتلال؛  فكلاهما مغتصب للحق ويملك كل أدوات القوة من أجل تكريس اغتصابه وإكسابه الشرعية المفقودة. ولا يقف أمامه سوى إباء أصحاب الحق وتشبثهم رغم ضعفهم بما هم عليه من حق.

Facebook Comments