من أجل البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة، يتجه الدكتاتور المنقلب عبدالفتاح السيسي نحو توسيع برنامج الخصخصة وبيع أصول الدولة  لشيطان العرب ابن زايد ليقوم بدوره بتمريرها للكيان الصهيوني لتوفير نحو 10 مليارات دولار سنويا، على مدار أربعة سنوات، بخلاف استمرار سياسات الاقتراض من مؤسسات التمويل الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، معنى ذلك أن السيسي يتجه نحو مزيد من الخصخصة ومزيد من الديون.

مشكلة النظام الانقلابي في مصر أنه لا يحظى بأي دعم شعبي يذكر، باستثناء قيادات الجيش وليس الجيش، والأمن الوطني وبعض كبار المسئولين بأجهزة الدولة والإعلام وعدد من المنتفعين من وجود النظام وبقائه. وهؤلاء لا يمثلون سوى أقل من واحد في المائة (1%) من الشعب لكنهم يسيطرون على مفاصل الدولة الحساسة. وهؤلاء لا يدافعون النظام حبا فيه، بل خوفا من انهيار سلطتهم ونفوذهم، وإذا ضمنوا عدم المساس بمواقفهم فإنهم أول من ينقلب على السيسي، لكن المشكلة أن بقاء هؤلاء يعني استمرار العدوى في جسم الوطن وإضعافه وإنهاكه على الدوام.

لهذه الأسباب يضغط كفلاء السيسي في الولايات المتحدة الأمريكية ومؤسسات التمويل الدولية من أجل تسوية الأزمة الداخلية والانقسام المجتمعي الحاد الذي تسبب فيه انقلاب 03 يوليو 2013م. وهناك أنباء عن ضغوط أمريكية من أجل تسوية الأزمة مع الإخوان بوصفهم الفصيل الشعبي الأكبر في البلاد وتسوية الأزمة معهم تعني البداية في أنهاء الانقسام المجتمعي، بينما استبعادهم يعني بقاء الأزمة دون حل وتواصل الانقسام لسنوات أخرى قادمة.

إذا صحت هذه الأنباء فهي تثير كثيرا من التساؤلات حول أسباب ذلك وأهداف واشنطن منها؛ فدور الولايات المتحدة الأمريكية في الانقلاب على الديمقراطية كان محوريا، وكان للسفارة الأمريكية في القاهرة تحت إدارة "آن باترسون"، ووزير الخارجية "جون كيري"، ووزير الدفاع تشاك هيجل، أدوار مركزية في الانقلاب والإشراف عليه ورعايته. ولذلك امتنعت واشنطن عن وصف ما جرى بأنه انقلاب عسكري، رغم أنه انقلاب عسكري مكتمل الأركان وقد اعترف باترسون نفسها بذلك في فبراير 2019م.

فلماذا تريد واشنطن تسوية الأزمة مع الإخوان حاليا؟ بالطبع الأمر يتعلق أولا وأخيرا بالمصالح الأمريكية؛ فالنظام في مصر قد فقد فعليا كل مقومات بقائه تحت وطأة الفشل المتواصل في إدارة موارد الدولة على نحو صحيح، ولولا القروض الباهظة من الخارج والداخل، والمساعدات الخليجية والأمريكية والأوروبية لكان سقط منذ سنوات طويلة. أمريكا تريد بقاء الحكم في مصر عسكريا سلطويا لأن ذلك يضمن المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة وأبرزها التحالف مع إسرائيل والالتزام حرفيا بكامب ديفيد، واستمرار الامتيازات التي تحظى بها واشنطن في مصر والمرور الآمن في قناة السويس، والسماح باستخدام القواعد العسكرية المصرية وفقا لاتفاقية (cesmoa)، بخلاف الأهم والأخطر وهو الاختراق الأمريكي للجيش المصري الذي تحول فعليا إلى إحدى كتائب الجيش الأمريكي، فقد تمكنت واشنطن منذ اتفاقية كامب ديفيد وتقديم مساعدات عسكرية للجيش بنحو 1.3 مليار دولار سنويا من نسح شبكة علاقات قوية للغاية مع قيادات الجيش المصري، وبات النفوذ الأمريكي داخل المؤسسة العسكرية المصرية يفوق الوصف والتوقع؛ ولذلك فإن الحديث عن دور محوري لواشنطن في الانقلاب لا يأتي من فراغ بل يستند إلى هذه العلاقات المتشابكة بين البنتاجون وقيادات الجيش المصري. فقد نجح الأمريكان في تكوين "مافيا" داخل الجيش المصري تدين بالولاء للمشروع الأمريكي والمصالح الأمريكية في مصر والمنطقة، وهؤلاء يحظون بامتيازات واسعة ومكافآت سخية للقيام بهذا الدور القذر تحت لافتة حماية السلام والمصالح المصرية.

بقاء المعادلة على هذا النحو القائم في ظل عدم قدرة نظام السيسي على مواجهة الأزمات التي تحاصره يهدد استمرار المصالح الأمريكية؛ لأن الدوائر الأمريكية تخشى من اندلاع ثورة بشكل مفاجئ كما جرى في 25يناير 2011م، وهو ما يهدد بنسف المشهد المصمم خصيصا من أجل ضمان حماية المصالح الامريكية وعلى رأسها أمن "إسرائيل"، لذلك فإن واشنطن ترغب في ضم الإخوان إلى مسرحية الحوار اللاوطني وتسوية الأزمة معهم ليس حبا في الجماعة بل خشية من هدم المعادلة القائمة تحت وطأة المشكلات التي تحاصر النظام. لكن الدماء الغزيرة التي أراقها السيسي في انقلابه من أجل السيطرة على كرسي الحكم تحول دون تسوية المشكلة في ظل وجود السيسي؛ لأن بقاءه هو محور الأزمة كلها، وهو نفسه يخشى من محاكمته على جرائمه التي فاقت كل وصف وبرهنت على تجذر الإجرام والبلطجة في داخله بصورة  صادمة، لذلك رفض الإخوان الدخول في حوار مع الانقلاب قبل الإفراج عن المعتقلين السياسيين من أبنائها والذين يقدرون بعشرات الآلاف  بخلاف استعادة جميع الأصول التي تم نهبها. وهو ما رفضه النظام؛ ولذلك جاءت تصريحات السيسي في ذكرى انقلابه حول استبعاد "فصيل واحد"،

النظام يستهدف بالحوار توريط المشاركين فيه في دعم برنامجه الاقتصادي (مزيد من الخصخصة وبيع أصول الدولة ـ مزيد من الديون)، وقد شرع النظام فعلا في بيع أصول الدولة دون انتصار لنتائج الحوار؛ ما يبرهن على أنه مجرد حوار شكلي مسرحية للتغطية على الفشل المتواصل، وترجمة لإملاءات صندوق النقد ورعاته في الخارج.

قد ينجح السيسي في مسعاه ببيع أصول الدولة والحصول على قروض جديدة من الخليج أو مؤسسات التمويل الدولية؛ لكن ذلك لا يضمن له الخروج من المشاكل التي تحاصره؛ فماذا بعد؟  قد تمنحه هذه الأموال بعض الوقت لكنه حتما سينفقها على عجز الموازنة وتوفير السيولة، لا سيما وأن الفجوة السنوية في فاتورة الاستيراد تصل إلى  نحو 50 مليار دولار سنويا، بعد تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا. وقد اعترف وزير المالية محمد معيط أن فاتورة الواردات ارتفعت إلى 9.5 مليارات دولار بعد الأزمة الروسية الأوكرانية. وأن العجز في الموازنة المقبلة (22/23) يصل إلى نحو 588 مليار جنيه؛ ما يعني أن مشروع بيع أصول الدولة سيتواصل ولن يتوقف؛ فالسيسي ــ حتى يبقى في السلطة ــ سيظل يبيع في أصول الدولة إلى مالا نهاية حتى يقضي تماما على كل مقدرات البلد؛ وهذا أمر غير قابل للاستمرار بكل لغات العالم. لذلك أتوقع أن السيسي سوف يسقط بالتداعي بمعنى أنه سوف يصل إلى مرحلة لن يتمكن فيها حتى من بيع المزيد من أصول  الدولة ليترك مصر غارقة في بحار الديون وبلا أي أصول يمكن أن تنهض بها من جديد،  وهذا أسوأ حتى من عهد الخدوي إسماعيل الذي أغرق مصر في الديون وكان سببا مباشرا في الاحتلال الإنجليزي لاحقا.

Facebook Comments