كثفت سلطات الانقلاب اتصالاتها مع دول الخليج لحشد الدعم في ملف سد النهضة، على الرغم من أن التصريحات والدعم الشعبي قد لا يكفي للضغط على إثيوبيا للعودة إلى طاولة المفاوضات.
وفي إطار تحركاتها ضد سياسات إثيوبيا المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي، واصلت حكومة السيسي سعيها للحصول على دور خليجي للضغط على أديس أبابا والتوصل إلى تفاهمات مشتركة بشأن تشغيل السد دون الإضرار بالمصالح المصرية في النيل الأزرق، الذي يمد مصر ب 85٪ من حصتها السنوية من مياه نهر النيل.
في الأسبوعين الماضيين، كثف عبد الفتاح السيسي، قائد الانقلاب توسلاته لملوك الخليج كجزء من الجهود المبذولة لمواجهة الإجراءات الإثيوبية أحادية الجانب في نزاع سد النهضة.
في 21 يونيو، استضاف السيسي في القاهرة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وأعقب الاجتماع زيارة قام بها أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى القاهرة في 25 يونيو، وتوجه السيسي إلى عمان في 28 يونيو ثم إلى البحرين في اليوم التالي.
وتأتي تحركات السيسي في الوقت الذي تستعد فيه إثيوبيا لبدء الملء الثالث لخزان سد النهضة في خطوة أحادية الجانب رفضتها الدولتان ، مصر والسودان.
وكانت قضية سد النهضة على رأس جدول الأعمال الذي تمت مناقشته خلال الاجتماعات المصرية الخليجية الأخيرة، والتي تطرقت أيضا إلى سبل تعزيز التعاون لحماية الأمن القومي المصري والعربي من أي استفزازات أو تحديات أجنبية.
كما أعربت دول الخليج عن دعمها الكامل للتحركات المصرية ضد تصرفات إثيوبيا المتعلقة بسد النهضة.
ووفقا لبيان مشترك صدر في ختام اللقاء بين السيسي ومحمد بن سلمان، أكد ولي العهد السعودي دعم بلاده الكامل للأمن المائي المصري باعتباره جزءا لا يتجزأ من الأمن المائي العربي.
كما حث إثيوبيا على عدم اتخاذ أي إجراءات أحادية الجانب فيما يتعلق بملء وتشغيل سد النهضة، وشدد على أهمية استئناف المفاوضات مع مصر والسودان للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم في هذا الصدد.
وقال وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره بحكومة السيسي سامح شكري الذي رافق السيسي في زيارته للمنامة في 29 يونيو الجاري إن "العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة أكد خلال لقائه السيسي تضامن البحرين الكامل مع كافة الإجراءات المصرية الرامية إلى حماية الأمن القومي المصري من تهديدات سد النهضة".
وعلى الرغم من الإجراءات الأحادية الجانب التي اتخذتها إثيوبيا فيما يتعلق بتشغيل وملء السد، إلا أن سلطات الانقلاب لا تزال ملتزمة بالدبلوماسية والمفاوضات، حيث ترى أن الحل السلمي هو السبيل الوحيد لتسوية النزاعات القانونية والفنية وفقا لإعلان المبادئ الموقع بين مصر والسودان وإثيوبيا في مارس 2015.
وقال نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أيمن عبد الوهاب للمونيتور "تشهد المنطقة العربية العديد من التغيرات التي تتطلب موقفا عربيا مشتركا تجاه التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية، وهو ما تسعى القاهرة إلى تحقيقه من خلال صياغة مواقف عربية والتوصل إلى تفاهمات تحمي المصالح المصرية في عدة قضايا أهمها سد النهضة".
وأضاف عبد الوهاب "قد لا تقتصر التحركات المصرية والعربية على تشكيل موقف موحد بشأن سد النهضة فقط، بل قد تشمل قضايا أكثر شمولا، منها الأمن الغذائي العربي والطاقة، فضلا عن الأزمة السودانية والصراعات في القرن الأفريقي".
وتابع "من مصلحة الخليج الآن تهدئة أي نزاع إقليمي قادر على الإضرار بمصالحه الخاصة في المنطقة".
وقال عبد الوهاب "التصريحات السياسية الإيجابية لا تكفي لتغيير المواقف أو حل الأزمة، لأن الوضع يتطلب إجراءات فعلية وسياسات تضغط على إثيوبيا لاتخاذ مواقف أكثر مرونة بشأن سد النهضة، كما يجب أن تكون هناك سياسات عربية حازمة تأخذ بعين الاعتبار التغيرات الداخلية والخارجية وتعقيدات ملف سد النهضة، وكذلك الوضع الداخلي في إثيوبيا، حيث تستمر الحرب الأهلية والاقتتال الداخلي".
لطالما كان ملف سد النهضة على جدول أعمال حكومة الانقلاب خلال اتصالاتها مع الدول العربية، وأصدرت جامعة الدول العربية عدة بيانات داعمة لمصالح مصر والسودان وحقوقهما في نهر النيل ضد أي تحركات وتهديدات إثيوبية أحادية الجانب، لكن دون جدوى.
لكن على الرغم من الدعم الشعبي العربي لموقف مصر من قضية سد النهضة، واصلت دول الخليج ضخ المزيد من الاستثمارات في دول القرن الأفريقي، وخاصة في إثيوبيا، كجزء من جهودها لتعزيز الأمن الغذائي في منطقة الخليج في ضوء الحرب الروسية الأوكرانية.
وتركز الاستثمارات الخليجية في إثيوبيا، وخاصة من قبل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بشكل رئيسي على قطاعي الزراعة والتصنيع، ويقام عدد من هذه المشاريع على أراض مروية بمياه النيل داخل إثيوبيا.
وفي الوقت نفسه، لعبت دول الخليج دورا محوريا في تسوية الصراعات الإقليمية في القرن الأفريقي، وفي عام 2018 ، كانت المملكة العربية السعودية لاعبا مهما في التقارب الإثيوبي الإريتري حيث استضافت توقيع اتفاقية السلام التاريخية بين البلدين.
كما حاولت الإمارات التوسط لإنهاء النزاع الإثيوبي السوداني حول منطقة الفشقة الحدودية، لكن جهود الوساطة هذه لم تؤت ثمارها بعد.
وقالت الصحفية المصرية المتخصصة في الشؤون الأفريقية صباح موسى للمونيتور "تمتلك السعودية وقطر أدوات قوية للتدخل والتوسط وحل النزاع بين مصر والسودان وإثيوبيا حول النيل نظرا لعلاقتهما الجيدة مع جميع أطراف النزاع".
وأضافت "لا أتوقع أن تلعب الإمارات دورا ناجحا، حيث فشلت محاولتها للتوسط في النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا في أن تؤتي ثمارها، وقد يكون هذا وراء عدم الإعلان عن أي مواقف إماراتية داعمة لمصر في صراعها مع إثيوبيا".
وأوضحت "أما بالنسبة للتقارب المصري القطري، فقد يساعد ذلك في دفع قطر إلى اتخاذ موقف لصالح مصر والسودان، والأهم من ذلك هو اتخاذ إجراءات للضغط على الإدارة الإثيوبية لاتخاذ مواقف أكثر مرونة والتعاون في ملء وتشغيل السد".
ويأتي الملء الثالث لخزان سد النهضة هذا العام في وقت يتصارع فيه المجتمعان الدولي والعربي مع قضايا اقتصادية وأمنية، فيما تبدو القاهرة أكثر هدوءا ولا تتوقع أضرارا كبيرة من عملية التعبئة الثالثة، كما أنها لا تتوقع حصتها السنوية من مياه النيل التي تعتبرها خطا أحمر أن تتأثر.
وفي غضون ذلك، لا تزال الاتصالات السياسية مع الخليج خاضعة لإعلان تدابير حاسمة تتعلق بسد النهضة تتجاوز بيانات التضامن الدبلوماسي.
https://www.al-monitor.com/originals/2022/07/egypt-hopes-gulf-mediation-will-help-resolve-nile-dam-dispute