«لعبة الأمم».. ماذا يعني لك 23 يوليو 1952؟

- ‎فيتقارير

تحل اليوم ذكرى السبعين لانقلاب 23 يوليو 1952، وهو انقلاب عسكري قادة مجموعة ضباط اطلقت على نفسها اسم الضباط الاحرار ، ضد الاسرة الملكية العلوية ، وهي سلالة حكمت مصر ذات أصول ألبانية أسسها محمد علي باشا من الباشوات و‌الخديويات، واخر ملوكها هو الملك فاروق بن فؤاد الاول.

فيما يتذكر احد النشطاء المصريين ذلك اليوم بقوله:" اليوم 23 من يوليو يحتفل الخائن الخسيس بذكرى خيانة الخائن المقبور الذي بدأ وأسس لدولة العسكر الخونة وصاحب أعلى ظاهرة صوتية عرفتها ميكروفونات مصر المخروسة المخطوفة".

 

ومَرَّ سبعون عاماً

أدرك المصريون ولكن بعد فوات الأوان أن اليوم ذكرى أبشع انحطاطا حضاريا، لمحو هوية مصر، التي رغم احتلالها حوالي 3000 سنة لم يستطع المُحتل؛ الاقتراب من تجانس المصريين الاجتماعي، ويحتفل اليوم شرذمة من المختلين والمعتلين نفسيا بصحبة رفقة من الخونة؛ لنجاح انقلاب العسكر في قمامة 23 يوليو.

يقول الاعلامي احمد عطوان :" في مثل هذا اليوم 23 يوليو 1952م استبدلنا المحتل الاجنبي بالمحلي،حيث قام ضباط بالجيش بانقلاب عسكري وطردوا الملك وطردوا المحتل الانجليزي..واحتلوا حكم مصر حتى اليوم".

ويقول الصحفي أحمد عبد الجواد :" في مثل هذا اليوم منذ 70 سنة إنتقلت مصر من احتلال بريطاني مباشر  لإحتلال عسكري مصري بالوكالة ثم لكل صنوف الإحتلال روسي أمريكي صهيوني منذ ذلك التاريخ أصبحت مصر في عهد العسكر مرتع لكل أفاق كذاب وأصبحت تتسول غذائها ودوائها وسلاحها،أصبح للفساد دولة تقننه وترعاه".

في كتابه "ثورة يوليو الأمريكية" لا يهدف الصحفي والكاتب الراحل "محمد جلال كشك" من كتابه إلى نقد جمال عبدالناصر لشخصه؛ ولكنه يهدف لتبيان ما جره علينا انقلاب 23 يوليو من مآس بحق المصريين والأمة العربية والإسلامية.

ينطلق جلال كشك لتبيان هذا من خلال شرح وتوضيح علاقة جمال عبدالناصر بالمخابرات الأمريكية، هذه العلاقة التي بدأت قبل الثورة واستمرت لعام 1965 وكانت هي المحرك الرئيسي للقيام بحركة تقضي على حالة التحرر الوطني التي عاشتها البلاد وتكفل انتقالا هادئا للسلطة من الاستعمار البريطاني إلى الاستعمار الأمريكي في إطار لعبة الأمم.

يستدل الكاتب جلال كشك بحكاية خطيرة أوردها «محمد حسنين هيكل» أبرز مؤرخي هذه الفترة، في كتابه «ملفات السويس» وهو النسخة العربية من كتاب «السويس: قطع ذيل الأسد»، ولكننا نقرأ تحريفا خطيرا يدل على الطريقة التي كانت تدار بها مصر في عهد عبدالناصر.

في النسخة العربية يورد هيكل ما معناه أن الوزير البريطاني جاء مصر ليقابل جمال عبدالناصر ويخبره بأنه أثناء حديثه مع بن جوريون، سأله الصهيويني عن نوايا جمال عبدالناصر تجاه إسرائيل؟ فأجابه ريتشارد كروسمان بأن إسرائيل ليست من ضمن أولويات جمال عبدالناصر الملحة الآن، وأنه يركز جهده على الخلاص من الإنجليز وعلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر، ويأتي رد بن جوريون: «هذه أسوأ معلومة سمعتها في الشهور الأخيرة».

أما في الطبعة الإنجليزية فنقرأ رواية مختلفة تماما مفادها أن الوزير البريطاني فشل في الحصول على مقابلة مع جمال عبدالناصر من خلال السفير البريطاني، فأحال الأمر إلى السفير الأمريكي الذي رتب الأمر مع «وليام ليكلاند» وتمت المقابلة في ديسمبر 1953م، من هو «وليام ليكلاند»؟

وليام ليكلاند هو ضابط الاتصال السياسي بالسفارة الأمريكية، بصيغة أخري هو مسئول الاتصال بالمخابرات المركزية الأمريكية في السفارة، والذي نجد له أيضا يدا واضحة في انقلاب شباط 1963م ببغداد على عبدالكريم قاسم. وفي كتاب «الطريق إلى السويس» لمؤلفه مايكل ثورنهيل نجد تلك العبارة المثيرة:Nasser and Lakeland visited each other’s homes for late night chats about strategy = «تزاور ناصر وليكلاند مرارا من أجل سهرات طويلة من المحادثات الاستراتيجية».

فكيف يتأتى لرئيس مصر أن يتم ترتيب لقاءاته من خلال المخابرات الأمريكية؟! هذه الواقعة لا تترك إلا مخرجا واحدا لتفسيرها، وهو أن انقلاب يوليو كان بمثابة انتقال للسلطة الفعلية من يد بريطانيا إلى يد أمريكا، وما كانت إلا استبدالا لاستعمار باستعمار.

في فصل «البحث عن قائد حقيقي في مصر»، يشير كيرمت روزفلت إلى طبيعة تفكير المخابرات المركزية في مصر وخياراتها فيقول: «كان تقدير المخابرات المركزية إما أن تدفع فاروق إلى القيام بثورة بيضاء يطهر بها النظام من الداخل ويمتص غضب الناس، أو الخيار الآخر هو الجيش الذي به غضب مكتوم وهناك تنظيمات سرية تسعى للإنقلاب علي الملك. وكان أن استقرت المخابرات المركزية على دعم التنظيم المنشود (الضباط الأحرار) الذي كان مصريا ووطنيا في مجموعه، وإن ضم عناصر للمخابرات المحلية والأجنبية كما هو الحال في كل التنظيمات السرية».

 

 

وتم الانقلاب

وكان من نتائج الإجتماعات التي سبقت يوليو 1952م، أن تفاهم ناصر على دعم الأمريكان، ومنع تدخل الإنجليز في حال الانقلاب، وتهدئة اللهجة الأمريكية ضد الانقلاب؛ والأهم من ذلك التزام ناصر بألا تحتل قضية فلسطين صدارة أولويات الدولة المصرية الجديدة، وتم الانقلاب.,

وفي وقت بدت ثورة 25 يناير 2011 وكأنها تتطلع نحو القطع النهائي مع الإرث السياسي لانقلاب يوليو 1952، وإرساء دولة مدنية وديمقراطية، جاءت انقلاب30 يونيو2013 ليجهض ذلك، ويعيد إنتاج جمهورية العسكر، بعد أن تكفل السفاح السيسي بإخراج نسختها الأكثر سوءا في انقلابه المعلوم على الرئيس الشهيد محمد مرسي.

ولم يكن إعلام السفاح السيسي، في تسويده الممنهج حكم الرئيس الشهيد مرسي الذي لم يدم سوى سنة يتيمة، يعزز شرعية هذا الانقلاب فحسب، بل كان يعيد إلى الأذهان الصورة السلبية التي أشاعها الإعلام الناصري عن الملك فاروق، بالتوازي مع رسم صورة بطولية للقائد العسكري بالضرورة الذي يخلص الشعب من محنته ويستجيب لمطالبه، ما يعني تسفيها مقصودا مزدوجا أولا للتمرين الديمقراطي النسبي الذي عاشته مصر قبل 1952، وثانيا لحكم مرسي، وبذلك عزز السفاح السيسي ما ترسّخ في الأذهان عن معاداة عصابة يوليو للديمقراطية وقيم حقوق الإنسان.

أعاد إعلام السفاح السيسي عهد الملك فاروق إلى الأذهان من حيث لا يقصد، حين استلهم النموذج الإعلامي الناصري في تسفيه حكم الرئيس الشهيد مرسي، مثلما فعل نظام عبد الناصر مع الملك فاروق.

وفي هذا الصدد، لعب قطاع واسع من الناصريين دورا لافتا في تقديم انقلاب 30 يونيو وكأنه امتداد لانقلاب 23 يوليو الذي قاده الجيش ضد الملكية، بما يدل عليه ذلك من شرعنة الانقلاب الذي قام به السفاح السيسي لكي يصبح، لاحقا، 'مرشح الضرورة، بتعبير الطبال الراحل محمد حسنين هيكل.